الراصد القديم

2013/11/30

إلى الفريق السيسي: فعلها "عبدالناصر" فافعلها وبسرعة


مديحة عمارة

 منذ سنوات طوال وصلت إلى ما يقرب من الستين عامًا قام تنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري بانقلابه ضد نظام الملكي الحاكم آنذاك، لإزاحة الملك عن الحكم وإلغاء الملكية.

وبالفعل نجح تنظيم الضباط الأحرار في خلع الملك من فوق كرسي العرش ومغادرته للبلاد، وتحول مصر من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري.

وكان من الممكن لتنظيم الضباط الأحرار آنذاك أن يعتبر تحقيقه لهذا نجاحًا كبيرًا وضربة قاصمة.. الأمر الذي يعطيهم الحق ويسمح لهم باختيار ما يعرف بمرحلة التقاط الأنفاس لفترة من الزمن والسير فيها بخطوات تتسم بالتأني لضمان درجة أكبر من الاستقرار والثبات والتثبيت لهم.

إلا أن هذا لم يحدث وما حدث كان العكس تمامًا، حيث شرعوا بقيادة جمال عبدالناصر، قائد تنظيم الضباط الأحرار، وفي فترة زمنية قياسية بالتطبيق الفعلي لمبادئ الثورة الستة ( القضاء على الاستعمار وأعوانه - القضاء على الإقطاع - القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم - إقامة عدالة اجتماعية - إقامة حياة ديمقراطية سليمة - إقامة جيش وطني قوي).

وكان أمام جمال عبدالناصر وتنظيم الظباط الأحرار اختياران، أولهما سهل وثانيهما صعب.

** أما الأول فهو كسب رضاء ومغازلة القوى الداخلية من الإقطاع والأثرياء المسيطرين على ثروات مصر والأحزاب التقليدية الموجودة في فترة الملكية، وهي القوى التي تمتلك القوة والنفوذ والسلطة والأرض ورأس المال، كان من الممكن تحييدهم وعدم الدخول معهم في أي صدامات تؤدي إلى غضبهم وتضامنهم ضد تنظيم الضباط، وتحالفهم مع القوى الخارجية من الرجعية العربية والقوى الاستعمارية التي بالطبع رأت في حركة التنظيم ما يهدد مصالحها ومطامعها داخل مصر، كان هذا هو الاختيار السهل الذي سيضمن لتنظيم الضباط الأحرار الهدوء في هذه الفترة الحرجة؛ بل ويضمن لهم مؤازرة كل تلك القوى لهم.

 لكن التنظيم، وتحديدًا جمال عبدالناصر، اختار الاختيار الأصعب.. وهو الانحياز للشريحة الأعم من الشعب، للقاعدة العريضة من الشعب.. للأغلبية من الشعب.. لطبقة الفقراء والمُعدمين.

ورغم علم جمال عبدالناصر التام فإن هذا الانحياز للفقراء سيفتح عليه وعلى تنظيم الضباط نيران جهنم، وسوف يؤدي إلى تضافر جبهة عريضة تضم فيما بينها (الإقطاع وأصحاب رؤوس الأموال المستغلة والكيانات الحزبية التي كانت موجودة، وكانت تدين بالولاء والطاعة للملك وللاستعمار البريطاني الذي كان هو الحاكم لمصر فعليًا آنذاك، إضافة إلى قوى الحكام العرب والرجعية العربية التي تخشى تكرار ما حدث في مصر داخل بلادهم)، وبديهيًا فإن هذه الجبهة سوف تستهدف محاربة التنظيم وحركته بكل الوسائل النظيفة وغير النظيفة وهو ماحدث بالفعل.

كان عبدالناصر يعرف جيدًا نتائج هذا الانحياز للفقراء، لكنه كان يعلم أيضًا أن هذه الشريحة العريضة من الفقراء هي التي سوف تعطي القوة لحركة تنظيم الضباط الأحرار، وهي التي سوف تحول ما سمي في البداية بالانقلاب ضد الملك والملكية، إلى ثورة شعبية تتأصل وتتجذر مع الأيام وتمتد مع مرور السنوات وتبقي ثورة 23 يوليو 1952حتى الآن الثورة الأم، والأصل لكل الثورات رغم مرور 60 عامًا.

سريعًا وسريعًا جدًا اتخذ جمال عبدالناصر قراره بالانحياز للفقراء والمعدمين، واهتم أول ما اهتم بتفعيل مبدأ إقامة العدالة الاجتماعية، وأعلن عن قوانين يوليو الاشتراكية، وقام بتفعيلها بما يحقق للمواطن الحياة الحرة الكريمة، وسارع بتوزيع الثروات بين المواطنين بشكل عادل ليساوي بين أبناء الوطن الواحد، فأخذ من الغني غناء فاحش بلا وجه حق وأعطى للفقير المُعدم، وجعل الفلاح مالكًا لما يزرعه من أرض، والعامل شريكًا في مصنعه، وكفل العلاج المجاني السليم لكل مواطن، ووفّر التعليم المجاني الأفضل والمسكن اللائق، وضيّق الفجوة في الرواتب.. إلى آخره من توفير الاحتياجات الضرورية للمواطن بشكل يكفل الحياة بشكل كريم وعادل.

وهكذا وفي فترة زمنية قياسية وفّر عبدالناصر للشعب ما يجعله متحصنًا ضد غول الفقر والعوز، في نفس الوقت ضمن أن يصبح الشعب هو المنتصر النصير لثورته بعد أن انتصرت الثورة للشعب قبل أي شيء آخر.

وهكذا أصبح الشعب هو الساند وهو الحامي وهو المدافع عن ثورة 23 يوليو حتى في أحلك وأقسى الظروف، وهو ما اتضح بشكل جلي بعد الانكسارة الكبيرة في يونيو 67، شعر القائد بمرارة الهزيمة وفداحتها، وقرر التنحي فهب الشعب رافضًا الهزيمة ورافضًا التنحي، وتلاحم الشعب مع قائده منذ اللحظات الأولى لاستعادة كرامة مصر، وأصبح كل مواطن مصري قادر جنديًا في المعركة، وأصبحت الجبهة الداخلية من كل مواطني مصر في حالة تلاحم تام مع جبهتنا العسكرية لجيش مصر العظيم على خطوط القتال مع العدو.

واليوم.. الشعب يحب جيشه حبًا لا ينكره إلا أعمى، اليوم أعطى الشعب ثقته الغالية إلى ممثل جيشه، إلى الفريق السيسي، يوم أن وقف يناديه ويطالبه التفويض والأمر، خرج الشعب الوفي الطيب ملبيًا النداء، معطيًا إياه حبه الجارف وثقته المطلقة، كما أعطاها من قبل إلى جمال عبدالناصر الذي انتصر للشعب.

والشعب تفاعل مع الكلمات الخالصة الصادقة التي وصلت إلى قلبه وصدّقها، تلك الكلمات التي قالها الفريق السيسي، معبرًا عن ألمه لكل ما لاقاه هذا الشعب من معاناة ومصاعب في حياته على مدى سنوات طوال، معتذرًا له عنها.

ولم يكتف الفريق السيسي بالتعبير عن ألمه لآلام الناس، ولا باعتذاره للشعب، بل جعل قلوب المصريين تبتهج فرحًا وتمتلئ حبًا، يوم أن تمت ترجمة هذا الإحساس فعليًا بقرار الفريق السيسي بأن يدفع الجيش ما على الفقيرات (الغارمات) المحكوم عليهن بأحكام حبس بسبب عدم قدرتهن على دفع ديونهن للغير، رغم بساطة هذه الديون.. شعر الشعب بأن هذا القائد الذي أحبه وخرج بالملايين ملبيًا، يستحق هذا الحب حقًا؛ لأنه صادق فيما يقول، ولأنه قريب منه وعينه عليه وقلبه معه فعليًا وليس بالأقوال والشعارات الرنانة فقط.

** والآن.. فإن هذا الشعب والذي هو في أغلبه فقير وبسيط يحتاج أكثر حتى لا يأخذه الفقر من جديد إلى اختيار خاطئ ومُهلك وخطير.. يحتاج هذا الشعب بأغلبيته الفقيرة أن يكون محصنًا ضد أي لحظات ضعف أمام إغراء المال لشراء أصواته كما حدث من قبل، ولا أحد يقول لا، لقد فهم الشعب بعد هذه التجربة القاسية التي عاشها على مدار السنة، وعرف ما هو الاختيار الصح وما هو الخطأ، لا أحد يقول هذا وإلا سوف أذكره بمقولة الإمام علي بن أبي طالب رضى الله عنه وأرضاه (لو كان الفقر رجلًا لقتلته).. الفقر شيطان رهيب، والفقر غول رهيب يغيب العقول ويعمي القلوب ويذهب بالضمائر، خصوصًا إذا كان ضحايا هذا الفقر هم الأبناء وفلذات الأكباد، سوف ينسى الأب وسوف تنسى الأم السنة السوداء التي عاشوها تحت حكم جماعة إرهابية  كل ما فيها ومن ينتمي لها لصوص وعملاء وخونة لبلدهم ولشعب بلدهم،  وسوف ينسون الندم القديم على أصواتهم التي منحوهم إياها، وسوف تمتد أياديهم من جديد للكرتونة التي تحتوي على زجاجة الزيت وكيس السكر وكيس الأرز، وسوف يذهب بعقولهم إغراء الجنيهات - الرشوة - أمام جوع البطون وحرمان الأبناء.

** أرجوكم يا مَن في أيديكم القرار.. اجعلوا هذا الشعب عزيزًا كريمًا مكتفيًا بما لديه، متحصنًا بما لديه من إغراءات سيُلوح بها مَن لا يخشون الله، أمام مشتري الأصوات بالقليل والتافه من ثمن، لكنه بالنسبة للفقير كثير ومغرٍ.

أرجوكم يا مَن في أيديكم القرار.. وأوجه هنا الرجاء للفريق أول عبدالفتاح السيسي، الذي أحبه الشعب، والذي لولاه لما خرج الشعب وانتفض، لأنه صدّقه ورأى فيه القائد المخلص النبيل.. أرجوكم أسرعوا بتطبيق قانون الحد الأدنى للأجور حتى يستطيع المواطن أن يعيش حياة فيها من المعاناة الأقل بكثير عما هو فيه الآن.

** وليس عيبًا أن نلجأ للأشقاء من الدول العربية لتغطية المبلغ المطلوب لتطبيق رفع مستوى أجور البسطاء إلى القدر الذي يحقق لهم الحياة الكريمة، ويحصنهم من مد اليد  لرشوة، ثمنًا لشراء أصواتهم من مجرمين ينتظرون اللحظة ويستعدون لها من الآن.

ليس عيبًا ولا خطأ أن تطالب مصر البلدان العربية الشقيقة بتغطية هذا المبلغ المطلوب حتى يمكن رفع أجور البسطاء إلى الحد الذي حددته الدراسات لتوفير حياة كريمة لهم.

وأنا على يقين بأن الدول العربية الشقيقة المحبة لمصر، والتي طالما كان لمصر مواقف كريمة وعظيمة تجاهها وعلى مدار التاريخ، ليس لدى أدنى شك أنهم سوف يقومون بهذا الواجب بكل سعادة واقتناع أنه واجب عليهم وليس تفضلًا، وأنه رد لبعض من مواقف مصر الأم والشقيقة الكبرى لهم.

** أرجوكم أسرعوا بهذا، فالأيام تمر والانتخابات القادمة مقبلة فلا تتركوا البسطاء والفقراء فريسة لإغراءات الرشوة الملوثة.. لا تتركوهم ضعفاء أمام الاحتياج والعوز.. ارفعوا من مستوى حياتهم لتحصنوهم، وليكونوا دائمًا وأبدًا الحصن القوي لكم ولثورتهم الشعبية المجيدة.

** أرجوك السيد الفريق أول عبدالفتاح السيسي، اجعل رهانك  ورهان من معك دائمًا على الشعب.. فمَن يراهن على الشعب أبدًا لا يخسر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر