الراصد القديم

2013/09/30

مفارقات الثورة والنكسة في الوطن العربي !!



اسماعيل ابو البندورة

ما نلاحظه الآن في المشهد العربي الراهن المضطرب مثير للقلق والخطر ، بعد أن بهتت فيه أفكار وأحلام الثورة والتغيير الى حد كبير ، وبانت فيه وتجلّت ظواهر ومحاولات : لتفكيك الدولة العربية ، واضعاف الجيوش والقوة العسكرية واخراجها من الخدمة ، اشعال الحروب الأهلية وتفسيخ النسيج الاجتماعي للشعب ، واثارة الفتن الطائفية والأثنية ،تمزيق الوحدة الوطنية وتهديد وحدة اراضي الدول بالتقسيم المادي والمعنوي، تفهم وتبرير وتسويغ فكرة التدخل الاجنبي في الشأن القومي العربي ( مؤسسياً في الجامعة العربية ، ولدى بعض الدول العربية على انفراد )، الى آخر ما هنالك من مظاهر سلبية ونابذة ومزعزعة للفكرة القومية والوطن العربي الواحد .

وهذا الانقلاب والانتقال من حلم الثورة والتغيير في الوطن العربي الى الثورة المضادة وضلالاتها ، والاقتتال الداخلي والتدخل الخارجي ، والتفسخ والسقوط السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، هو مايجب أن يتم التركيز عليه في التحليل والتفسير في اللحظة الراهنة ، علّنا نجد آفاقا جديدة للتفكير بالحال الانحطاطي العربي الراهن ، وانقاذ مايمكن انقاذه ، وهو ايضا مايجب أن نتعمق في أسبابه الداخلية والخارجية بغية فهمه وتجاوزه . وذلك من اجل أن تتوضح لنا طريقة اشتغال هذا الانتقال الملتبس ، والكيفية والاليات التي جرى فيها الانقلاب على حلم الثورة وتقويضه ، وكل مايجب أن نذهب اليه من ادراكات تحول دون هذا السقوط العربي الى نهاياته الأشدّ والأكثر افزاعاً وكارثية .

لقد كان هناك اجماع تحليلي عربي وعالمي شبه كامل منذ نهاية عام 2010 بأن ما انبثق من انتفاضات وثورات وتمردات في تلك الفتره لم يكن يحتاج لمساحات واسعة من التحليل والاستغراق السياسي والمعرفي فيه ، ذلك أنه جاء استجابة ونتيجة لأوضاع عربية انحطاطية افرزها الاستبداد والتسلط وفشل وانحلال الدولة العربية وتبعيتها وبؤسها ، وفي ظل تأخر وتراجع تنموي طويل ومديد ، كان لابد في مآلاته النهائية أن ينتج غلياناً وثورة ومحاولات شعبية للخلاص .

وكانت هناك تباشير توحي بأن الذي انبثق في تونس وتواصل في مصر وغيرها من الدول العربية انبنى انبناء ذاتيا وتلقائيا وبدون أية مؤثرات خارجية الى حدما ( ماعدا ماقيل عن أثر الفيسبوك والمعلوماتية في التواصل والتحريك والتأثير وخصوصا لدى الاجيال الشابّة ) وعلى ضوء الفرضية والمعادلة التي ذكرناها في الاجماع على حتمية الثورة والتغيير في الوطن العربي وضرورة الانطلاق الى آفاق جديدة .

كما أننا انطلقنا من ادراك بأن الاستعمار والصهيونية لن يتركا الشعب العربي يثور على واقعه ، ويعيد بناء ذاته وحاضره ومستقبله بطريقة وطنية ذاتية خالصة ، ولأنهما - كما افترضنا - سيكونان هدفا رئيسا لهذه الثورات ، كما أن لهما مصالح ضاربة وقارّة في هذه المنطقة من العالم لن يفرطا بها بسهولة ، ولذا لابد لهذه القوى ومن معهما من قوى التبعية أن تتدخل لتعرقل وتجهض وتحول مسارات هذه الثورات لتصبح في خدمة أغراضها الاستعمارية الشريرة بدل أن تكون في خدمة غرضها الوطني التاريخي الأجلّ ، ولكي تخرجها من سياقاتها الوطنية، وتضع هي لها عناوينها الضديّة وسياقاتها التدميرية الجديدة ، من خلال التدخل المباشر وغير المباشر، وبعث واطلاق العصبيات التحتية ، وتفكيك الدولة الوطنية ، وتمزيق المجتمعات وافشالها وادامة بؤسها وتبعيتها .

ولأن الثورات والتغيرات الجديدة لم تستطع في هذا الزمن الانتقالي والمتسارع أن تقدم البديل الأولي المقنع والراسخ عن الانظمة البائدة التي ثارت عليها - وهذا على كل حال من طبيعة الامور وقصر المدّة الزمنية - . كما أنها لم تستطع أن تضع العناوين والتعريفات الملائمة ودليل العمل لهذه المرحلة الانتقالية ومتطلباتها ، ولذا ولّدت لدى الناس شعورا عارما بالاحباط والخيبة ، وعودة مريرة الى المراجعات والمحاكمات والمعاينات والمقارنات السلبية ، ووجد جمهور الثورات المفترض في الدعوات الاعلامية التضليلية المضادة ، والتدخلات الخارجية بديلا نظريا وعمليا مقنعا عن التباس وفشل عملية التغيير ، واصبحت الثورة طبقا لهذه الاختلاطات والتشابكات فقاعة ومأساة أعادت المجتمع الى مرحلة مظلمة وأعادت انتاج بؤس الشعب المديد والمرير ـ وأسقطت فكرة الثورة في عقل ووجدان الناس وبدأت على ضوء ذلك كل ألوان الفوضى والارتداد والنكوص بالاشتعال والاشتغال .

وبناء على ما اسلفنا تبدّل شكل ومضمون العمل الجماهيري الكبير الذي اجترحه الشعب العربي في معظم أقطاره منذ عامين وأكثر ، وانبثقت أمامه وفي دوامة وعيه مرحلة مظلمة وخطيرة وانسداد كبير يصعب اختراقه أو تجاوزه.

لقد تحول كل ذلك في الوعي العربي الجماهيري الى مقاساة ومخاض صعب وممضّ تختلط فيه العناصر السلبية بالايجابية ، الاحلام الوطنية الجميلة ، بالتراجعات المبهضة ، التوق الى الثورة ، والخوف من الردّة ، التراجع والتقدم ، وأنشأ كل ذلك متاهة جديدة في الوعي ، وحيرة والتباسا في النظر اصبحنا نعاينه ونعانيه مع كل ظاهرة مظلمة تطلع ، أو مذبحة تجري ، أو قتل مجاني يتواصل ، أو انتهاكات تتفاقم.

ونسأل الآن : ماالذي فعلناه بالقياسات السياسية والتاريخية ؟ وما الذي جنيناه من هذه الثورة - الحلم المجهضة ، والى أين نسير الآن ؟

ونقول اجابة على هذه الاسئلة وبعقل بارد لايريد أن يصادر ممكنات المستقبل ، أننا دخلنا في هذه المرحلة في مخاض رهيب ، وأن في المخاض، وعلى الرغم مما جرى ويجري، ملامح تاريخية تشبه ماكان في سياقات هذا التاريخ العربي الطويل ، وهي صورة من الصور التراجيدية للانبثاق والانسحاق ، ودلالة على أن الأمة تنهض وتكبو في سياق بحثها عن ذاتها ومستقبلها ، وتلك هي معادلة النهضة العربية المجهضة المزمنة ، التي لازمها النهوض والسقوط فيما يشبه الحركة اللولبية ، وأنبت فيها كل مايؤسس لحيوية تاريخية مضببة وكامنة لا تعرف كيف وفي أي مجال تتمدد وتفيض ، ذلك أنها كانت ولاتزال أمام سدود وعوائق ذاتية وموضوعية ، معقدة لم تستطع ازاحتها حتى اللحظة ، كما أنها لم تزل بلا رؤى وصور واضحة عن المستقبل !!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر