الراصد القديم

2013/12/01

العمال والفلاحون.. ودستور الثورة!

 
جلال عارف
  
لم يكن الهدف من تخصيص نصف مقاعد البرلمان للعمال والفلاحين هو شراء تأييدهم، فلم يكن عبد الناصر فى ذلك الوقت «منتصف الستينيات» فى حاجة إلى ذلك، وهو الزعيم الذى منحه الشعب من التقدير والمحبة ما لم يمنحه لزعيم آخر على مدى تاريخه.
كان القرار هو الترجمة السياسية لواقع جديد انحاز فيه الحكم للفقراء، وأصبحت العدالة الاجتماعية هدفا رئيسيا، وأصبح العمل قيمة أساسية فى بناء الدولة الجديدة جنبًا إلى جنب مع العلم الذى انفتحت أبوابه للجميع.. كان الإصلاح الزراعى يتم تطبيقه والتوسع فيه.. وكانت حقوق العمال تتأكد بدءًا من الحد الأدنى والأقصى للأجور، وحتى التأمينات الاجتماعية وقوانين العمل المنصفة. وكان أبناء العمال والفلاحين قد وجدوا طريقهم «من خلال التعليم وبمعيار الكفاءة» للوظائف العليا.. وكان لا بد أن يتوج ذلك بمشاركة سياسية تعكس الخريطة الجديدة للمجتمع.
فى البداية دخل البرلمان عمال وفلاحون حقيقيون، وكانت الشروط صارمة، وكانت هناك تربية سياسية ووعى وطنى يسمح بظهور قيادات حقيقية، خصوصا بعد أن تكتسب الخبرة بالعمل البرلمانى.. لكن الظروف بعد ذلك جاءت معاكسة.
وقعت النكسة ودخلنا حربًا طويلة توجهت إليها كل إمكانات الدولة، ورحل عبد الناصر، وبعد النصر المنتظر فى حرب أكتوبر، بدأ السير فى عكس الاتجاه، ومع الانقلاب على يوليو والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بدأ الانقضاض على كل مكتسبات العمال والفلاحين.. بدءًا من تعديل قوانين العمل وحتى طرد الفلاحين من أرضهم لصالح كبار الملاك!
وفى هذا الطريق بدأ التلاعب فى نسبة العمال والفلاحين فى البرمان، ومع حصار قوى اليسار وتحالف الحكم مع اليمين والإخوان لضرب مكتسبات يوليو، انتهى الأمر بتحويل مقاعد العمال والفلاحين للأثرياء ولواءات الشرطة وكبار الموظفين المتقاعدين، ولعلنا نذكر أن الإخوان فى دستورهم المختطف فتحوا الباب على البحرى لإلغاء مقاعد العمال والفلاحين، حين خصصوها للمصريين جميعا ما داموا يتقاضون أجرًا! ولم يكن ذلك غريبا على من سبق لهم القول: إن القرارات الاشتراكية كفر، وإن الإصلاح الزراعى حرام، وإن طرد الفلاحين من الأرض التى يستأجرونها هو صحيح الدين كما يفهمونه!
الآن تقرر لجنة الخمسين إلغاء نسبة العمال والفلاحين فى الدستور الجديد، ويقال إن السبب أن ممثلى العمال والفلاحين لم يكونوا كذلك، وهو أمر صحيح كما قلنا، ولكن هل الحل هو إلغاء وجود العمال والفلاحين، أم ضمان وجودهم بتعديل القوانين وتحديد الشروط التى تعيد الحقوق لأصحابها؟!
ويقال إن وجود العمال والفلاحين فى البرلمانات السابقة لم يمنع اغتيال حقوقهم، ولم يقف فى وجه تصفية القطاع العام أو تعديل قوانين العمل، أو سلب حقوق الفلاحين.. وينسى من يقولون ذلك أنهم هم أنفسهم من زوروا إرادة العمال والفلاحين بتسليم مقاعدهم لمن لا يستحقونها، وينسون أيضا كيف استخدموا إمكانات الدولة لتمرير هذه السياسات، وكيف عقدوا الصفقات مع معارضة كانت على يمين النظام، وكانت أكثر شراسة فى العداء للفقراء واغتصاب حقوق العمال والفلاحين!!
لجنة الخمسين صوتت بأغلبية كبيرة على إلغاء نسبة العمال والفلاحين.. من الناحية القانونية قد يبدو القرار مبررا، ولكن من ناحية الواقع السياسى والظروف الاستثنائية يحتاج الأمر إلى مراجعة أساسية وسريعة، فالثورة التى جاءت باللجنة التى تضع الدستور كان وقودها الأساسى هم العمال، وكانوا هم والفلاحون من يدفعون الثمن من ظروف قاسية يعيشونها فى ظل التآمر على مصر ومحاولة حصار ثورتها وضرب اقتصادها.
فى هذه الظروف التى نواجه فيها الإرهاب ونتصدى لتآمر الإخوان مع أعداء مصر، ينبغى أن يكون الحفاظ على وحدة الشعب هدفا أساسيا، ولا ينبغى أن نترك التناقضات ليتم استغلالها، ولا ينبغى أن نتجاهل أننا مقبلون على استحقاقات انتخابية لا ينبغى أن نتركها للصراع بين المال السياسى وبين تجار الدين، بينما قوى الثورة تبتعد عن المستفيدين الحقيقيين منها، وهم العمال والفلاحون والفقراء الباحثون عن العدل والكرامة.
كيف يدخل هؤلاء التنافس مع المال السياسى ومع تجار الدين المدعومين من الخارج، بينما العمال والفلاحون ممنوعون حتى الآن من تشكيل أحزابهم المستقلة؟ وكيف يخوضون المنافسة فى ظل قيود ما زالت موجودة على العمل النقابى، وفى ظل ظروف اقتصادية واجتماعية نعرف جميعا حقيقتها، خصوصا فى الريف وفى الصعيد؟
مثلما تركنا فترة انتقالية فى مواد الدستور الخاصة بالقوات المسلحة، ينبغى أن نفعل الشىء نفسه فى ما يتعلق بتمثيل العمال والفلاحين، على أن يتم فى هذه الفترة إطلاق الحق فى إنشاء أحزاب خاصة بهم، وتحقيق الحريات النقابية، وتنظيم الفلاحين فى منظمات للدفاع عن حقوقهم، وقبل ذلك كله أن نحافظ على وحدة تحالف الثورة فى هذه المرحلة الدقيقة حتى نقهر الإرهاب، وننفذ خارطة الطريق، ونضع أسس الدولة التى تحقق أهدافنا فى الحرية والعدل والكرامة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر