الراصد القديم

2013/09/29

الإمبراطورية الأمريكية أمام سؤال المصير



عبد الله بن عمارة الجزائر

لم يعد من شك لأي متابع للشأن الاستراتيجي أن بداية تراجع المشروع الإمبراطوري الأمريكي قد بدا بشكل جلي منذ السبع سنوات الماضية , يمكن التأريخ له بحرب لبنان في 2006 التي عجز فيها الكيان الوظيفي لهذا المشروع من تجاوز الحلقة الأهم (سحق حزب الله)في إتمام صياغة مشروعه الشرق الأوسط الكبير الجديد  الذي خرج من مراكز البحوث و الدراسات من  المستوى التنظيري المعرفي,  المؤطر ضمن منظومة فكرية متكاملة شكلت المرجعية الثقافية للمشروع الأمريكي في عهد المحافظين الجدد,- أسس روادها  لمفاهيم ذات حمولة فكرية غارقة في التنظير للاستعلاء و السيطرة و العنصرية الغربية من قبيل " الاستباق" في الحرب مع ويليام كريستول و لورانس كابلان إلى "الفوضى الخلاقة" مع مايكل ليدن دون إغفال دور برنارد لويس كمرجع لكل هذه المنظومة -, إلى المستوى العملي المعمد بدماء الأبرياء من شعوب هذا المشرق .
احتلال العراق - بوصفه التجسيد الفعلي و المباشر للإستراتيجية الإمبراطورية لأمريكا في أوج طموحها للسيطرة على منابع النفط و طرق مواصلاته ,و تامين ما تسميه أدبيات الأمن القومي الإسرائيلي بالجبهة الشرقية و ترسيخ أحادية القرار الأمريكي في العالم بالقدرة على تغيير الأنظمة و استبدالها بأخرى تابعة دون الحاجة للرجوع "لمؤسسات الشرعية الدولية "-تحول إلى ما يمكن أن نمثله بالفرصة التاريخية لقوى إقليمية "مارقة"عن منظومته الإمبراطورية ذات البعد النيولبرالي العولمي الرافض للدول الوطنية و مشاريعها النهضوية الاستقلالية المواجهة لمخططات التقسيم و التجزئة , التي تقع في القلب من المشروع الإمبراطوري الأمريكي و أدواته الوظيفية في المنطقة .
هذه الفرصة التاريخية لهذه الدول الوطنية المستقلة و المنتظمة في إطار محور متكامل يضم إيران و سوريا و المقاومتين اللبنانية و الفلسطينية فتحت المجال لأكبر عملية استنزاف للمجهود الحربي الأمريكي منذ حرب فيتنام ,أدت إلى انكشافه عسكريا, بإظهار محدودية قدرته العسكرية الجبارة في تحقيق أهدافه الكبرى أمام المقاومة العراقية خصوصا  مع الانخراط شبه المباشر و الحاسم  لحزب الله بهذا الاشتباك  بعد حرب 2006 و الذي اظهر فعالية و جدوى عسكرية ظهرت في أداء كتائب حزب الله في العراق التي بدت كنسخة عراقية عن حزب الله (لا يكاد يخلو تقرير صحفي أو عسكري و تصريح للاحتلال الأمريكي من دون ذكر الدور الفعال لهذا الفصيل ) و عصائب أهل الحق من العراق ,دون إغفال الزخم المقاوم الذي صنعته فصائل أخرى منذ تاريخ سقوط بغداد و الذي تعرض للاحتواء بالمال الخليجي و للتكتيكات الأمريكية في مواجهة القاعدة (الصحوات نموذجا),  و استراتيجيا بالتأسيس لبداية عصر الانكفاء إلى الداخل و الابتعاد عن شن الحروب الكبرى عدا عن الأعباء الاقتصادية الكبرى التي ساهمت بشكل حاسم بالإضافة إلى عوامل أخرى في بروز الأزمة الاقتصادية التي أصبحت عائق أمام أي نزوع إمبراطوري لأمريكا .
هذا الانكشاف الذي وصل إلى ذروته بإعلان الانسحاب من العراق- في مشهد خالي من أي بهرجات إعلامية عادة ما تصاحب الحشود العسكرية الأمريكية -بخسائر بشرية و مادية هائلة دون تحقيق الحد الأدنى من الأهداف من اتفاقية أمنية تضمن تواجده العسكري إلى نظام منضو لمنظمة الدول العربية السائرة في الفلك الوظيفي للمشروع الأمريكي ,بدأ باعتراف أمريكي بالدور الحاسم لسوريا و إيران في عرقلة مشاريعها في العراق و الحاجة للجلوس معها في طاولة مفاوضات لخروج من المأزق بما سمي بورقة بيكر-هاملتن.
فكانت من نتائج حرب 2006 في لبنان فشل المشروع الأمريكي الإمبراطوري الشرق الأوسط الكبير ,الذي سبق للسيد حسن نصر الله في إحدى خطبه أن استعمل مصطلح تحطيم  البوابة الغربية لمشروع الشرق الأوسط  الكبير في معرض تحريضه للمقاومة العراقية لهزيمة هذا المشروع في بوابته الشرقية أي العراق ,هذا الفشل و العجز عن تحقيق أهداف إستراتيجية كبرى عبر الاستعمال الموسع للقوة العسكرية في اكبر تحرك إمبراطوري أمريكي و ضمن سياق جيوستراتيجي مؤات (ما بعد أحداث سبتمبر 2001) لم يكن بعيدا عن مخابر التمحيص و الدراسة لدى قوى عالمية صاعدة كروسيا باعتبارها رأسمالية وطنية ذات مشروع وطني استقلالي يطمح لأداء دور عالمي يتناسب مع قوتها العسكرية و قدراتها الاقتصادية الهائلة ,و الصين القوة الاقتصادية الكبرى التي تتهيأ للوصل إلى مرتبة الاقتصاد  الأول  عالميا ,بما أسس لرؤية إستراتيجية جوهرها التنسيق و التحالف المنتظم في إطار تكتلات تتموقع تدريجيا خارج سياق سيطرة المنظومة العولمية السياسية و الاقتصادية بقيادة أمريكا (مجموعة شانغهاي و البريكس نموذجا).
بوصول اوباما لقمة الإدارة الأمريكية بما مثله من استجماع لكل الخطاب الأمريكي الذي يعادي الحروب و يعطي الأولوية للخروج من الأزمة الاقتصادية ,و الذي رافقته شهادات و دراسات تدعو لإعادة تقييم الأداء الأمريكي العالمي في فترة المحافظين الجدد ,بدا للدارس أننا أمام بداية اعتراف أمريكي  ضمني بالضرورة الملحة للانكفاء صوب الداخل الأمريكي المتأزم ,لكن أحداث سوريا التي تلت ما عرف ب"الربيع العربي" أعادت الأمريكي إلى المشهد العالمي في صيغته الإمبراطورية التي تحاول ركوب الموجة الجديدة للأحداث بما يخدم مشروع السيطرة من جديد فأصبح لزاما على صانع القرار الأمريكي استعادة تنظيرات مايكل ديلن حول "الفوضى الخلاقة" أو اعتماد دراسة شريل بينار حول ضرورة صياغة تحالفات من نوع جديد  مع قوى الإسلام السياسي  المستعدة لخدمة المصالح الأمريكية ,في سياق عام بدا له انه مؤات لكسر شوكة سوريا كمحور لهذا المشرق الذي عرقل  مشاريعه و كشفه استراتيجيا .
العقل الإمبراطوري غير خاضع بالضرورة للعقلانية في الأداء التي قد تنبع من مراكز الدراسات و البحوث (think tanks ) و إنما غالبا ما يقع في دائرة السلوك المزهو بالقوة العسكرية و الغطرسة التي قد تجد لها من يبررها أو ينظر لها من داخل هذه المراكز نفسها ,فلا يستسيغ النزول بسلاسة من ذروة الشعور الاستعلائي (النابع من المركزية الغربية) بالتفوق حضاريا و عسكريا بل و حتى قيميا على العالم إلا من خلال خوض حروب يعتبرها مصيرية للحفاظ على موقعه العالمي تماما كما كانت حرب السويس عام 1956 ضد مصر حاجة لإثبات هذا الشعور لدى الإمبراطورتين الفرنسية و البريطانية  و انتهت نتائجها بخروجهما من المشهد العالمي  من مستوى إمبراطوريات عظمى إلى دول منخرطة تحت مظلة الثنائية القطبية السوفيتية و الأمريكية .
أمام الإمبراطورية الأمريكية اليوم بكل مراكز صناعة القرار فيها تحدي الإجابة على سؤال المصير, فإما قبول ضمني بتغير العالم لجهة تعدد أقطابه و قواه و قبول اختلاف مرجعيات شعوبه الثقافية و الحضارية ,و الاعتراف بضرورة الانكفاء التدريجي وفق مفاوضات تسووية يبدو أن روسيا ما زالت توفر لها الأرضية لضمان المصالح الأمريكية في الإقليم و العالم ,و إما خوض حرب كبرى للحفاظ على دورها الإمبراطوري العالمي و تفوق نموذجها الاقتصادي و القيمي .
هذه اللحظة المصيرية بالنسبة للإمبراطورية الأمريكية هي نقطة تحول مفصلية في السيرورة التاريخية لها منذ ظهورها فهل نحن أمام الخيار الأول الذي يعني نصر لسوريا و لشبكة تحالفاتها الإقليمية و الدولية و اقتحام للتاريخ من باب صياغة النظام العالمي الجديد المنشود ,أو أمام خيار المواجهة الكبرى الذي استجمعت فيه منظومة المقاومة  كل عوامل القوة و أدوات الاشتباك ذو الطابع الوجودي لتغيير وجه المنطقة ....و العالم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر