الراصد القديم

2013/09/30

لماذا للفلاح عيده ؟



مديحة عمارة

بعد مرور اقل من الشهر ونصف الشهر فقط من قيام ثورة 23 يوليو 1952 اعلن جمال عبد الناصر صدور قوانين الاصلاح الزراعى , والذي بمقتضاها وزعت الاراضى الزراعية على الفلاحين ليصبحوا للمرة الاولى ملاكا لاراضيهم بعد ان كانوا مجرد اجراء يعملون بالسخرة لدى الاقطاعيين المالكين لكل الاراضى الزراعية , رغم انهم لايمثلون سوى نصف فى المائة من الشعب كله .. اى ان فى ذلك الوقت كان ( النصف فى المائة ) يمتلكون كل الارض والباقية من الشعب وهى ( التسعة وتسعين ونصف فى المائة ) لايمتلكون اى شئ !! ..
وفى يوم ( التاسع من سبتمبر 1952) وقف جمال عبد الناصر وامامه فلاح بسيط اسمه الشيخ ( محمد البهوتى ) يسلمه اول عقد ملكية لخمسة افدنة من ارض الاصلاح الزراعى ..
والشيخ محمد البهوتى هو فلاح من قرية صغيرة اسمها( بهوت) تابعة لمحافظة الدقهلية .. فما هى حكاية الشيخ محمد ؟ وماذا عن قريه بهوت ؟ وماعلاقتها بثورة يوليو 1952 ؟ ولماذا اختيرت لتكون القرية الاولى التى وزع فيها جمال عبد الناصر الارض على الفلاحين ؟ .. والاهم : ماذا قال جمال عبد الناصر عن بهوت بعد قيام ثورة يوليو ؟ ..
اختار جمال عبد الناصر ان تكون بهوت هى اول قرية تطبق فيها قوانين الاصلاح الزراعى وتوزع الاراضى على فلاحيها , ولم يكن الاختيار عشوائيا بل كان عن سبق اصرار ووعى بقصة ثورةاخرى سبقت قيام ثورة يوليو 52 19, وكانت ساحتها قرية ( بهوت ) .. ثورة انتفض فيها الفلاحون ضد ظلم الاقطاع الذي كان يتعامل معهم تعامل السيد مع عبده , ويواجه اى خطأ بسيط من اى فلاح بالكرباج واذا لم يكف الكرباج فلتكن رصاصات البندقية هى العقاب !!
وهذا ماحدث فى بهوت عام 1951 .. وكانت كل ارا ض بهوت فى ذلك الوقت وكل اراضي القرى المجاورة مملوكة لعائلة بدراوى ( باشا ) عاشور .. وكان الباشا يأمر وعلى الفلاحين العبيد الطاعة العمياء , حتى لو لم لم يكن الامر قابلا للتنفيذ !
وفى ذلك اليوم من عام 1951 , امر الباشا بتوريد كميات محددة من القمح الى مخازنة , لكن الانتاج لم يكن يكف لتغطية المطلوب ، فيغضب الباشا ويطلب تأديب الفلاحين , ويهاجم رجاله بيوت الفلاحين ويستولون على كل شئ لديهم , ويتم القبض على اكثر من خمسين فلاحا ويتم حبسهم فى قصر الباشا .. وتنتفض القرية للمرة الاولى ويتجه الجمع من الفلاحين الى قصر الباشا ويحاصروه ويشعلوا النيران من حوله محتجزين فى داخله ( نازلى سراج الدين) زوجة ( محي الدين بدراوى عاشور) وتتصل نازلى بوالدها ( فؤاد سراج الدين ) وكان وزيرا للداخلية انذاك فيامر الهجانة والعسكر بالتوجه للقرية ويتم محاصرتها لمدة 45 يوما .. ويقف (عبد المجيد بدراوى عاشور) بجبروته وسط العسكر ويصوب بندقيته الى احد ابناء القرية ليسقط بعدها شهيد بهوت ( محمد ابو الريش ) ثم يقوم بقفع عين الفلاح ( امين عباده هنادى ) ويصيبه بالعمى !! ثم يحذو اخوه ( عبدالعزيز بدراوى عاشور ) حذوه ويقتل ببندقيته الشهيد الثانى لقرية بهوت الشيخ ( غازى العجمى ) .. ويدخل ( محي الدين البدراوى عاشور) عضو البرلمان و زوج نازلى سراج الدين حلبة المنافسة على ظلم الانسان القوى لاخيه الانسان الضعيف, ويقف محتجا داخل البرلمان على العدد الهزيل من القتلى قائلا قوله الشهير ( لو كنت متواجدا اثناء الاحداث لقتلت جميع الفلاحين فهؤلاء فلاحين كلاب ) !!
وفى ذلك الوقت كان هناك مجموعة من الضباط الاحراريعدون لقيام ثورة يوليو 52 وكانت عيونهم متجهة لبهوت , وصدورهم تغلى بما يحدث فى بهوت .. وفى اذهانهم الظلم الواقع على الغلابة من عامة الشعب , وكانت الافكار تختمر فى ذهن قائد الثورة جمال عبد الناصر, وكانت ثورة بهوت عام 1951 حافزا ليخطو الخطوة الاولى فى طريق الكرامة .. وعن هذا قال جمال عبد الناصر ( ان ثورة الفلاحين فى بهوت عام 1951ضد الاقطاعيين كانت الباعث للثورة لاصدار قوانين الاصلاح الزراعى ) ..
لذلك لم تكن مصادفة ان يكون الشيخ ( محمد البهوتى ) ابن بهوت هو اول من تسلم عقد ملكية الخمسة افدنة من ارض الاصلاح , وهو من قام عبد المجيد بدراوى بحبسه وتعذيبه حتى اوشك على الموت .. ويكون ثانى فلاح يتسلم عقد ملكية ارضه هو ( بدر الشربينى ) الذي احل عبدالمجيد بدراوى دمه لانه هجم عليه لحظة ان شاهد الشهيد محمد ابو الريش يسقط على الارض غارقا فى دمائه برصاصات بندقية عبد المجيد بدراوى , لكن بدر الشربينى فر هاربا من القرية تماما ولم يعد لها الا بعد قيام ثورة يوليو ..
وهكذا اصبح للفلاح عيده .. ولبهوت قصتها مع ثورتها الاولى ضد الاقطاع .. ولبهوت تأثيرها على ان يعجل جمال عبد الناصر بوضع قوانين الاصلاح الزراعى , اخذا بثأر الفلاح الذي عاش عمره ذليلا اجيرا عاملا بالسخرة مسحوقة كرامته تحت سياط كرباج الباشا ..
وفى هذه المناسبة ( عيد الفلاح ) .. ولان بهوت لها مع جسارة الجدود تاريخ مشرف .. ولان التاريخ كثيرا ما يعيد نفسه .. فاذا بالابناء الذين ورثوا الجسارة عن الاجداد والاباء يقفون نفس الوقفة الشجاعة عام 1994 ضد جبروت نازلى سراج الدين التى انتهزت فرصة تفشى فساد نظام مبارك , وسعت لاسترداد ارضها , وحصلت على قرار بطرد الفلاحين من اراضيهم , ومكنها من هذا يوسف والى وزير الزراعة انذاك وساعدها لتنفيذ قرار الطرد وزير الداخلية وامن وزارته ..
وهنا اعادت الفلاحة ( راقية عبد القوى ) ابنة قرية ( كفر قطاى ) للاذهان تاريخ اجدادها مع الجسارة .. هذه السيدة الجسورة التى جعلتنى بعد ان سمعت قصة جسارتها , اذهب الى بهوت ذلك الوقت , لكى اراها واقف امامها وقفة اجلال وتقدير, وهى تجلس فوق تراب الغيط متحدية ظلم نظام حسنى مبارك الذى سمح بعودة الظلم , ومكن الجببارة من ان يسلب الفلاح حقه الذي اعاده له جمال عبد الناصر من جديد ..
فى عام 1994 واجهت راقية عبد القوى هذه الفلاحة التى هى بالف رجل واجهت امن مبارك , وجلست ومعها الفلاحة اسماء عبد الرحمن والفلاح محمود سعد سليمان وممدوح عبد النبي يواجهون بنادق شرطة حسنى مبارك فى قلب الغيط مضربين عن الطعام مواجهين مامورالقسم غير خائفين من تهديداته وشتائمة .. متحديين قرارت يوسف والى بكل جسارة ورثوها عن الاجداد , رافضين ان تنزع الارض منهم ومن بقية الفلاحين ..
وللفلاح فى عيده ملايين التحايا والتقدير .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر