الراصد القديم

2013/11/01

حرية الصحافة في الفكر القومي الناصري




جليل نعمة العبادي

توطئة : الصحافة هي من اعرق الوسائل التي تعنى بالاتصال الجاهيري ، ولقد ظهرت اشكال النشر في العصور القديمة بالكتابة على جدران المعابد او في الساحات العامة كما هو في بابل القديمة وفي الصين وفي زمن الفراعنة ، او في عهد يوليوس قيصر روما قبل الميلاد بقرن ، وفي القرن الرابع عشر الميلادي ظهرت الصحافة في ايطاليا ثم تلتها ايطاليا ثم المانيا ، وطبعت اول صحيفة منحوتة على لوح خشبي في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي ، ويأتي اختراع الرجل الالماني ( يوحنا غوتنبرك) لحروف الطباعة لتشكل تحولاً ونمواً في عمر الصحافة وذلك على ذمة مااشار اليه المؤرخون ، وحينما يتحدث الكاتب والمؤرخ الروسي (ليون تولستوي) عن الصحافة يوجز القول ( الصحف نفير السلام وصوت الامة ، وسيف الحق القاطع ،ومجبرة المظلومين ، وشكيمة الظالم ، فهي تهز عروش القياصرة وتدك الظالمين ) .

الصحافة في الفكر القومي الناصري: يرى الفكرالناصري ان حرية الكلمة هي المقدمة الاولى للديمقراطية ، والصحافة هي صاحبة الكلمة الحرة التي يجب ان تكون قاعدة للتعبير عن الراي والفكر والكلمة وعن الامال والطموح والهموم ، وهي ابرز مظاهر الحرية العامة التي تتطلب توفير الضمانات التي تجعلها تؤدي دورها المطلوب ، وهي مشروع حضاري فكري لنقل الراي الواضح الجريء الى واقع تتأثر فيه ويتأثر منها ، ويؤلف زمناً للسلطة الرابعة ، ولهذا فالفكر القومي الناصري اعطى للصحافة ثوابت ومعايير مهنية وتربوية واخلاقية ووطنية وثورية فهو لا يفصل بين الديمقراطية التي يعتبرها الحرية الساسية بعينها وبين الديمقراطية التي يعتبرها الحرية الاجتماعية بعينها ، ويرى في الديمقراطية والاشتراكية جناحين مهمين للحرية الحقيقية لكي تحلق الى المستقبل الواعد ، وجمال عبدالناصر يقول( ولكننا كنا نهدف في الحقيقة الى الحرية والتحرير ، حرية النفس ، وحرية الفرد ، اذ لا حرية في بلد لم يكن ابناؤه أحراراً ، ولا يمكن ان نشعر بالحرية اذا كان افراد هذا الوطن يشعرون بالذل ويشعرون بالاستعباد ، وهذه هي الحرية ، ولا يمكن ان نقول ان هناك ديمقراطية سليمة ، وان هناك برلمانا ، وان هناك دستوارا اذا كان الفرد لا يشعر بحرية ، واذا كان الفرد مهدداً في رزقه ، واذا كان الفرد مهدداً في عيشه ، واذا كان الفرد مهدداً بيومه وغده ) . لقد كان جمال عبدالناصر شديد الحرص على الاطلاع على جميع الصحف وقراءتها من الصفحة الاولى الى الصفحة الاخيرة دون تلخيص بالرغم من انشغاله بامور السياسة ومستجداتها ومعطيات الثورة والتنمية وهموم الشعب ، ويستخرج حصيلة كبيرة من المعلومات ويستخلص منها اتجاهات وغايات القوى العظمى وسياساتها بما يفيد من فرضية التجربة والخطأ هذا المنحى الذي ابتكره عبدالناصر لتأصيل وتأهيل خططه وبرامجه السياسية والاقتصادية والتنموية والعسكرية ، وكان على علاقة وطيدة مع عدد من الصحفيين وعلى وجه الخصوص اللبنانييون منهم حيث وقف على ايدلوجياتهم وتوجهاتهم السياسية .

معايير العمل الصحفي في الفكر القومي الناصري: لقد حدد الفكر القومي الناصري معايير اساسية وتربوية وفكرية وايدلوجية لدور الصحافة في زمن الثورة والتحولات الاجتماعية وربطها ربطاً منطقياً بحياة الجماهير الواسعة ومصالحها على وفق الرؤى الديمقراطية والاشتراكية والتعاونية لهذا الفكر الثوري القومي والوطني منها : اولاً : يرى الفكر القومي الناصري ان تكون الصحافة اداة للحرية السياسية باعتبارها من ابرز مظاهر حرية الكلمة ، كما يرى ان حرية الصحافة هي حرية مطلقة في حدود الميثاق الناصري ، ويقول جمال عبدالناصر ( وحرية الصحافة اذن مكفولة ، ونحن اذا قيدنا العملية ، فأن صحافتنا سوف تفقد قيمتها ، ليس هنا فقط ، وانما في العالم العربي) . فالناصرية ترى ان الحرية هي حرية الوطن والمواطن وبذلك تربط بين تحرير الوطن من الاستعباد والدكتاتورية وبين حرية المواطن والديمقراطية . ثانياً : كما حدد الفكر القومي الناصري العوامل التي تحول دون حرية الصحافة وتحجم من دورها ومنها القوانين والتشريعات التي تقف بوجه النشر بشكل تجعل الصحافة خاضعة لصالح حكام وليس لصالح الجماهير، وتصر على ان الصحافة يجب ان تكون غير مقيدة وان تكون صحافة الشعب تستمد حريتها من حرية الشعب ، كما يجب ان تكون امينة على ارادة الجماهير ودعى الى حرية حركة الصحافة بحيث يجعلها اكثر التصاقاً بهموم الناس ومعاناة الجماهير وتطلعاتهم المشروعة ، ويقول عبدالناصر( ان سلطة الدولة والتشريع استعملت أولاً في اخضاع الصحافة للمصالح الحاكمة ، وذلك عن طريق قوانين النشرة الظالمة ، وعن طريق الرقابة التي وقفت سداً حائلاً دون الحقيقة . ثالثاً: ويرى الفكر القومي الناصري ان تطلع الصحافة الى استخدام التقنيات والالات الحديثة في صناعة الصحافة وحاجتها الملحة في نشاطها الصحفي الى كميات كبيرة من الورق جعلها تنضوي تحت استغلال الرأسمالية المستغلة بالشكل الذي حولها من مهنة فكر ونقد الى عملية رأسمالية معقدة واخضعها الى رأس المال المستغل الذي يسيطر على الصناعة والتجارة ويمتلك الاعلان الذي يدر مالاً استغلالياً ، ولهذا فأن هذا الفكر وضع الاسس الكفيلة لتحرير الصحافة من ربقة الاستغلال وينطلق من الفهم الاشتراكي المطلوب في التحول الاجتماعي الذي سعت اليه ثورة 23 تموز عام /1952 . رابعاً : ووضع الفكر القومي الناصري اسساً وطنية وتربوية واخلاقية مستمدة من الواقع العربي لمفهوم النقد ، حيث يرى ان النقد ظاهرة صحية ، وقال عبدالناصر ( نحن هوايتنا النقد ، وان الشعب ينتقد ) . ولهذا فهو يرى ان النقد يجب ان يكون ذاتياً وبناءً وموضوعياً ، وعبدالناصر يقول ( فحرية النقد البناء الذاتي الشجاع ضمانات ضرورية لسلامة البناء الوطني ) ، ويؤكد عبدالناصر ان النقد يجب ان يترفع عن المغالاة والتشهير والشتائم ، ووضع فواصل واضحة وصريحة بين النقد المطلوب في مرحلة التحول الاجتماعي والبناء الثوري وبين الثورة المضادة التي تقودها الجهات المناهضة للحرية والتحرر ، على اعتبار ان النقد يقوّم من مسيرة البناء والتحول الاجتماعي ويجعل الجماهير ترتص مع قيم الثورة الجديدة ، بينما الثورة المضادة تبتغي سرقة منجزات الثورة ، كما تسعى للاطاحة بطموح الجماهير وآمالها في الحكم الوطني الذي يرفض الاستعمار ويعمل من اجل البنا ء الوطني وارساء النظام الاشتراكي ورفض الاستغلال والاقطاع ، ويرى الفكر القومي الناصري ان الدعوات المشبوهة لانشاء مجتمع رأسمالي هو شكل من اشكال الثورة المضادة ، كما ان الفكر الناصري يؤكد على ضرورة ان يبتعد النقد عن المراهقة الفكرية حيث يرى عبدالناصر ان هذه تشكل خطورة في مرحلة التحول الاشتراكي يجب القضاء عليها على اعتبار ان ذلك نوعاً من الارهاب المعنوي الذي يعرقل مسيرة التجربة والخطأ . خامساً : يرى الفكر القومي الناصري من واجبات الصحافة المهنية طرح الحقيقة كما هي امام انظار الجماهير وعبدالناصر يقول (انني لا اريد ان تكون الصحف كلها نسخة واحدة) . ويقول ايضا (اننا نريد من يجتهد في اي موضوع من الموضوعات ، لان الشعور السائد بين الناس ان الجرائد مراقبة وهي في الحقيقة لا تخضع للرقابة ، ويجب ان يفهم الناس ذلك ، نريد اشخاصاً يتعمدون قول الصراحة عن كل شيء مهما كان مركزه ، ونحن نريد نظاماً اي فرد فيه ان ينتقد حتى رئيس الجمهورية اذا اخطأ ) . سادساً : كما يؤكد الفكر القومي الناصري على اهمية ودور الصحافة في تعبئة الجماهير وخلق الوعي الثوري والوطني من خلال تعريف المواطن بما له من حقوق وما عليه من واجبات وتبصيره بالقوانين والانظمة التي تحمي المجتمع وتنظم الحياة ، ويقول عبد الناصر ( ان الوعي عملية انتقال ثورية بمعنى العمل الوطني من العموميات الشائعة المبهمة والغامضة الى وضوح ذهني وعملي يربط الانسان الفرد في نضاله اليومي بحركة المجتمع كلها ويشده في اتجاه التاريخ ، كما انه يوجه حركة التاريخ في نفس اللحظة ) ، ويشترط عبدالناصر ان تكون العناصر التي تتولى مسؤولية توعية المواطن عناصر واعية ومنظمة ويدعو الى الوحدة الفكرية ، ويرى انها ضرورية فهو يقول ( وهدفنا في الوقت الحاضر تحقيق وحدة الفكر ، فكيف نصل في الصحافة واجهزة الاعلام الى هذا الهدف في تحقيق هذا الفكر ، اذا كان كل واحد من القائمين على هذه الاجهزة والاقلام يتكلم حسب اجتهاده وحسب ماالتقطه في قراءاته من الافكار والاراء النظرية وطالما ان القائمين على الافكار والاعلام غير منظمين فأنه لايمكن تحقيق وحدة الفكر ) ، ولقد حدد عبدالناصر عدداً من الوسائل التي تساهم في توعية المواطنين منها التلفاز الذي يتولى عقد ندوات مفتوحة ومباشرة مع المواطنين في قضايا الساعة ، والقاء المحاضرات واعداد الدراسات والبحوث ، الى جانب تأسيس معهد اشتراكي يقوم بمهمة وحدة الفكر من خلال شرح تفاصيل هذه الوحدة ، كما اسس عبدالناصر مكتباً خاصاً بدعوة وحدة الفكر . كما يعول الفكر القومي الناصري على الوضوح الفكري وعلى اهميته في انجاح التجربة وبشكل يزيد من وضوح الفكر ويعطيه قوة وخصوبة ..

عبدالناصر وهموم الصحافة: واجه جمال عبدالناصر كثيراً من الملابسات التي شغلت باله كثيراً وهو يطبق هذه المعايير الصحفية على الارض عبر فيها عن صبره وقدرته على اقناع الاخرين وحرصه على احترام الصحفيين وتقدير جهودهم على اعتبار انهم طليعة مثقفة واعية لها القدرة على الانخراط في مسيرة البناء الثوري ، وفي كتاب الفه عبدالله إمام حمل اسم عبدالناصر كيف حكم مصر نجد عدداً من هذه الممارسات نذكر منها :ـ انه أمام سؤال (هل تعتبر انه كانت هناك ديمقراطية في تلك الفترة ؟ ) اجاب سامي شريف رجل المعلومات المصري:ـ (الديمقراطية كلمة مطاطة جدا بالنسبة للديمقراطية المفروض ان تطبق في مصر ذات المضمون الاجتماعي وفقاً لرؤية عبدالناصر) ، وعندما سأله (هل الرأي الاخر كان واضحاً وصريحاً وقوياً ومعبراً عن الناس؟ ) ، اجاب :ـ ( نعم الصحافة كانت تتكلم ، وكان يضرب المثل بروز اليوسف في تلك الفترة لانها كانت المنبر الجريء الذي لم يسكت عن المعارضة ، التيارات السياسية الاخرى كان لها صوت طالع ) ، وعندما سأل عما حدث للصحفيين في زمن عبدالناصر من نقل قال:ـ ( كان الدكتور عبدالقادر حاتم على وجه التحديد وراء هذه العملية وهو كمسؤول عن قطاع الاعلام ، وفكر تفكيرا أمنيا وساعده على هذا العمل ان مؤسسة دار التحرير التي تصدر الجمهورية بالذات كانت تمر بأزمة مالية وبصعوبات ضخمة جدا سواء ادارية او لوجود تيارات متصارعة في داخلها ). وامام سؤال محرج حول ابعاد انيس منصور لانه كتب مقال عن الصوفي ( العز بن عبد السلام ) وعن موسى صبري الذي قيل انه أُبعد لانه كتب مقالا ضد احدهم وعن مفيد فوزي يقول انه ابعد ولا يعرف لماذا ؟ وعن مصطفى محمود الذي منع من الكتابة لانه كتب مقالا حول محاكمة النازي اجاب سامي شرف :ـ ( مرة اخرى موضوع موسى صبري مثبت في اوراق رسمية ، وعبدالقادر حاتم قدم اقتراحاً بفصله ، فالرئيس حتى لم يوافق على الفصل اكتفى بشيء أقل، أما موضوع مصطفى محمود لم يكن مفهوماً ماذا يريد بالضبط ؟ شيوعي .. ملحد .. إخواني أم ماذا لا أحد يعرف ، ولقد كتب مقالا عن محاكمات نورمبرج عرض فيه بالنظام واذكر ان احسان عبدالقدوس كتب رسالة لجمال عبدالناصر يدافع فيها عن نفسه وعن مصطفى محمود ولقد ناقش الرئيس هذه الرسالة مع احسان الذي برر السماح لمصطفى محمود بالكتابة في موضوعات تدعو للالحاد بانه يسمح لجميع الاراء بممارسة حقها في الكتابة فوافقه عبدالناصر ولكنه اقنع احسان بعدم الموافقة او السماح للترويج للالحاد ). ثم يقول ( موضوع انيس منصور لم ينقطع عمله في الجامعة الامريكية ولا احد قطع رزقه ، انيس منصور حصل كلام معه من ايام كان يكتب عن الفنجان والسلة وغير السلة ثم دخلنا الوجودية ثم كذا واشياء كثيرة ، حدث كلام معه ليكون جاداً وايجابياً اكثر من مرة لكن لم يقطع رزقه ، واعتقد ان من حق النظام ان يحاسب حساباً اخلاقياً ومن اجل الاخلاق ) اما فيما يتعلق في موضوع مفيد فوزي فيقول ( الاوراق موجودة في الصحف التي كانوا يعملون فيها وثبت انه لم تقطع ارزاقهم ) . وامام سؤال يقول : الى اي حد كانت عملية الرقابة اجاب سامي شرف :ـ( في فترات كانت الرقابة على الصحف وكان ذلك معلنا ومعروفا للعامة والخاصة لانه صدر قرار منشور وفي فترات رفعت الرقابة والمادة التي تمنع من النشر في الصحف كان الرقيب يبلغ بها وزارة الاعلام ، وفي بعض الاحيان عندما يحدث خلاف بين كاتب المقال او رئيس التحرير وبين الرقيب يحتكم الى الوزير الذي يلجأ احيانا الى الرئيس ، وفي كثير من الاحيان الرئيس اجاز مقالات كان الرقيب معترضا عليها وبعض المقالات حذفها الرقيب او طلب حذفها وصلت الرئيس .. الرئيس يتصل بالرقيب العام يقول له المقالة الفلانية تنشر ،... وعملية الحذف كانت لها قواعد حول المسائل الاخلاقية والاعراض وما يمس امن الدولة والقوات المسلحة او العمليات العسكرية بصفة عامة او يمس قضايا ذات طابع حساس مازالت منظورة امام المحاكم مثلاً ولم يبت فيها ).

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر