الراصد القديم

2013/11/30

الحياد الإيجابي مرفوض بعالمنا العربي

 
هبة سفيان الفرا

يصعب علي المواطن العربي أن يكون علي مسافة متوازية بين مختلف تيارات العمل والفكر العام، خاصة وأن كانت هذه التيارات منزلقة في دوامة دائمة من التنافر والتجاذب. من حيث المبدأ، صعوبة ذلك ناتجة عن ثقافتنا السياسية، الدينية والاجتماعية، التي تفرض علينا أن نكون أما مع أو أما ضد، وترفض حقنا فى البقاء لا مع ولا ضد، وإن يكون لنا مواقفنا الخاصة. بكلمات أخري، موقف الحياد الإيجابي هو موقع رمادي غير مقبول بتاتاً من أي طرفاً كان. ما يسمح به فقط، هو أن تأخذ موقف، ومن المفضل أن يكون موقفك معنا. وإن يعلن ضد غيرنا كان أفضل وأفضل. مواجهة هذا الآمر، أي البقاء علي مسافة واحده من كافة الأطراف عمل شاق يتطلب مجهود ولباقة فائقة. فقط يمكن تجاوز ذلك من خلال التمسك بالاستقلالية، تقوية الإرادة الذاتية، المصابرة علي المبادئ العليا وبلورة أفكار عقلانية صائبة.
فى هذا الوقت بالتحديد، الملئ بالنزاعات ذات البعد السياسي، الاجتماعي والديني، هذا النوع من المواقف القائمة على الحيادية الإيجابية، رغم كونها أحياناَ ضرب من الخيال، هو قمة العقلانية، ونتائج التمسك بها تصب في الصالح العام والخاص.
لسوء الحظ، هنالك حتمية سياسية واقعة علينا، وهي أن ساحة العمل السياسي والفكري العربي محتله بكافة أشكالها، مثلها مثل احتلال العقل، الارض، البحر والسماء. ويبدو أن هذا الاحتلال هو احتلال ازلي تاريخي ناتج عن استمرارية هيمنة النظرة الوحدانية والتعصب الفكري، بمعناه السياسي، الديني والاجتماعي، علي منظومة العقل العربي والاسلامي عامة. أفضل من ابداع في استكشاف وتحديد اسباب تشنج هذه المنظومة هو المفكر عبد الله العروي في كتابة "الايدلوجيا العربية"، والتي حددها بشكل عام فى تقييدنا بالثابت ورفضنا للمتنوع. لقد أثبت هذا من خلال السرد التاريخي والتحليل النظري والعملي بأن جذور المنظومة الفكرية العربية الرافضة للتنوع والمتشبثة بالثبات متأصلة منذ القدم في عمق الوجدان الخاص والتركيبة العامة، وسيبقي ذلك متوارث بقوة رغم التغييرات التاريخية القديمة والحديثة.
هنالك من ذهب أبعد من ذلك عندما أكد بأن ما تبلور من فكر قديم أو دخل من فكر جديد، بناء أو غير بناء، لم يغير جذرياً النمط القائم من اساليب الفكر العربي العام والخاص حتى هذه اللحظة، والقائم على الرفض التام للتنوع أو حتى قبول نوع من أنواع الانسجام بين الاراء المخلتفة حول ما هو ثابت. بغض النظر عن ما فى هذا الأمر من ضرورة، المفكر محمد عابد الجابري، تجرأ بعد التمعن في هذه الامور وطالب "بتفكيك بنية العقل العربي" وصياغتها من جديد من خلال التحليل المستنير للتوجهات السياسية والاجتماعية الدينية القديمة والحديثة، بدون التخلي عما فيها من أصالة ورونق خاص مميز لما هو عربي مقابل ما هو غربي.
انها العملية القديمة-الحديثة الهادفة في عمقها وكافة أبعادها لصياغة مبدعة للبنية العقلية العربية ولكافة المرجعيات الكامنة والمحركة لها، وذلك من أجل تشكيل آليات وبنية الانسان العربي الحديث المرن والمتمدن معاً، ذاك الذي يزن الامور بميزان المنطق والعقل، وليس من خلال السلوك العشوائي، هيمنة إرادة الغير أو تحت هاجس الوازع الباطني الداخلي أو الخارجي الكابت. مثل هذا النوع من السلوك المتحرر من كافة القيود هو شرط مطلوب حالياً لكسر الجمود المانع من العمل على اساس الأستقلالية الذاتية وتقوية الإرادة الخاصة، والتي ستسمح لصاحبها أخذ موقفه بكامل الحرية، كان هذا المواقف مع أو ضد، أو لا مع أو ضد، بل حيادية مستقلة قادرة على بلورة خط خاص مقدر من قبل من يتحرك على الهوامش والأطراف.
وجود مثل هذا الصنف من السلوك هو شرط حاسم إذا أردنا أن ننظر جميعاً للمستقبل بنوع من التفاؤل البناء وتجنب حده المواجهة بين كافة الأقطاب الرافضة لقبول الأخر المعاكس.
الحسم لأي أختلاف داخلي أو خارجي عربي لن يكون سوي من خلال خلق نوع جديد من الانسان العربي الحر والمستقل فى ارائه، المالك لحريته الذاتية وذو التركيبة العقلية المستنيرة والهيكلية الاجتماعية والسياسية والفكرية المتطورة والمتحرر من كوابيس الخوف، الظلم ومستنقعات الجهل القائم المفروض أو القادم الموروث جيلاً عن جيل. كثير من هم على يقين بأن ذلك ممكن وضرورة حتمية، لكن المشكلة الكبري ستبقي تكمن في أن الغالبية الساحقة من أبناء هذه الأمة مازالت تناضل علي كافة المستويات، الداخلية والخارجية، حتي تخرج من تلك المعيشة اليومية الضنكة، الذي تمنعها من التمتع بوقت للتفكير العقلاني والعمل الحيادي، ويفرض عليها أن تأخذ مواقف قائمة فقط على فكرة أو مع أو ضد، ونبذ ما غير ذلك. ليتم استخراج هذه الغالبية الراكدة من موقعها وتحريكها لتصبح قوة ذو فاعلية قادرة على تجاوز هذه المرحلة المعقدة، يفرض أن تحرر الساحة العامة والخاصة من كافة أشكال التعصب التقليدي بكافة أبعاده، المفروض علي نسبة هائلة من أبناء المجتمعات العربية. هذا النوع من التعصب يغلق كافة الافاق الإيجابي الناتجة عن التنوع فى الرأي وفى الموقف، بما فيهم حق أخذ موقف محايد والتحرك فى خط وسط يسمح للجميع النظر وتحليل الأوضاع بصورة عقلانية رافضة لكل خاص وأحادي مغلق.
هنالك بديل غائب عن رحاب هذا الوطن الكبير، إلا وهو بديل حرية الرأي وأخذ الموقف المناسب الرافض لمع أو ضد، والتعبير عن القرار الذاتي بدون قيد ملزم، واحترام كلاهما من قبل ما لا يشارك هذا الرأي فى هذا أو ذاك. ضرورة بلورة وانبثاق هذا الخط والثبات عليه هو ضرورة حتمية مطلوبة حالياً، خاصة وأن المهيمنين على كافة ساحات الفكر والعمل العام والخاص عاجزين على حسم وإدارة الأمور بشكل يمنع تجنب المجتمعات العربية من البقاء فى دوامة العنف والعنف المضاد. من الممكن أن يكون التحرك فى الوسط، وما يحمله من حياد إيجابي، هو الشرط المطلوب لكسر قيود الجمود السلبي.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر