الراصد القديم

2013/11/01

فلسطين في حياة جمال عبد الناصر




فؤاد الحاج
ما هو التاريخ؟
سؤال ربما خطر على بال الكثير من أبناء أمتنا، فكانت الإجابات عليه متفاوتة ومختلفة كاختلاف الليل والنهار. ومع ذلك أقول أنه يعني بكل بساطة، أنه مجموعة من الشواهد الثابتة، كَرِقَم الطين التي حملت إلينا مجموعة تقديرات ومعانٍ لأشكال رمزية كانت لغة قوم متداولة في أزمنة غابرة، مثل الألواح الطينية التي وجدت في أكبر مدن بلاد سومر، في شمالي العراق الذي يُعتبر بلد أول حضارة عرفتها البشرية، ألا وهي ملحمة كلكامش، أو في النقوش الهيروغرافية كما سمّاها علماء الآثار واللغات القديمة غير العرب، في مصر بلاد الأهرامات والنيل، الذين قدّروا معاني تلك الأشكال تقديراً نظرياً، اتفقوا عليه، فنقلوها إلينا بلغاتنا العالمية المتداولة، لنتداولها بعد ترجمتها إلى العربية. أما التأريخ المحفوظ بلغة العرب فقد كان الشعر أهم ما نلمسه ونحسه عبر التاريخ، من خلال الكتب المتداولة وهي مجوعة كبيرة من السِيَر والمرويات والعلوم بمختلف المجالات الطبية والفلكية والجغرافية والرحلات وقواعد اللغة العربية، وغيرها الكثير من الكتب المحفوظة معظمها في المتاحف الأوروبية التي سُرِقَت من بلاد العرب عبر حقب الغزو والاحتلال واستعمار البلاد العربية من المحيط إلى الخليج، كما هي محفوظة في بعض المكتبات الخاصة لدى بعض أبناء الأمة إن في البلاد العربية أو لدى بعض المهاجرين العرب في بلاد الغرب.
مما تقدم أقول أن كتاب الأخ عبد الله الحوراني (فلسطين في حياة جمال عبد الناصر) الصادر عن "المركز القومي للدراسات والتوثيق" في غزة - فلسطين، يأتي ضمن ما ذكرته أعلاه ليحفظ تاريخ رجل عظيم في تاريخ أمتنا الحديث، لتتداوله الأجيال، من خلال معايشة شخصية للمؤلف لمرحلة "المد الناصري" كما يسميها البعض، والتي هي ترسيخ لفكر قومي عربي على امتداد رقعة بلاد العرب من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، كانت مرحلة مكملة للمد القومي العربي في كل أرجاء البلاد العربية، وترسيخاً لعروبة فلسطين في الوقت نفسه.
وبما أنه لا يمكن للتاريخ أن يحفظ سِيَر العظماء من أبناء أمتنا ما لم يُدَوَن في كتاب، فأن عبد الله الحوراني من خلال انتمائه العربي ونضاله الجسدي والفكري في سبيل تحقيق نشر ما آمن به من فكر قومي عربي منذ أواسط خمسينات القرن الماضي، فأن كتابه الجديد (فلسطين في حياة جمال عبد الناصر) إنما يأتي متابعة لنضاله الفكري في تسليط الضوء على أعمدة من قادة العرب العظام من خلال متابعته لما نُشر وقيل عن القائد جمال عبد الناصر، على الرغم من أن الكثير من الكتّاب العرب قد تناولوا حياة عبد الناصر، ولكن بشكل عام وشامل لمواقفه الوطنية والقومية العربية، فمنهم من عايش جمال عبد الناصر في الكلية الحربية، ومنهم من عايشه في حركة الضباط الأحرار، ومنهم من عايشه في معاركه العسكرية في الفالوجة في فلسطين، ومنهم من عايشه كرئيس لجمهورية مصر العربية، ومنهم من عايشه كرئيس لأول وحدة عربية بين مصر وسوريا، ومنهم من عاش معه ورافقه في مسيرة مصر منذ خمسينات القرن الماضي حتى تاريخ اغتياله في نهاية أيلول/سبتمبر 1970، ومنهم من عايشه في الكثير من تفاصيل حياته اليومية.
من كل هؤلاء كان هناك البعض من الذين أنصفوه، وبالقابل أبيضاً كان هناك من اتبع هواه مُجرحاً ليس بشخص هذا الزعيم العربي فقط، إنما بتاريخ مرحلة ومفصلاً هاماً من تاريخ الأمة العربية الحديث. ومنهم من ركب موجة العروبة والناصرية ليدمر في النهاية كل فكر قومي عربي في مصر بعد ارتمائه في أحضان الكيان الغاصب لفلسطين العربية، ثم رهن مصر إلى البنك وصندوق النقد الدوليين، ورميها في سلة المساعدات الخارجية، لتبتعد عن عروبتها وترتهن تالياً إلى أعداء العروبة والقومية العربية.
ومنهم من اؤتمن على تاريخ وسيرة هذا القائد الكبير إعلامياً، ولكنه لم ينصفه لا تحليلاً فكرياً قومياً بقدر ما يستحق، ولا بحوار أو لقاء صحفي أو ضمن سلسلة برنامجه عبر إحدى الفضائيات، سوى بكلام أنه كان الناصح له بعمل كذا، وكيف اتصل به عبد الناصر ليسأله عن موضوع كذا، وماذا يجب عليه أن يتصرف في موضوع كذا، أو ليطلب منه كتابة بيان أو خطاب وما شابه، وأيضاً لم يؤلف حتى كتاباً يبرز فيه فكر ودور هذا القائد العربي الكبير في الكثير من القضايا القومية ومنها القضية المركزية فلسطين.! فجاء كتاب عبد الله الحوراني (فلسطين في حياة جمال عبد الناصر) ليضيء جانب من تأريخ فلسطين في فكر جمال عبد الناصر وفي تاريخ مصر، فكان هذا الكتاب بداية لكتاب آخر لأحد القيادات القومية العربية، الذي استشهد وهو يقول "عاشت فلسطين حرة عربية من النهر إلى البحر"، لأن فلسطين كانت ضمن توجهاته الوطنية والقومية، فكراً وعقيدة، وبناء وطن وأجيال من أجل تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية، فتكالبت عليه قوى العدوان وطاغوت الشر وأدواتهم العربية والإقليمية والدولية فاغتالوه بعد اغتيال بلده وذبح فلسطين من الوريد إلى الوريد.
يقع كتاب (فلسطين في حياة جمال عبد الناصر) لمؤلفه عبد الله الحوراني (أبو منيف) في مئتي صفحة من القطع المتوسط، صدرت الطبعة الأولى منه عن "المركز القومي للدراسات والتوثيق" في غزة - فلسطين، 2009.
يتضمن مقدمة، تختصر حياة الرئيس جمال عبد الناصر، يختمها المؤلف بجملة يشرح فيها لماذا هذا الكتاب حيث يقول: "في هذا الجهد نحاول تفصيل هذه التعميمات، لنفي عبد الناصر بعض حقه على فلسطين، التي كان لها النصيب الأوفر من حياته، شاباً، ثائراً وضابطاً مقاتلاً، وزعيماً مبرزاً، ثم شهيداً طيب الأثر، خالد الذكر".
كما يتضمن الكتاب عشرة فصول وملحق، يتناول الفصل الأول "رؤية عبد الناصر للصراع العربي الصهيوني وقضية فلسطين"، والفصل الثاني يتناول مرحلة "الجلاء وتحرير الإرادة المصرية والمواجهة مع اسرائيل"، وفي الفصل الثالث يتناول "الأحوال في "قطاع" غزة ودورها في الأحداث"، أما الفصل الرابع فيتناول "العمليات الفدائية (حرب الفدائيين) 1900 - 1956 ونتائجها"، وفي الفصل الخامس يتناول موضوع "ثورة عبد الناصر ومحاولة التسوية الفلسطينية"، كما يتناول في الفصل السادس موضوع "عبد الناصر وقضية اللاجئين ورعاية الفلسطينيين"، وفي الفصل السابع من الكتاب يتناول المؤلف موضوع "التحالف الاستعماري "الاسرائيلي" والاتجاه لإسقاط عبد الناصر (العدوان الثلاثي 1956)"، والفصل الثامن يتناول"عبد الناصر والمقاومة وإحياء الكيان الفلسطيني"، وفي الفصل التاسع يتناول موضوع "إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية"، أما الفصل العاشر والأخير من الكتاب فيتضمن موضوع "عبد الناصر وفلسطين بعد نكسة حزيران".
أما الملحق الوحيد في الكتاب فهو رسالة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية العربية المتحدة، إلى الفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، بمناسبة حريق المسجد الأقصى في آب/أغسطس 1969، ننشرها هنا كاملة لأهميتها التاريخية ولفهم شامل لفكر الرئيس جمال عبد الناصر تجاه فلسطين والمقدسات الدينية في مدينة القدس عاصمة فلسطين.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر