الراصد القديم

2013/11/30

بيروت يل بيروت


رشاد ابو شاور

الُمدن كالبشر لها أكثر من بُعد.
الُمدن لا تبوح بأسرارها لعابري السبيل، فالمستعجلون يأخذون وجباتهم السريعة ويمضون مكتفين بالقشور، والانبهار بالمظاهر، والطلاء الخارجي، بالماكياج الذي يغطّي الابتذال، والترهل، وأفول الشباب، إغواء للساعين لإرواء الظمأ.

في زيارتي الأولى لبيروت دهشت، وحسبت أن بيروت كلها بيروت واحدة لا شائبة تشوبها.

أضواء شارع الحمراء، ودور النشر في قلب المدينة، وحركة الحياة التي لا تهدأ بهرتني.

لكن صديقا كان يقيم في بيروت منذ سنين، لفت انتباهي إلى أن ما أراه ليست بيروتا واحدةً، وأن هناك بيروتا أخرى مختلفة، نقيضة، مغتاظة من بيروت التي تبهرني وغيري من زائريها الذين لا يغادرون بيروت الصاخبة، الضّاجة، التي تبدو منسجمة، مرتاحةً، وكأنه لا توجد بيروت أخرى.

صاحبي ذاك نصحني: إذهب إلى الضاحية، والكرنتينا، والمسلخ، فذهبت، ورأيت، و..عرفت!

أصغيت للنصيحة، وعملت بها، وتوجهت مع أحد الأصدقاء إلى صبرا . وشاتيلا، و..عرفت أكثر، منذ الزيارة الأولى عام 68 صاحبي ذاك قال لي بخبرة العارف بالأمور: هنا توجد بيروتان تتصارعان، ويوما ما سيقع الانفجار.

ولأنه ماركسي يساري، فقد أضاف: البيروتان تتصارعان طبقيّا... 
وأضاف كأنه يقرأ الغيب: عاجلاً أو آجلاً، في بلد توجد فيه طبقتان فقط،  سينفجر الصراع، فالفقر كافر، والظلم كافر.

صاحبي ذاك أضاف: تواجد المقاومة الفلسطينيّة سينضج الصراع، ويعجّل بالانفجار، ولكنه ليس سببه.

سألته: لماذا؟!  أجاب ونحن نغذّ السير في شارع المزرعة:

- كثير من اللبنانيين ينضمون للمقاومة. إنهم يحملون السلاح، ويشعرون بالقوّة، ويرون أن حقوقهم مسروقة، وأنهم غرباء في وطنهم،
وأن لبنان الأخضر الحلو..حلو لغيرهم، لشريحة واحدة، مسلمة ومسيحيّة، وأن نظام الطوائف يخدم بالضبط تلك الشريحة...

ذلك الصديق زودني بالمعرفة عيانيّا، باصطحابي إلى حيث بيروت الفقر والغربة.

عرفت أنه غير مسموح للفلسطيني أن يبني سقفا للغرفة التي يقيم فيها، كأنما يمنحه السقف حقوقا لا يستحقها، خشية أن يمنحه السقف حقوق المواطنةً، ولذا فرض عليه أن يضع سقف زينكو وأن يعيش في مخيّم بلا خدمات، أزقته خانقة، فلا مكان للأطفال للعب، ولا للناس للسير براحتهم بين البيوت المتلاصقة التي لا تمنح الإنسان الفلسطيني خصوصية، وتسلبه أدنى حق في العيش بكرامة.

ثمّ اكتشفت أن الجنوبي يعيش كالفلسطيني في الضاحية الجنوبيّة والاوزاعي، وأن القادم من البقاع والهرمل والشمال يعيش حياة فلسطينيّة، وفقط مطلوب منه أن يؤيد هذا الزعيم الطائفي، أو ذاك.

عندما أقمت في بيروت، في الفاكهاني، صرت أعرف أكثر، وباتت بيروت بالنسبة لي ككثيرين غيري هي منطقة الفاكهاني. أمّا بيروت الأُخرى فما كنت أزورها إلاّ خطفا، فالجلوس في مقهى رصيفي هو مغامرة تقترب من (الفضيحة)، إذ كيف يرتاد (المقاوم) مقهى في شارع الحمرا!

عشت في الفاكهاني، (معزل) المقاومة، لسنوات امتدت حتى صبيحة . يوم 22 آب/اغسطس 1982
اضطررت لمغادرة بيروت- الفاكهاني في العام 1974 بعد الحملة المسعورة التي تعرضت لها إثر نشر روايتي (البكاء على صدر الحبيب)، والتي أثارت ضجةً كبيرةً كونها تفضح حالة الخراب والفساد في الثورة، ولكنني عدت للإقامة في الفاكهاني نهاية العام 1976 وحتى الرحيل إلى تونس.

بعد سنوات دعيت لزيارة بيروت، للمشاركة في المؤتمر الإعلامي العالمي، ومرّةً أخرى دعيت إلى بيروت لتكريمي مع الدكتور أنيس صايغ، والدعوتان هما من نفس الجهة: إعلام حزب الله.

هذه المرّة، دعيت من الجامعة اللبنانيّة، قسم اللغة والأدب والحضارة العربيّة، وكان المؤتمر بعنوان: بيروت في الرواية، الرواية في بيروت...

تواصلت جلسات المؤتمر ثلاثة أيّام بمشاركة عدد من النقّاد، والروائيين:
من تونس، المغرب، سورية، الأردن، فلسطين، وطبعا من لبنان. وإذ كانت البحوث المقدمّة، والشهادات، غنيّة، فإن النقاشات التي
تواصلت خارج القاعة والجلسات زادتها غنى. 

لقد وقع خلاف بين الدكتور الناقد والأديب عبد اﻟﻤﺠيد زراقط، الذي أعدّ دراسة حول (آه يا بيروت)، وبين الجهة المشرفة على المؤتمر، إذ رأى بعض الأساتذة أن (آه يا بيروت) ليس رواية، بينما رأى الدكتور زراقط أن (آه يا بيروت) عمل روائي تسجيلي، فيه راو، وحدث، وصراع، وشخصيات، و..هذه من شروط الرواية.

جلسات المؤتمر كانت مكثفة، والجدل تواصل، والتعارف بين الوافدين من المغرب والمشرق، وكما هو الشأن في كل المؤتمرات، أرسى جسرا للتواصل لعلّه يدوم ويثمر كما هو الشأن في كّل المؤتمرات والملتقيات. ولأن القادمين من المغرب سمعوا عن بيروت الكثير، وهم جميعا يزورون بيروت لأوّل مرّة، ولأن بيروت ليست شارع الحمراء، ولا هي (الداون تاون)، كما يطلق على المنطقة التي أعيد بناؤها في قلب بيروت، والتي يبلغ ثمن فنجان القهوة فيها 7 دولارات تقريبا، فقد توجهت مع الأصدقاء المغاربة إلى مقابر
الشهداء، وصبرا وشاتيلا، بعد أن أمّنت بواسطة أحد الأصدقاء سيارتين للتجول بنا في جولة سريعة، لكنها عرّفت التوانسة والمغاربة بالوجه الآخر لبيروت.

توقفنا في مدخل مقبرة الشهداء، وتلونا الفاتحة، ثمّ توجهنا إلى ضريح غسّان كنفاني، فوقفنا صامتين، وكانت الدهشة، والذهول..فهنا يرقد غسّان كنفاني: رجال في الشمس، وما تبقّى لكم، و..بجواره لميس ابنة شقيقته التي نسفها الصهاينة معه، وغير بعيد عنهما ضريح كمال ناصر. 

جلست بجوار الشاهدة، وتمتمت بكلام لا أدري ما هو، ولكنني استذكرت صبيحة ذلك اليوم عندما أسرعت لوداعه قبل التوجه إلى ميناء
بيروت للرحيل. 

غير بعيد عن المقبرة، وقفنا أمام ذكرى مئات الشهداء الذين ذبحوا وبقرت بطونهم، واغتيلوا ليل 17 أيلول/سبتمبر ببلطات ومُدى وبنادق وحقد صهاينة الداخل الكتائبيين، وبإشراف وتوجيه ومشاركة قوّات الاحتلال، وشارون شخصيّا.
في تلك المذبحة قُتل الفلسطيني واللبناني معا، فهما يعيشان في نفس المكان، ويحملان نفس المشاعر، ومعا قاوما.

هل يغيب عن البال كيف طالب شارون بترحيل (المرابطون) بقيادة إبراهيم قليلات مع الفلسطينيين على السفن، رغم أنهم لبنانيون وبيروتيون أقحاح؟

فيما بعد تمّت معاقبة (المرابطون) وقيادتهم، وتمّ تشريدهم من (خلية صوت لبنان » جمال عبد الناصر) والمزرعة، والمصيطبة، ودمّرت إذاعة عقابا على دورها! 

« العربي في الشارع الوحيد ..المكتظ بالبسطات، سار الأصدقاء المغاربة صامتين، محزونين، غاضبين...وفي ختام الجولة في شاتيلا، وصبرا، وبير حسن، وعلى تخوم الضاحية، والفاكهاني، سمعت الأصدقاء يقولون كلاما قلت كلاما يشبهه قبل سنوات بعيدة: لو لم تكن هذه الزيارة لما عرفنا بيروت، ولما عرفنا جحيم حياة الفلسطيني، و..سرّ صمود بيروت.

في ختام مداخلتي قلت ما يلي: وفد رجل على مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المدينة، وكان قادما من الشام، فسأله الرسول
عمّا رأى، فأجاب: رأيت بلدا فاسدا فاسقا يتفشى فيه الفجور..فقال له الرسول: صدقت.

وعند العصر وفد أعرابي آخر على المسجد، قادما من الشام، فسأله الرسول عمّا رأى هناك، فأجاب: رأيت ناسا مؤمنين، أتقياء، ...فقال
الرسول: صدقت. هنا سأله أعرابي شهد قدوم الرجلين، وما جرى بين الرسول وبينهما:

يا رسول الله أنت قلت للشخصين أنهما صادقان، فكيف هذا وهما على النقيض؟ أوضح الرسول الأمر للأعرابي: كل واحد منهما أخبرني بما سعى إليه.

أمّا أنا فقد رأيت في بيروت الكتاب و..المقاومة، وبيروت ستبقى هكذا: 

مدينة الكتاب والمقاومة. 
المدن العظيمة لها وجوه متعددة..أليست هذه بيروت التي منحتنا كعرب الكتاب، وانتصارات المقاومة؟!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر