الراصد القديم

2013/11/01

عبد الناصر يوضح معنى المجتمع الديمقراطي الاشتراكي التعاوني


  شفيق
الحوت
مجلة الحوادث (بيروت)، العدد 174 (19/02/1960)، ص 18 ـ 19.
 
إن الحياد السياسي لا يعني أننا نقف موقفاً وسطاً بين الشرق والغرب

الديمقراطية لازمة لأن الشعب هو القوة الوحيدة القادرة على تحقيق الأماني

لا تزال الجماهير العربية داخل الجمهورية العربية المتحدة وخارجها بحاجة إلى المزيد من الشرح والتفسير لفهم ماهية المجتمع الديمقراطي الاشتراكي التعاوني الذي تسعى الجمهورية العربية المتحدة إلى تحقيقه في إقليميها الشمالي والجنوبي.

والعمل على توضيح وتفسير حقيقة هذا المجتمع لا يخدم الجماهير العربية من ناحية نظرية فحسب، بل أن أي جهد يبذل في شرح هذا المجتمع هو عمل إيجابي من أجل تحقيقه وتثبيته. هكذا يقول الرئيس عبد الناصر.

إن الملابسات التي تعرض لها مفهوم المجتمع الديمقراطي الاشتراكي التعاوني كثيرة.

منها ملابسات مقصودة دسها الاستعمار وعملاؤه لتشويه الصورة الحقيقية له، ومنها ما كان غير مقصود نتيجة لعدم الوعي والفهم الناقص لحقيقة المرحلة التاريخية التي يمر بها العرب لا داخل الجمهورية العربية المتحدة فحسب، بل وفي جميع أقطار العرب.

أدلى الرئيس عبد الناصر بملاحظاته حول هذه الملابسات وأوضح أكثر من مرة وأمام عدد كبير من مراسلي الصحف والتلفزيون الأسس التي يقوم عليها هذا المجتمع.

يقول الرئيس عبد الناصر أنه علينه قبل البدء بشرح حقيقة هذا المجتمع أن نرسخ بإيماننا أن ما نبحثه إنما هو عقيدة اجتماعية واعية فاهمة، وأن هذه العقيدة هي ضرورة حيوية لتطورنا.

والرأي الثاني الذي يجب أن نبعده عن أذهاننا يفسر هذا المجتمع على أنه نظام مبتكر اخترناه اختراعاً ليلائم الشخصية المستقلة للمواطن العربي.

ثم يفسر الرئيس هذه الملابسات فيقول:

ـ “إن الحياد السياسي الذي ننادي به ليس موقفاً وسطاً بين الشرق والغرب، وإنما هو عزوف عن التورط في الحرب الباردة بين المعسكرين، ثم هو رغبة في إبقاء رأينا الدولي متحرراً من الانحياز لكي نستطيع أن نضعه مع الحق حيث نجده.”

ويستطرد السيد الرئيس يوضح حقيقة هذه الملابسات فيقول:

حتى، لو جاز في الحرب الباردة وفي مجالات السياسة اتخاذ موقف وسط، او ما يمكن أن يسمى وسطاً، فإن اتخاذ مثل هذا الموقف في مجالات العقائد الاجتماعية أمر مستحيل.

إن الحرب الباردة نزاع بين كتلتين بعيدتين، ومن ثم فنحن نستطيع أن نعزل أنفسنا عن تياراتها ثم نقرر لأنفسنا ما نراه، أما العقائد الاجتماعية فأمر أعمق، إذ هي في صميم قلبنا وعقلنا وروحنا.

إن الحرب الباردة نزاع بين كتلتين بعيدتين، ومن ثم فنحن نستطيع أن نعزل أنفسنا عن تياراتها ثم نقرر لأنفسنا ما نراه، أما العقائد الاجتماعية فأمر أعمق، إذ في صميم قلبنا وعقلنا وروحنا.

ومن هذا يصبح الحديث عن خط وسط، حديثاً سطحياً، ذلك أن عقائد أية أمة، وتطورها الواعي بدافع هذه العقائد، لا يمكن أن تقيده الخطوط الوهمية، ترسم في الوسط، أو تتحرك يميناً ويساراً طبقاً لإرادة الرسام.

وعلى الرأي الثاني الذي تكمن فيه ملابسات تشوه حقيقة مفهوم المجتمع الديمقراطي الاشتراكي التعاوني يقول سيادة الرئيس:

ـ إن العقائد الاجتماعية لا تستقر ولا تثبت لمجرد أنها اختراع خاص للمنادين بها، لم يقلدوا بها أحداً ولم يسيروا به في ركاب غيرهم، وإنما تثبت العقائد الاجتماعية حين تكون تعبيراً عن قلوب أصحابها وعقولهم وأرواحهم.

وقلب الأم هو أمانيها …

وعقلها هو حاضرها ..

وروحها هي تاريخها ..

وليس في وسع المرء أن يقف وسطاً بين قلبه وعقله وروحه، كذلك ليس في وسعه أن يخترع فيها ويصنع ..

وعلى هذا الأساس، ان مجتمعنا الذي نسعى لتحقيقه ليس في الحقيقة إلا التطور الطبيعي والتعبير الأصيل لظروف حياتنا.

ابتداء من تاريخنا مروراً بحاضرنا نحو أمانينا التي نهدف للوصول إليها.

وللإيضاح ـ يستطرد الرئيس ـ في هذا التفسير فيقول: لا بد لنا من إلقاء نظرة إلى أوضاعنا.

عقبات في الطريق

إن أبرز العقبات التي نواجهها في حاضرنا هي:

1 ـ التخلف الواسع بيننا وبين الأمم الأخرى عن التقدم. ومرد ذلك يعود إلى الاستعمار وعملائه الذين انتفعوا وينتفعون من هذ1 التخلف.

2 ـ الأوضاع الموروثة. فالغنى أصبح إرثاً، والفقر إرثاً، والصحة إرثاً، والعلم إرثاً، والجهل إرثاً، وترتب على ذلك مفارقات في مجتمعنا لمصلحة قلة من المواطنين على حساب الأغلبية الساحقة.

العلاج ..

هكذا، فرداً لهذه الأوضاع يجب على كل علاج أن يتجه إلى ناحيتين:

1 ـ دفع التطور نحو التقدم بأقصى سرعة، وبكل طاقة.

2 ـ إعادة موازين العدالة بين المواطنين، وخلق فرص المساواة بينهم.

هذه هي المشكلة بأقصى ما يمكن من التبسيط.

الاستعمار كان أصل التخلف وأصل الاستغلال، وكان الإقطاع والملكية الفاسدة وسيطرة رأس المال سبباً آخر من أسباب هذا التخلف وهذا الاستغلال .

لذلك لم يكن هنالك بد من القضاء على هذه الأسباب.

هكذا كان القضاء على الاستعمار واجباً وقد قضي عليه.

وكان القضاء على الإقطاع واجباً وق قضي عليه.

وكان القضاء على سيطرة المال واجباً وقد قضي عليها.

وكان لا بد للكفاح الشعبي من أن يحمي نفسه أولاً لكي يستطيع حل مشكلته… مشكلة التطور والعدالة، ثم كان الطريق الديمقراطي الاشتراكي التعاوني، هو أسلم الطرق التي يستطيع فيها هذا الكفاح الشعبي أن يحل مشكلته ثانياً.

الديمقراطية …

الديمقراطية لازمة.

إن الشعب هو القوة الوحيدة القادرة على تحقيق أمانيه من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن جسامة المهمة تحتاج إلى مشاركة واسعة المدى في العمل لها.

كذلك كان لا بد للديمقراطية في هذه المرحلة من أن تتلازم مع الوحدة الوطنية لأن المشكلة التي نواجهها هي: أن نكون أو لا نكون.

ولم يكن الاتحاد القومي في الواقع إلا أداة لتحقيق الديمقراطية المتلازمة مع الوحدة الوطنية، وكان هدفه الأول تعبئة جميع القوى الوطنية لدفع التطور نحو التقدم بأقصى سرعة وبكل طاقة.

الاشتراكية …

وكانت الاشتراكية هي الوعي الذي لا مفر منه لتحقيق العدل. وهكذا كان توزيع أراضي الإصلاح الزراعي، وتوزيع الأراضي التي ستفيد من إقامة السد العالي أو الآبار الجوفية.

وكذلك كان الاتجاه إلى وجود قطاع عام في الصناعة يشارك في ملكية المؤسسات الكبرى ويسيطر على مصادر القوة الرئيسية، كالكهرباء والبترول مثلاً.

التعاونية ..

كذلك كان التعاون هو وسيلة تنظيم القطاع الخاص سواء في الزراعة أو في الصناعة. فلم يكن من المعقول مثلاً أن تكون الاشتراكية هي مجرد تحويل الأجير إلى مالك أرض، وإنما الاشتراكية الحقيقية تتأكد حين يواصل التعاون دوره بعد توزيع الأرض على مالكها الجديد فيوفر له كل احتياجات الإنتاج ويحميه من الاستغلال.

كذلك الحال في الصناعة، أن الاشتراكية الحقيقية تتأكد حين يتحول تشجيع أصحاب الحرف والصناعات الصغيرة إلى حماية تعاونية تستهدف الحصول على المواد الخام، وتصريف الإنتاج دون التعرض للمضاربة والاحتكار.

ويختتم سيادة الرئيس إيضاحاته عن المجتمع الديمقراطي الاشتراكي التعاوني فيقول:

ـ وإذا كنا قد وصلنا إلى أن الاتحاد القومي هو الحل لمشكلة وضع التطور على أساس ديمقراطي، فإننا نصل في نفس الوقت إلى أن الاشتراكية والتعاون هما الحل لمشكلة إعادة موازين العدالة بين المواطنين … وخلق فرص المساواة أمامهم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر