الراصد القديم

2013/11/01

ابن خلدون وأزمة الميزانية الأمريكية !



 نوح الهرموزي

'ارتفاع رهيب لكلفة العيش، وتضخم الأسعار، والارتفاع المطرد لنفقات الحكومة التي بلغت في الموازنة الأخيرة ما يناهز 11,5 مليار دينار تونسي، وتصاعد نسب البطالة التي بلغت حسب مصادر رسمية 10,8في المئة التي تمس الشباب أساسا'، كلها مؤشرات من بين أخرى، تفيد بفشل الحكومة الحالية التونسية في تنزيل شعارات الثورة. أما النتيجة فسقوط المزيد من الشباب التونسي في براثن اليأس و في فخ الراديكالية والتطرف.

للمعطيات الاقتصادية وجاهتها وقوتها، لكن في زيارتي الأخيرة إلى الجمهورية التونسية مهد الحراك العربي هالني منظر آخر. في شارع بورقيبة،الشارع المليء بذكريات وقصص الثورة، حيث عدد من الإدارات والمراكز والمنشآت الإدارية والأمنية، تحاصر الأشواك الحادة من كل جانب تمثال المؤرخ العربي الشهير ابن خلدون، وكتيبة من الجيش التونسي تمنعك من التصوير ومن الاقتراب. كيف؟ ولماذا؟

السلطات التونسية (ومعها عدد من السلطات العربية) تمنع الأشخاص من الاقتراب من التمثال، وقوى كثيرة تجندت لشيطنة أعماله والتعتيم على أحد أبرز معالم الثقافة العربية. فهل تعاقب السلطات الجديدة العلاّمة ابن خلدون على خلاصته الشهيرة والتي مفادها أن 'اتساع الدولة (يفضي) أولا إلى نهايته ثم تضايقه (أي الاتساع) طورا بعد طور يفضي إلى فناء الدولة و اضمحلالها'.

ربما. لكن الأكيد أن ابن خلدون وبباعه الطويل في فض النزاعات التي نشبت بصفة دورية بين الدول من أجل الاستحواذ على السلطة وتوسيع نفوذها في القرن 41 الميلادي، فكك وحلل في كتابه 'العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر' بدقة استثنائية الآليات المسؤولة عن تَيَبُسِ جهاز الدول و تَصَلٌبِ الحضارات.

خلاصات معايناته ودراساته ومعايشته للممارسات السياسية والحكم وملاحظة طبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني تجعل بن خلدون معاصرا. تمنيت والحالة هذه، صادقا عودة هذا العالم المتخصص في صعود و فساد الدول و اضمحلالها لدق نواقيس الخطر ببلوغ موازنات عدد من الدول في عصرنا الحالي الخطوط الحمراء، وبتراكم مديونياتها في مستويات جنونية، الشيء الذي يُنذر بأزمة اقتصادية شاملة وان يساهم في فض النزاعات والخلافات الانتخابوية والشعبوية الطاحنة القائمة والمتكررة بين الديمقراطيين والجمهوريين حول الميزانية الأمريكية التي تهدد إذا لم تُحل بانهيار المنظومة المالية العالمية وإفلاسات بالجملة على شاكلة الكساد العظيم لعام1929.

إن أزمات الموازنات المتعاقبة في أمريكا مند بداية القرن الماضي وما نتج عنه من تراكم المديونية و ارتفاع الضعط الجبائي لتغطية العجز و سداد الديون أدى إلى تنامي سخط بالغ لدى شرائح متعددة من المجتمع الامريكي وظهور حركات مناوئة للسياسات الاقتصادية الكنزية للإدارات الامريكية.

ألقت السياسات الضريبية و انفجار النفقات الحكومية والمديونية التي بلغت 17 ترليون دولار أي 73 في المئة من الناتج الإجمالي و لتغطية هذا الدين يتوجب على كل المواطنين الأمريكيين حتي الرضع منهم تأدية 54 الف دولار أمريكي لتغطية ديون الدولة، ما جعل الولايات المتحدة البلاد الأكثر مديونية في العالم.فقد دفعت هذه الأزمة بعدد من المواطنين في ربيع عام 2009 لموالاة 'حزب الشاي' وتنظيم عدد من المظاهرات للاحتجاج على الحكومة الفدرالية التي تمادت في رفع سقف الإنفاق من أجل تمويل عدد من البرامج الاجتماعية كبرنامج التأمين الصحي الجديد الذي تروج له إدارة باراك أوباما Obama Care. علما أن البلد غير قادر بل يلجأ إلى إعادة الاقتراض لسداد فوائد ديونه وفوائد سندات الخزينة الأمريكية المملوكة من طرف المستثمرين الأجانب و خصوصا الصين التي اشترت قرابة ترليون دولار من سندات الخزينة.

يجدر بالذكر أن تسمية 'حزب الشاي' تجد جذورها في تمرد المستوطنين الأميركيين سنة 1773 على زيادة الضريبة المفروضة على الشاي التي فرضتها بريطانيا. وهي أيضا اختصار ل ' Taxed Enough Already' 'مفروض علينا ضرائب بما فيه الكفاية'. وتتركز مطالب حزب الشاي في عدة مجالات أهمها إصلاح النظام الصحي أو 'أوباما كير' مع العمل على خفض عجز الميزانية الفدرالية ومحاربة فساد النخب السياسية والاقتصادية التي تهيمن على العاصمة واشنطن مدركين أن الولايات المتحدة استدانت مبالغ لن تستطيع يوماً تسديدها، ويرون أن خفض التصنيف الائتماني للبلاد من قِبَل وكالة 'ستاندرد أند بورز' للمرة الأولى من المرتبة AAA إلى AA التالية هي بمثابة تحذير من أن الآتي أعظم . كما ويعملون على الضعط من أجل خفض الضرائب ودعوة الإدارة الأمريكية إلى المزيد من الاستقلالية وعدم التدخل الخارجي في شؤون بقية الدول لما يترتب عن ذلك من آثار اجتماعية وسياسية كارثية وكلفة اقتصادية مرهقة.

المأزق الذي وضع باراك أوباما نفسه فيه بعد رفع النفقات الحكومية وتوسيع الدعم والإعانات لكبريات الشركات والبنوك المفلسة رغم مسؤوليتها الواضحة عن أزمة 2007 المالية، مأزق جعل إدارته غير قادرة على تدبير ميزانية الدولة بشكل ناجع ما حدا به لطلب اعتمادات إضافية وقروض إضافية، جاءت لتفاقم العجز الكارثي لمديونية هائلة. لكن الإشكال الذي صادفه هو اعتراض الكونغرس الأمريكي الذي رفض التمادي في اللجوء للإنفاق، فرفض التصويت بالموافقة على سياسة أوباما.

وضع الأباء المؤسسون للدولة الأمريكية ضوابط وصمامات أمان صارمة للحفاط على توازن السلط و الحد من شطط سلطة الرئاسة والبيت الأبيض حيث شرعوا سنة 1789 قانونا يُخضع موازنة الدولة لسلطة ممثلي الأمة المنتخبين، و لا يُنفق الرئيس الحكومة من المال إلا ما يصادق عليه الكونغرس من اعتمادات. وقد سجل التاريخ الأمريكي 17 أزمة إفلاس من هذا النوع أي ما يطلق عليه بـ'فجوات الإنفاق' ابتداء من الرئيس جيرالد فورد مرورا بجيمي كارتر ورونالد ريغن ثم بوش الأب وبيل كلينتون وصولا إلى الرئيس باراك أوباما.

المتأمل في تطور موازنات الدول وانفجار مديونية دول كأمريكا وإسبانيا و إيطاليا واليونان و قبرص وإيرلندا ولجوئها لاستجداء البنك الدولي وصندوق النقد بعدما كانت حكرا على الدول النامية، لا يملك إلا أن يستحضر روح بن خلدون ووصاياه بضرورة الحد من نفوذ الساسة والحد من لجوء جلهم عند ممارسة السياسة للتلاعب الشعبوي والانتهازي بأموال الدول وبمصائر العباد سواء في أيام العرب والعجم والبربر أو من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر !

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر