الراصد القديم

2013/07/01

من هم الناصريون


صقر شمر


رغم مرور سنوات طويلة على غياب عبد الناصر، وحدوث تغييرات جوهرية في طبيعة الاحداث ومعطياتها والانقلاب الشامل في العديد من المفاهيم والشعارات التي كانت سائدة إبان حياته ، الا أن اسم عبد الناصر لا يزال له تأثيره في الواقع العربي ، وهو تأثير يدفعنا للحديث عن الناصرية ودلالاتها وعلاقتها بمستقبل الوطن العربي .. وقبل الخوض في هذا البحث تستوقفنا بعض المؤشرات على تأثير عبد الناصر في الواقع الراهن نرى ضرورة إيرادها والوقوف عند مغزاها .
في استفتاء عرض على طلاب اكاديمية ناصر العسكرية التي تخرج الاف الضباط المصريين في عام 1986 سئل الطلبة عن النموذج الذي يرونه مثالهم الأعلى ، فكانت اجابات 80% من الطلبة جمال عبد الناصر و15% أحمد عرابي و5 % اجابات متفرقة .
والحدث الثاني في سبتمبر 1986 قررالحزب الاشتراكي العربي الناصري – وهو حزب غير مرخص لهم بالعمل – عقد مهرجان في قرية التبانة كرمز لارتباط هذا الحزب بطبقة الفلاحين ، وكانت المفاجأة أنه حضر هذا المهرجان ما يقارب مئة ألف مواطن ، مما أضطر السفير الاميركي للتساؤل عن وضع الناصريين في مصر وابداء تخوفه من هذا الحضور بشكل رسمي .
والحدث الثالث، هو انكشاف دور الناصريين في التصدي المسلح لرجال الموساد وجهاز المخابرات الأميركية في مصر ، ووقوع صراع شديد بين الطرفين من خلال نشاط منظمة مصر الناصرية ، وقيام السفارة الأميركية بمحاولة كشف التنظيم والتحقيق مع بعض المعتقلين .
وبعد هذه المقدمة السريعة نعود مجدداً لنطرح من هم الناصريون ؟ وما هي الناصرية ؟
عارفين ان العديد من القوى التي ارادت أن ترث عبد الناصر أو أن تتجاوزه- وكثير منها ناصبته العداء خلال حياته أو على الأقل وقفت على الحياد تنتظر وقتاً تبحث لها عن دور فيه – حاولت ولا تزال تحاول كلما رأت أن ظرفا يتيح لها الظهور والبروز أن تقدم نفسها النموذج المتطور " المتعقلن " عن عبد الناصر ، مدعية انها تحمل من عبد الناصر أفضل ما فيه ، وتضيف من عندها ما هو أكثر قدرة ونضجاً ووعياً ، ومدركين أن البعض منها لم يفقد الأمل في ان يخترق تراث وجماهير عبد الناصر رافعا أعلامه " هو " مستغلاً " هدير التيار الناصري كإيقاع لرؤية وكخلفية سينمائية لا اكثر .
بعد نكسة الانفصال مباشرة عرفت الحركة الشعبية العربية تعبيري " الناصرية ، والناصريون" والناصرية كانت تعبيراً عن حركة الثورة العربية باهدافها الثلاثة " الحرية - الاشتراكية – الوحدة " وفق الرؤية والممارسة الثورية التي تميز بها القائد المعلم جمال عبد الناصر. والناصريون كانوا كذلك التيار الجماهيري العريض الممتد على طول الوطن العربي وفي كل ساحاته ، الذي وقف خلف قيادة جمال عبد الناصر وتجاوب- وتفاعل مع حركه التغيير الثوري التي قادها فكانوا بذلك قوته الحقيقية واداته في تأكيد الخط الثوري للحركة الشعبية العربية والناصريون لم يكونوا حزباً سياسياً ، وان ضمت قسما منهم احزاباً ومنظمات رفعت الناصرية شعاراًً لها ولكنهم كانوا دوما أكبر من تلك الاحزاب والتنظيمات وكان ارتباط جماهير هذا التيار مباشراًً بالقائد تستلهم من خطبه ونضالاته فكرها ووعيها السياسي .
وإذا كانت أوائل الستينات قد أشارت الى التنامي العظيم لهذا التيار وإلى الاندفاع شبه العام للحركة الفكرية والسياسية العربية في اتجاه ما يرسمه ويؤكد عليه القائد المعلم فإن نكسة 1967 قد اضافت بعداًً جديدااً للناصرية . اذ تساقط عبر هذه النكسة أولئك الذين مشوا في ركاب عبد الناصر تحت بريق الانتصارات التي حققها حتى ذلك التاريخ دون إيمان حقيقي بالخط السياسي والفكري الذي تميز به . كذلك اضافت النكسة بعداًً نوعياً حتى على مستوى الجماهير. فالنضج والترشيد أصبحا بميزان الحركة الجماهيرية بقواها وتنظيماتها فالحديث عن الناصرية أصبح يتضمن الحديث عن الثورة ، بانتصاراتها وهزائمها، بالإيجابيات والسلبيات. وحتى تستطيع الناصرية أن تقوم بهذا الدور، كان لا بد لها من النضج والمتابعة والحوار واستطاع هذا التيار رغم النكسة ورغم مظاهر الانحراف التي جرفت مفكرين وسياسيين ، وأثرت على قطاعات من الجماهير أن يحافظ على حقيقة كونه يمثل أغلبية الجماهير لانه عبر النكسة استطاع أن يؤكد كونه يستلهم مواقفه وارائه من نبض هذه الجماهير وان يمتلك منهجه العلمي في التعامل مع متغيرات الحياة .
ان النكسة التى زادت الجماهير عمقاً وتمسكااً بثورتها ، زادت القيادة الثورية وجيل شباب الثورة إستيعاباً للحقائق القومية والطبقية العربية والدولية فانطلقت الثورة الناصرية . اعتماداً على جماهيرها . تحدث التغيرات وتتابع مسيرة ثورية أكثر فعالية وأقوى أثراًً . وبدأت تتجاوز أكبر الثغرات التي رافقتها والتي كانت من طبيعة انطلاقها القومية ونقصد بها افتقاد التنظيم الثوري القومي . لكن القدر لم يمهل القيادة الثورية حتى تبلور تنظيمها السياسي الثوري كذلك لم يمهل جيل شباب الثورة الذي تربى على معارك ثورته المعاصرة حتى يمد بناءه التنظيمي ويستكمل اطره الثورية . لذلك ما ان غاب القائد حتى أصيبت حركة الثورية بانتكاسة عميقة الأثر مكنت لقوى الردة من اغتيال الثورة .
واليوم وبعد مرور مرحلة زمنية على وفاة القائد المعلم وعلى تمكن قوى الردة من أرض التجربة الثورية، وبعد إن اضمحلت مظاهر الثورة العربية المعاصرة التي كانت نضالات الجماهير العربية تحت قيادة جمال عبد الناصر المثل الحي عنها ، بدأت تلك الكتلة الجماهيرية التي مثلت التيار الناصري تضعف ، وتتحلل ، وإذا كان وضع كهذا تعبيرا عن حقيقة تراجع المد الثوري العربى ، وعن دخول الساحة العربية - مجدداًً بفعل القوى المضادة ، الاقليمية ، والرجعية - تحت هيمنة الامبريالية العالمية، وادواتها على الساحة العربية، فإننا نشير الى مجموعة عوامل مكنت لهذا الارتداد وأن يحدث بهذا العمق والبشاعة.
أولها- غياب النظام الناصري ، وغياب فعالية الاداة السياسية الناصرية القومية القادرة على قيادة الجماهير ، والتفاعل مع الأحداث السياسية وترشيد حركتها ، سواء كان ذلك على مستوى كل اقليم عربي، أو على مستوى الوطن العربي .
ان التشرذم الذي أصاب الحركة السياسية الناصرية . كان بفعل عوامل موضوعية وذاتية ، ولدت هذا الوضع ثم سمحت له أن يستمر. فالولادة الحديثة للثورة العربية بصورتها الناصرية كانت عبر الممارسة . عبر التجربة والخطأ واستمرت على ذلك أكثر من نصف عمرها . واستناداً لهذه الحقيقة فإن قوى عديدة سايرت الجماهير الناصرية واندفعت معها . قادتها وهي لم تكن تؤمن بكل أبعاد الثورة الناصرية . فالتساقط كان طبيعيااً مع كل خطوة ثورية . كذلك فإن روعة الانتصارات التي أحدثتها الثورة دفعت الكثير من قيادات أحزاب جماهيرية أن تقترب من الناصرية ، وأن تتنطح لقيادتها . ثم لم تلبث هذه أن اسقطت عقليتها وأسلوبها وبناءها القديم على نضالات التيار الناصري وكانت من أهم أسباب حالة التشرذم ، وايضاً فإن عمق التحولات وسرعتها خلفت الكثير من قيادات هذا التيار وراء الثورة . يختلفون ويتشرذمون حول مفاهيم ومواقف حسمتها الثورة منذ زمن .
إن التواصل الضروري والمطلوب بين الأجيال من أجل استمرار حركة الثورة قد إفتقد عبر هذه المراحل ولم يكن الجيل الصاعد. جيل التحالف الثوري الذي عرف النضال، وتعرف الى الثورة تحت رايات عبد الناصر قد اكتمل نضجه وتجربته لاستلام اعلام الثورة والامساك بها بقوة وصلابة تمنع الانهيار المنشود.
وقد خلف هذا في العديد من الساحات حالة فقدان ثقة بقدرة هذا الجيل على فرز قيادته والاندفاع معها في معارك النضال من أجل بناء الثورة مجدداً .
ثانيها- تعاظم القوة القمعية لأنظمة الحكم العربية ودخول اغلبها في مرحلة الثأر من إنجازات المرحلة الناصرية ومن جماهيرها . تستوي في ذلك الأنظمة التي ترفع الشعارات الثورية أو تلك التي توصف بالرجعية . وتعددت- الأسلحة المستخدمة في التسلط على الجماهير وتزييف ارادتها فمن سلاح التجويع و الضغط الاقتصادي والمادي ، إلى سلاح الارهاب والديكتاتورية . ولم تعد للديمقراطية وجود في الوطن العربي . أصبح الحكم . أي حكم يعتمد على الارهاب وعلى الديكتاتورية . وعلى التسلط . وحين يظهر أمامنا أي تحرك جماهيري ، فأما أن يواجه بإرهاب شرس يعيد إلى الأذهان الأنظمة الفاشية العنصرية وأما أن يكون للنظام ذاته ضلع في هذا التحرك بهدف معين يرجو تحقيقه . وفي هذه الحالة فإن للتحرك الذي يبدو جماهيرياً خطاً مرسوماً لا يجوز أن يتعداه وإذا كانت هذه الأنظمة تفتقر لأي شكل من أشكال الإتجاه القومي فإنه بغرض الارهاب والتمكن من ضرب الحركة الجماهيرية . تتعاون وتتعاضد. ويشد بعضها أزر البعض الاخر. حتى أصبح تعاون أجهزة الأمن العربية السمة الوحيدة " لقومية " هذه الأنظمة.
ثالثها- فشل المنظمات والأحزاب الرافعة للشعارات الناصرية من إثبات وجودها في أقاليمها . سواء كان ذلك بفشل تمثيلها للتيار الناصري في ذلك الإقليم أو بضعف الأصالة والصلابة في مواجهة تسلط ديكتاتورية الأنظمة الحاكمة . او بعد التزامها وانتسابها الى جماهير الشعب الناصرية ، لقد أعطت الجماهير الكثير لهذه المنظمات. أعطتها من خلال الالتزام والعفوية. وأعطتها من خلال التجاوب السريع مع التحركات النضالية وأعطتها أخيرا من خلال الصبر والتضحيات في مواجهة عنف السلطة وديكتاتوريتها.
لكن هذه التنظيمات راحت بفعل طبيعة قياداتها ، وحقيقة بنيتها تتلهى بالصراعات الجانبية عن الصراع الحقيقي الواجب مع أعداء الثورة العربية . وتسقط عند أول اغراء تلوح به السلطات الحاكمة ، أو تضعف أمام أول ضغط جدي يصيبها وعلى الأخص بعد أن رحل القائد المعلم . أن أهم وأخطر حقيقة تولدت عن هذا الوضع هو افتقاد هذه التنظيمات لثقة الجماهير... فحصدت نتيجة ذلك العزلة والضعف والتآكل.
ان تجربة هذه التنظيمات وسلوكياتها أضعفت الحركة التنظيمية الناصرية وشلت حركتها . وشكلت حواجز ذات أثر في اعاقة ولادة التنظيم الناصري الثوري . وما نراه اليوم من ابتعاد الجماهير الناصرية عن العمل المنظم ما هو الا حصيلة هذا الدور الذي مارسته تلك الكيانات التنظيمية .
رغم هذه العوامل التي تقف خلف ظاهرة الضعف والركود وتكاد تطبع الحركة الجماهيرية الشعبية في الساحة العربية كلها فإن هذه الحركة لاتزال تشهد حتى اليوم قطاعات شعبية معتبرة تشد الى تلك المرحلة التي قادها جمال عبد الناصر وتشكل نسبة جماهيرية مرتفعة لم تستوعبها تلك الأحزاب والمنظمات الناصرية المبعثرة في ساحات الوطن العربي . وتتمتع رغم ذلك بقدرة التماسك وبحصانة المقاومة لمحاولات الحرف والتدجين التي تقوم بها التيارات المعارضة والمضادة لحركة الثورة العربية المتمثلة بالناصرية.
إن هذه الظاهرة كما أكدنا تشكل نموذجاً فريداً ومميزاً عن أي حركة سياسية فهي قوة جماهيرية سياسية محددة الهوية تمثل الاحتياط الفعال لاي بناء تنظيمي طليعي . ومن هذه الحقيقة فان أمام الطلائع فرصة كبيرة لتتحول الى حركة نضالية فعالة والى بناء تنظيمها الجماهيري المقتدر. كذلك فالحركة الناصرية استطاعت رغم مظاهر الخلل التي تكشفت عبر مسيرتها أن تفرز من بين صفوفها طلائع ثورية استوعبت الناصرية ، وآمنت بها ، وعملت على تجسيدها بفكرها وسلوكها وإذا كان من الحق القول ان هذه الطلائع متواجدة ولو بنسب مختلفة في كيانات تنظيمية مختلفة . إن تنظيمها يتطلب العمل وفق مستويات متعددة .
1- المستوى الأول. ( تحالف قوى الشعب العامل) يشكل هذا المستوى القاعدة الموضوعية التي تستند اليها الناصرية . ونحن حين نقول ان الجماهير الشعبية في الوطن العربي المتمثلة بتحالف قوى الشعب العاملة. هي جماهير الناصرية فانما نشير الى ما جاءت الناصرية لتعبر عن أفكارهم وآمالهم ولتخطو بهم طريق المستقبل فالناصرية ملتزمة بهذه القوى الشعبية . ملتزمة بالتعبيرعنها . ملتزمة بالاندفاع معها على طريق التغيير الثوري الاشتراكي . وقد يتراءى للبعض ان هذه القوى الشعبية ليست في حالة تسيس مستمرة . كما انها تظهر في بعض الاحيان وكأنها غير موحدة الهدف والاسلوب . ان هذا و إن بدا صحيحا في بعض المراحل وضمن بعض الظروف . لكنها كقاعدة هي دائما ذات توجه عام متطابق الاهداف . ان تجارب النضال الشعبي أثبتت انه حتى بالنسبة للشرائح الطبقية الملتزمة بايديولوجيا مختلفة - كالماركسية مثلاً - لا تستطيع الا ان تكون قريبة من الناصرية حين تريد أن تكون صادقة مع نفسها ومع نضالاتها الحقيقية .
ان الذي يبحث في تراث الاحزاب الشيوعية العربية . وتلك الماركسية العربية يشعر انه في كل مرة حاول هؤلاء ان يكونوا فعالين وثوريين بحق . وفي كل مرة وقفوا لينقدوا أنفسهم نقداً موضوعياً حياً كان هذا النقد أو تلك المراجعة لجزء من تاريخهم اعادة ومراجعة تتلاقى والناصرية .
ولقد أشرنا الى هذه الحقيقة لنسلط الضوء على حقيقة ان القاعدة الموضوعية للناصريين هي مجموع القوى الشعبية حتى ولوحاولت بعض القوى وفي بعض الظروف أن تظهر هذه القاعدة على غير حقيقتها.
ان التزام الناصرية بالقوى الشعبية العربية وتعبيرها عنها. لم يأت من خلال اختيار قامت به الثورة الناصرية وإنما من خلال التحليل العلمي لتطور المجتمع العربي للبنية الطبقية للمجتمع . فاتباع المنهج العلمي في التحليل والتفكير- وهو ما تميزت به الناصرية- هو ما أوصلها الى الالتزام بالقوى الشعبية باعتبارها قوى التغيير الحقيقية في المجتمع .
2- المستوى الثاني : (التيار السياسي الناصري) في ساحات الوطن العربي تنظيمات وأحزاب ترفع شعارات الناصرية وتناضل تحت لواء هذه التسمية منها ما افصح عن فهم متقدم لبعض جوانب الفكر الناصري ، ومنها ما زال يعيش بمفاهيم بعيدة عن النضج والوعي الواجبين . منها ما يمثل ناصرية "الخمسينات " ومنها ما يمثل ناصرية " الستينات "، ومنها ما هو أكثر تطوراً . لكنها جميعاً وان لم تستطع التجسيد الحي للحركة الناصرية ما تزال تمتلك حداً أدنى يجمعها فهي تلتف حول الميثاق الوطني، وباقي مواثيق الثورة ... وهي جميعا تعلن التزامها بأقوال القائد المعلم ، وان كانت تختلف بفهمها لما جاء في هذه الأقوال والمواثيق وهي جميعاً تنظر الى مصر والى دورها القومي نظرة موضوعية خاصة ومعظمها حافظ على حد أدنى من السلوك الناصري الصحيح . أو بشكل أدق لم تخرج عن دائرة الاجتهاد ضمن النهج الناصري العام ..
وفي ساحات الوطن العربي تيار سياسي ناصري . بتعاطف مع الحركة الناصرية المنظمة . ويشكل الاحتياط السياسي لحركتها وهذه الميزة للحركة الناصرية تكونت من خلال امتزاج مرحلة قيادة المعلم جمال عبد الناصر بالتحولات العظيمة التي أحدثتها قيادته أو تلك التي أشارت إليها . وهذا التيار يتجاوب باستمرار مع أي حركة تستطيع ان تسترجع معه روح مرحلة جمال عبد الناصر.
وما يظهر من خفوت هذا التيار، أو ضعفه ، إنما هو في الحقيقة مؤشر على خفوت فعل الحركة الناصرية المنظمة ، وضعف حركة الطلائع الناصرية . لقد بني هذا التيار السياسي الناصري من خلال تطابق المعارك التي خاضتها القوى الشعبية العربية مع تطلعات جماهير شعبنا وآمالها . ومن مظاهر ضعف الالتزام ان نعتقد إن الجماهير تنفض يومأ بعد يوم عن تلك المرحلة ، وعن مختلف المعاني التي صنعتها بقيادة المعلم جمال عبد الناصر. ان ما يحدث فعلأ هو اهتزاز ثقتها بصلابة وصدق من تنطح للعمل التنظيمي في هذا التيار. وفي كل مرة يثبت المنظمون الناصريون طلائع واحزابا جماهيرية صدق التزامهم عبر موقف نضالي وعبر اصرار متميز وصادق . نرى الجماهير تلتف من حولهم ، وتعيد صورة من صور الالتفاف حول معاني الناصرية . بل اننا نرى هذه الجماهير تعود إلى تلك الايام العظيمة تستمد منها " دواعي الصبر " كلما ظهرت أكثر مظاهر الاستسلام والزيف في الواقع العربي.
إن التيار السياسي الناصري سوف يؤول حتما الى الركون أوالمشاركة الفعالة حسبما تثبت الطلائع الناصرية امكانياتها على بناء نماذج طليعية صلبة . وإذا كان الركون والسلبية مظهر من مظاهر الانتكاس . فإنه مظهر لا يستديم وحكم لا يصدق في المرحلة الطويلة على الجماهير. لذا فالجهد الدائم يجب أن ينصب على بناء النموذج النضالي الناصري ، واضعين في الاعتبار توفر هذا البعد الجماهيري المميز للناصرية رغم كل ما يمكن ان يحجبه مرحلياً عبر مظاهر الضعف ، والتراخي والركون .
3- المستوى الثالث: الطلائع الناصرية:
تتشكل الطلائع الناصرية من أولئك الناصريين الأكثر إلتزاماً بأهداف النضال العربي ، والأكثر استيعاباً للنهج العقائدي الذي جسدته الناصرية ، والأكثر مقدرة على تحمل مسؤوليات قيادة النضال العربي والتفاعل مع الحركة السياسية العامة التي يقتضيها النضال عبر مراحله المتطورة . والأكثر إستعداداً للتضحية في سبيل نصرة هذه الأهداف .
فالنخبة امتياز، والطليعة مسؤولية ، والنخبة ترفع عن رعاع الجماهير والطليعة التزام بأهداف الجماهير وآمالها. والنخبة مكانة معطاة ، والطليعة افراز جماهيري اساسا . النخبة تعبير عن أغنى نماذج الفكر الامبريالي والطليعة تعبير عن حقيقة العلاقات الاشتراكية . لذلك فالطليعة تحميها وتصونها وتعززها الجماهير من الغير ومن أمراض الذات . في حين لا ترجع النخبة صلاحية ذلك الا للنخبة ذاتها.
ويبقى السؤال المطروح : من هو الناصري؟
لقد حاولنا منذ البداية أن نسلط الأضواء على التيار الناصري ، من خلال قاعدته المضوعية المتوفرة في تحالف قوى الشعب العامل . ومن خلال أطره التنظيمية سواء تلك الجماهيرية أو الطليعية . ومع ذلك يبقى السؤال المطروح. ما هـي المعايير التي تميز الناصري عن سواه؟. ولعل هذا السؤال طرح بشدة بعد رحيل القائد المعلم . وبعد ان شهدت الساحة العربية ظاهرتين متعاكستين :
الظاهرة الأولى...
ظاهرة الارتداد على الناصرية ، تجربة وفكراً . قادتها قوى وافراد كانوا علامات بارزة في حركة الثورة وإلى جانب القائد المعلم حتى أصبح المواطن العربي يتساءل كثيراً عن ظروف وجودهم في تجربة عبد الناصر... لفد رافق الكثير منهم جل المعارك الثورية العربية. ومع ذلك ارتدوا عن الثورة بكل المعاني التي تجسدت فيها .
الظاهرة الثانية...
ظاهرة النقد والتراجع عن المواقف من الناصرية ، التي طبعت العديد من التنظيمات والأنظمة والمفكرين والسياسيين بعد رحيل القائد المعلم . ولعل هذه الظاهرة أصبحت ملفتة للنظر لاتساع مساحتها . وظاهرة النقد هذه في جانب منها ظاهرة صحية وحيوية .. لكنها في جانب اخر شكل من أشكال الالتفاف على فكر جمال عبد الناصر وعلى جماهيره . فقد اعتقدت بعض التنظيمات وبعض المفكرين ان باستطاعتهم أن يكسبوا جماهير الثورة العربية. ان هم وافقوها في موقفها من مرحلة عبد الناصر إلى حين . ثم لن يلبثوا كما توهموا أن يسيروا بها مشوارهم بعد أن يكونوا خدعوها .
ولعل ما يجعل هاتين الظاهرتين مؤثرتين في هذه المرحلة هي شدة الهجمة الامبريالية على الساحة العربية وافتقار الجماهير الشعبية إلى التنظيم الناصري الفعال والى جيل المفكرين الناصريين الأصلاء لذلك فالحاجة ملحة الى تثبيت معايير اساسية نتعرف من خلالها على "الناصرية " حزباً كان أم مفكراً أم سياسياً . وعندها تقوم محاولة لتثبيت بعض المعايير التي تشكل باجتماعها حداً أدنى واجباً توفره لتصدق من خلاله صفة الناصرية :
أولها : عدم الالتزام يايديولوجيات جاهزة تعارض بطبيعتها الناصرية سواء كانت هذه الايديولوجيات تعبيرا عن تيارات سياسية وأحزاب متواجدة على الساحة العربية أو كانت اجتهادات نظرية ومدارس فكرية . فالالتزام بذلك يجعل الملتزم مبتعداً عن الناصرية . ولو بدا في بعض الأحيان قريباً منها . أو جزءا منها. ولقد شاهدنا في مراحل متعددة . وحتى في تلك المرحلة التي قادها المعلم . ماركسيين ينضوون في التيار الناصري . كذلك فعل بعض الليبراليين . وعناصر من الجماعات الدينية وعناصر من احزاب قومية . لكن ذلك كله لم يخرج بعضهم من التزامه الاساسي . ولم يضعهم موضعهم بصدق في صف " الناصري " . فكل اقتراب أو ترائي يظهر من خلاله أنه ناصري الطرح والموقف ليس أكثر من لقاء بين ايديولوجيته وبين الناصرية . ومن خلال هذا الموقف تفهم التطورات التي حدثت للشيوعيين المصريين سابقاً . أو للشيوعيين السوريين لاحقاً .
ان عدم الالتزام بايديولوجيات معارضة شرط لازم لصفة " الناصري " لا بد أن نراعيها ونلحظها ونتمسك بها.
ثانيها: ولا بد للناصري أن يعيد التزامه الفكري إلى الخطوط العامة في الميثاق وفي مواثيق الثورة وأحاديث المعلم . ولقد تقصدنا أن نقول : ان يعيد التزامه وليس أن يعلن تمسكه المطلق ذلك اننا نتحدث عن الناصري على عموم الصفة ولا نتحدث هنا عن الطليعي . كذلك فإننا نلحظ الخلاف الواضح ضمن التيار السياسي الناصري على مرحلية موجودة في الميثاق وعلى اتجاه للتطور مفترض في الفكر الناصري . لذلك فحين يعيد الفرد التزامه الى الميثاق فإنه بذلك يعلن تمسكه بجوهر الميثاق وأخذه بالمنهج العلمي الذي ظهر في مواثيق الثورة . ولعله من الضروري هنا أن نشير الى جوهر الميثاق وجوهر الفكر الناصري كمسائل عامة . دون الخوص في تفاصيل ذلك :
1- أخذت الناصرية بالمنهج العلمي في التحليل والتفكير . وبهذا المنهج حددت فهمها للمجتمع ، وللطبقات ، وللتاريخ ، وللمستقبل.
وحللت على ضوء ذلك عوامل تغيير المجتمع ، ودوافع التحركات العامة في التاريخ وقوى هذا التحرك واتجاهاته ، وأكدت عبر كل ذلك ان العمل الانساني هو باني الحضارة الانسانية ، وصانع التقدم . وان من يملك العمل، هو من يبني المجتمع- وبالتالي فإن اتجاه التطور الانساني ان يتحد مالك العمل ومالك المجتمع في شخصية الانسان العامل ، وفي طبقاته الاجتماعية بعد ان بقيا في التشكيلات الاجتماعية السابقة تعبيراً عن وجودين مستقلين متضادين .
2- استخلصت الناصرية مكانة الديمقراطية من الوجود الانساني . ومن قضايا بناء الاشتراكية... فالاشتراكية حين تعلن ان هدفها تحرير الانسان من الاستغلال والقهر. فلا بد ان تحرره اصلاً من مظهر هام من مظاهر الاستغلال والقهر الا وهو القهر السياسي .. والاغتراب عن واقع مجتمعه واتجاهاته وتطوراته... كذلك فالاشتراكية لا تعني سيطرة الدولة على الحياة الاقتصادية. فهذه اقرب الى رأسمالية الدولة منها الى الاشتراكية .
ان الاشتراكية تعني أصلاً سيطرة الشعب وحين نشاهد مظاهر التأزم والفشل تحيط ببعض تجارب القطاع العام في بعض الاقاليم فإن مرد ذلك في كثير من الأحيان الى غياب الديمقراطية على مستوى القوى الشعبية مما يجعلها غيرمرتبطة ومن ثم غيرعابئة عما يظهر من أمراض في هذا القطاع .
ان الديمقراطية ناصريا . ضرورة انسانية وضرورة اجتماعية لبناء المجتمع الاشتراكي . ومن هذا الفهم للديمقراطية حددت موقفها من دور الفرد في المجتمع . من خلال نتاج شروط موضوعية نضالية واجتماعية تتلاقى مع الامكانيات الذاتية لذلك الزعيم . ويبقى هو أيضاً أسير إمكانات المجتمع وطاقاته فالأصل دائماً الجماهير والقوى العاملة " الشعب المعلم " وامكانات الفرد المبرز بأعلى صورها كصورة الزعيم ، ليست شيئاً خارجاً عن تلك الشروط الموضوعية ، وليس بإمكانه ان ينتج أكثر مما تتيحه امكانات الجماهير وقدراتها وفق نسق فعال يعمل على استخلاصه .
3- أكدت الناصرية على بناء المجتمع الاشتراكي العلمي حيث ينتفي الاستغلال المادي المتمثل باستخدام عمل الآخرين حيث يتمكن المجتمع من اطلاق امكاناته الانتاجية المادية والفكرية دون أية معوقات... والاشتراكية في هذا الفهم ليست رداً على أوضاع التخلف التي تعيشها أمتنا العربية فحسب وإنما هي أصلاً وليدة فهم لحتمية تطور المجتمعات المتقدم منها والمتخلف نحو الاشتراكية . ان السير نحو الاشتراكية حتمية لا بد أن تتقدم اليها كل المجتمعات الانسانية .
4- حددت الناصرية موقفها الثوري من واقع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني للأقليم العربي الفلسطيني من خلال منظارها القومي الاشتراكي حين حددت ضرورة النضال من أجل استعادة فلسطين وتحريرها من ذلك الوجود الصهيوني من جهة وغعادتها إلى جسم المة العربية من جهة أخرى .
ان النضال الناصري تجاه فلسطين يجب ان يستجمع طرفي الحقيقة . فلسطين محررة ، وفلسطين اقليم عربي . والكفاح المسلح الذي تخوضه جماهير أمتنا العربية بمختلف تشكيلاتها العسكرية والمدنية كفيلا بأن يرسم الحلول الموضوعية لكل ما زرعه هذا الوجود الصهيوني من مشاكل وازمات . ودون الأخذ بهذا المنظار فإن المشوار لتحرير فلسطين يبقى مشواراً متعثراً . متقطعاً لايبدأ حتى ينهار .
والناصرية وهي تحدد موقفها من هذه القضية المركزية فإنها تنطلق من فهم دقيق لمكانة ودور هذا الوجود العنصري في تثبيت التجزئة ، ومنع الأمة العربية من تحقيق وحدتها ، واقامة دولتها، وممارستها لدورها التاريخي في تدعيم قيم الحق والعدل في عالم اليوم .
إن عناصر القوة العربية المتمثلة بالموقع الاستراتيجي والثروات الطائلة والأصالة الروحية والتاريخية . وقدرة الفعل العربية في المحيط الانساني حين استكمال العدل والتحرر والتعاون . هذه العناصر هي ما اخافت المفكرين الاستعماريين ودفعت بهم لاستغلال الاسطورة اليهودية . من أجل خلق الكيان الصهيوني القادر على امتصاص عناصر القوة هذه . لاعادة صياغتها حول هذا الكيان ، ووفق المفاهيم والغايات الامبريالية . ومن هنا فإن الشعار الدائم الذي لايجوز التغاضي حول أي من معانيه هو "النضال الدؤوب لازالة هذا الكيان العنصري " .
5- وحددت الناصرية فهمها لقضية الوحدة العربية وبناء المجتمع الاشتراكي العربي ، باعتبار هذه المسألة من أهم المسائل المركزية لها.. بل هي أرجعت فشل العديد من الثورات والانتفاضات الشعبية الى افتقار قيادات تلك المراحل الى هذا البعد .
ان البعد القومي "الأيمان بالقومية العربية والنضال من أجل الوحدة العربية " ليس استرجاعاً لوضع تاريخي كانت تعيشه الامة العربية فحسب . وليست أملاً في تحقيق تقدم ثوري فعال على الأرض العربية. وإنما هو فوق ذلك توافق مع حتمية تطور المجتمعات الانسانية حيث الاتجاه الواضح . ان بناء المجتمعات الانسانية على أساس القوميات الاشتراكية هو أعلى ما وصل اليه الفكر الانساني الثوري والحر.
ان الفهم الناصري للقضية القومية يجمع البعد التاريخي بالبعد المستقبلي وفق فهم علمي ، لمنهج تطور المجتمعات الانسانية . ومن هنا . فإن من يؤمن بالاشتراكية إيماناً حقيقياً وعلمياً ، ومن يؤمن بالديمقراطية كحاجة انسانية وضرورة تقدمية لا بد أن يؤمن بالقومية العربية والوحدة العربية باعتبارها الاطار الوحيد لتحقيق بناء اشتراكي فعال . وعليه فان النضال العربي لا يجوز أن يقع اسير الظروف المتغيرة في الواقع العربي- ولا أسير المواقف والآراء المتناقضة التي تميز الحركة السياسية العامة في الاقاليم العربية.
ان الناصرية حين لحظت مظاهر التوجه الوحدوي التي تبدو عند بعض القوى الرجعية وفي مراحل محددة فإنها بذلك لم ترفض امكانية قيام وحدة تحت لواء برجوازي ، و إنما أشارت الى استحالة تحقيق ذلك ، بعد تحلبل علمي لحقيقة التحالف الرجعي للرأسمالية والاقطاع . ان الوحدة ضرورة تحت أي لواء ، لكن القوى الشعبية هي وحدها القادرة على تحقيق هذا التطلع الثوري الحقيقي .
6- وللناصرية موقفها المميز من التراث والدين . حيث الموقف الثوري الايجابي الفعال فللتراث جانبين إيجابي وسلبي . وإذا كان دور المناضل الثوري أن يقاوم الجوانب السلبية في التراث ، فإن دوره الفعال يكون في استيعاب وتمثل الجانب الايجابي فيه وما أكثرها في تراثنا العربي . إن الوقوف موقفاً سلبياً من التراث يؤدي إلى حالة الانعزال والتقوقع كما يفقد المناضل سلاحاً فعالاً في بناء مجتمع المستقبل . مجتمع الكفاية والعدل . وإذا كان الكثير من التيارات السياسية في الوطن العربي قد تميز موقفها من التراث بالسلبية الكاملة تحت دعاوى التقدمية أو العصرية ، فإن ذلك في حقيقته مؤشر على سطحية هذه التيارات ، لأنها تمثل حالة هروب كاملة عن المجتمع . كذلك نفسر به ضعف هذه التيارات على التأثير والتجذر في القوى الشعبية التي تدعي تمثيلها .
أما الموقف من الدين، فهو موقف دقيق ، شامل حين فرقت بين الاديان كرسالات سماوية في جوهرها وتعبير عن ثورات انسانية استهدفت شرف الانسان وغايته وجاءت لتنشر قيم الحق والخير والسعادة والعدل . وبين الفكر الديني باعتباره نتاج الفهم الاجتماعي للدين يتأثر بكل ما تتأثر به الأفكار الاجتماعية من مواقف مسبـقة . ومصالح اقتصادية ومادية ، وقد تميز الموقف الناصري من الدين بأربع مزايا أساسية :
1- المزية الأولى : الاقتناع برسالات السماء باعتبارها كلها في جوهرها ثورات انسانية استهدفت شرف الانسان وسعادته. وإنها لا تتصادم مع حقائق الحياة . فهي ذات رسالة تقدمية مستمرة ، وانها تمد للانسان بالهداية وتعبيء حياته بنور الايمان . وتمنحه طاقات لا حدود لها من أجل الخير والحق والمحبة.
2- المزية الثالية : الاقتناع بضرورة التمسك والدفاع عن حرية العقيدة الدينية . وان يرقى هذا التمسك والاقتناع الى القدسية . فحرية العقيدة الدينية تعني تكريم العقل البشري حين تسند له وحده تقرير اتجاهه الديني . وتعني أيضاً الموقف الشمولي من تلك الرسالات حيث كلها في جوهرها من مصدر واحد وتبغي حقيقة واحدة . وتعني أخيراً الايمان بثورية هذه الرسالات وتقدميتها المستمرة حيث قدرتها التي لا تنضب على دفع الانسان نحو الحياة الجديدة المبتغاة .
3- المزية الثالثة : التفريق بين جوهر رسالات السماء التقدمية دائما وبين محاولات الفكر الرجعي استغلال الدين ضد طبيعته وروحه لعرقلة العملية الثورية في المجتمع وذلك حين تفتعل تفسيرات له تتناقض وحكمته الالهية السامية بغرض المحافظة على مصالحها واستمرار احتكارها لخيرات الأرض واستغلالها لجهد الانسان وعرقه .
4- المزية الرابعة : تحديد دور المفكرين الدينيين ، بأن يضعوا جهدهم ومعرفتهم حتى يحفظ لهذا الدين جوهره. وحتى يدفعوا به ومن خلاله لاداء دورهم الثوري في قلب مفاهيم المجتمع والدفع بالأجيال المستمرة نحو تفهم عميق وثوري لمكانة رسالات السماء ولدورها على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة. على مستوى العلوم والأفكار. وعلى مستوى السلوك والأخلاقيات.
ومن هنا فإن المناهج والمواقف الطائفية والرجعية والالحادية ليس لها في الناصرية مكاناً
7- الأخذ بالمنهج الثوري في تغيير المجتمع :
و يقابل هذا المنهح الاصلاحي في التغيير المعتمد على أحداث تغييرات كمية جزئية في ظل المجتمع القديم . وبالتعاون مع قوى المجتمع بهدف تراكم تلك التغييرات حتى يصل الجميع الى الاقتناع بضرورة احداث التغيير الجذري .
ورفض الناصرية لهذا الطريق مرده الى منهجها في تحليل المجتمع . وعلاقاته وقواه وطبقاته . فهي حين إستخلصت المنهج العلمي في التحليل . وطبقته على الواقع العربي كشف عن عجر الطبقات الرجعية الممثلة بتحالف الأقطاع مع الرأسمالية والممثلة أيضا بمظاهر ذلك التحالف وتفريخاته حيث الطائفية والاقليمية والعشائرية وعن تحقيق أي من أهداف المجتمع التقدمية . بل هي تمارس عملية تخريب واهية وواضحة لكل عوامل القوة والبناء في الراقع العربي . والمنهج الثوري في التغيير منهج شامل . ومنهج محدد. فقوى التغيير وتشكيلاتها واضحة ، ومن طفولية التفكير الاعتقاد بأن هذا المنهج يفترض تحريك بعض قوى المجتمع الثورية والاعراض عن بعضها الاخر. فتنظيم الجماهير وتسليحها وتنظيم القوات المسلحة وتسيسها . وقلب مفاهيم المجتمع وتثويرها ، والاستدلال إلى الظروف التاريخية للحركة وباستغلالها بأحسن طرق الاستغلال كلها طرق تشكل صلب هذا المنهج .
ثالثاً : والناصري حقاً هو من يفهم دور مصر في حركة الثورة العربية . ويقدره حق قدره. ويدفع بها حتى تمارس هذا الدور. ولقد شهدنا الكثير من التيارات والأحزاب تتقوى بضعف مصر، وتتفاءل بانهيارها. تحت أحلام بناء الذات واختراق هذا الوجود المركزي . أو تحت دعاوى تاريخية زائفة على امكانية الاستعاضة عن دورها باقاليم أخرى . وحين يؤكد الناصري على دور مصر. يفهم هذا الدور في دفع حركة الثورة الى الامام حتى تتمكن الطلائع الثورية من مسك زمام السلطة فيها ، وتمارس أسلوبها في التغيير الثوري ، فيندفع معها حفاظا عليها ، وحماية لوجودها ، وكسبا للفرصة التاريخية لاحداث التغيير المنشود بالوحدة والبناء الاشتراكي والتحرير. كذلك يفهم هذا الدور حين تقع مصر تحت سيطرة القوى المعادية وتهزم قوى الثورة على الساحة المصرية حتى يستلم زمام المبادرة، ويشاركها ويلتف أكثر حول جماهير شعبنا العربي المصري في نضاله ويدفع بدوره وبحركته نحو النصر.
ان مصر قوية. قوة للنضال العربي كله. فالناصري يتقوى بها ويقويها يحتمي بها ويحميها.
ومصر ضعيفة. ضعف للنضال العربي كله. والناصري يندفع إليها يقوي قوى الثورة فيها . يدعمها ، يناضل معها حتى يتحقق النصر مجدداً .
وهنا معنى مركزية مصر في النضال العربي كما يفهمه الناصري ، فنحن في غنى عن بحث لم كانت مصر مركزية في النضال ؟ ولم تأثر النضال العربي شديد فيها مهزومة كانت أم سباقة ؟ فالتاريخ، والجغرافيا، وعلم التوزيع السكاني وأثره وتاريخ الحضارات، وتاريخنا العربي كله، يعطي اجابات شافية لمن يطرح هذه الأسئلة صادقاً باحثاً ، أما من كان همه أن يتقوى بضعف مصر، فان كل الدلائل الناتجة عن تلك الابحاث لا تهمه بشيء.
ومركزية مصر في النضال العربي لايعني الاقلال من أثر الاقاليم الاخرى في الهزيمة والنصر ،في الدفع بالثورة ،أوالشد بها إلى الخلف .لكن تأكيدنا هذا يأتي لتحقيق فهم علمي لأسلوب الحركة ،وتحديد دقيق لأولويات الجهد وتسليط ضوء ساطع على معيار من أهم معايير الفرز بين القومي التقدمي الصادق ،وبين قوى التخلف العربي المختفية تحت لواءات تقدمية .
رابعاً : ويتميز الناصري بكونه يمتلك موقعاً قومياً ثابتاً يجسده حين يعالج قضايا أساسية في الواقع العربي . من هذه القضايا .
- قضايا النضال القومية المركزية : كقضايا التراب الوطني العربي . في فلسطين وعربستان واوغادين واريتريا ، والاجزاء السورية المحتلة من قبل تركيا والموقف من قضايا التجزئة ، وخلق كيانات انفصالية جديدة تحت دعاوى حق تقرير المصير ، كالصحراء الغربية ، ومسألة الاستراتيجية والتكتيك على مستوى السياسة الخارجية وتحديد معسكر الاصدقاء والاعداء وغير ذلك مما يدخل تحت هذا العنوان العريض .
- قضية الثروة القومية والاستثنائية خصوصاً واشكال تبديدها . وطرق التعامل معها ، وما تخلق هذه بنتيجة ممارسة السلطات الاقليمية والاتجاهات الرجعية من مظاهر تدعيم أوضاع التخلف والتبعية بعد أن تغطيها بمظاهر التنمية الاستعارية المشوهة وابرز مثال على ذلك ، الموقف من البترول العربي ، وطرق استغلاله.
- قضية العمالة العربية : وهي مسألة استتبعت ظهور تلك الثورات من جهة والتعامل الاقليمي الرجعي معها من جهة أخرى .
- ان دخول الاقاليم العربية في تقسيم جديد . بين إقاليم غنية خاضعة لسيطرة قوى وحكومات اقليمية ورجعية تفتقر الى مختلف إلامكانات الأخرى وفي مقدمتها الامكانات البشرية. وبين اقاليم فقيرة تمكن الفقر منها لعوامل مصطنعة ولدتها حواجز التجزئة وممارسات السلطات المتميزة بالديكتاتورية وبالطبقية الطفيلية.
- قضية نضال القوى الشعبية على الساحة العربية ضد مختلف مظاهر الاستسلام والافقار والديكتاتورية. الموقف القومي الثابت ينطلق ناصرياً من اعتبار الساحة العربية ساحة واحدة ، والشعب العربي شعب واحد، والثروة العربية كلها لهذا الشعب كله يجب ان تتوجه لتنمية هذه الامة وللدفع بالقوى الشعبية المناضلة لتحقيق النصر ولتجاوز الثغرات والمصاعب التي تقيمها انظمة الحكم المختلفة ، وبالتالي فالناصري حقاً هو من يجسد هذا الموقف في نضاله وفي سلوكه وفي تفكيره ونحن إذ نؤكد على هذه المباني فلأننا نرى مظاهر متعددة من التفريط في قضايا النضال المركزية بدءاً بفلسطين وانتهاء بالصحراء الغربية وأوغادين ، والاندفاع نحو تبديد الثروات القومية من اعتبار انها ثروات اقليمية ليس للشعب العربي حق فيها. وحتى في الاقليم ذاته هي حق للطبقات الحاكمة فقط . كذلك نلحظ كيف تعامل اليد العاملة العربية كيد أجنبية رخيصة ومهانة . في حين تعامل اليد الأجنبية فعلأ معاملة كريمة وسخية. ونحن هنا لا نتوقع ولا ننتظر ان تتعامل الأنظمة الرجعية والاقليمية مع تلك القضايا المركزية القومية ومع الثروات العربية ومع العمالة العربية تعاملاً قومياً . فهذا مناقض لطبيعتها ولتوجهاتها لكننا نشدد على اعتبار هذه معايير من جملة المعاير التي تفرق الناصري عن سواه . ولقد شهدنا في المرحلة التي أعقبت غياب القائد المعلم انتفاضات شعبية خرجت فيها الجماهير العربية تقاوم وترفض أوضاع ومواقف متخلفة وتابعة واستسلامية ولا حظنا أيضاً كيف تغاضت كثير من القوى التي تدعي السلوك القومي عن هذه التحركات أما بتشويه حقيقتها كما حدث إزاء الانتفاضة الشعبية في مصر يومي 18- 19 يناير او بالتجاهل التام لها وبالصمت كما حدث لمحاولة التغيير التي شارك بها الناصريون الثوريون في اليمن ، والأمثلة عديدة في هذا المجال .
إن تأييد هذه التحركات والاندفاع معها واظهار حقيقتها ودعم قواها مادياً ومعنوياً ومناصرتها في تحركاتها واجب قومي ، ودليل صادق على السلوك القومي المفترض .
خامساً : تحديد الموقف الثوري الحركي من المرحلة التي قادها المعلم جمال عبد الناصر باعتبارها تجربة لكل مناضل ثوري .
والموقف من التجربة لا يستدعي التصديق على كل ما جاء فيها فذلك ما رفضه جمال عبد الناصر وشدد على رفضه إذ لابد للمناضل أن يرى الثغرات فيتعلم منها ويتجاوزها ، ويرى الايجابيات فيتمثلها ويراكمها ، ويستفيد منها الاستفادة المثلى .
إن مزية الناصرية ان التجربة أفرزت الرؤية الثورية الشاملة للمجتمع ، والتحليل العلمي لقواه ولطرق التنفيذ .
ان ما نعتبره مقياساً لناصرية الفرد . والاتجاه ، والتنظيم ، هو الموقف الايجابي الثوري من التجربة الناصرية ليس باعتبارها تجربة على أرض مصر . وإنما باعتبارها تجربة الثورة العربية خلال عقدين من الزمن .
سادساً : ويبقى معيار أخير لازم في التعرف على الناصري فرداً كان أم تنظيما ، هو معيار السلوك العام والخاص، ومعيار السلوك له اهمية خاصة بعد أن تفشت في المجتمع العربي أمراض عديدة وخطيرة ليس أقلها على المستوى الفردي، الرشوة، والكذب، والانتهازية ، والذاتية والديكتاتورية ، وليس أقلها على مستوى الجماعي ، الأخذ بالمبدأ الميكافيلي حيث لا ترابط بين الوسيلة والهدف ، وحيث المناداة بالمجتمع الجديد الثوري الاشتراكي الديمقراطي ، والممارسة ضمن التنظيم كلها في إتجاه ديكتاتوري ارهابي من جهة واصلاحي من جهة أخرى .
هذه معايير ستة يقتضي أن تتوفر بالناصري . الناصري الفرد . والناصري الحزب وحين تتوافر تكون القاعدة الموضوعية لتحول هذا وذاك الى ممارسة دور الطليعي عبر نضال طلائعنا واكتسابهم لهذه القدرات .
الناصرية حركة ابداع وتجدد
لقد رفض عبد الناصر اخضاع النضال السياسي للمذاهب الشمولية ، التي تدعي انها تملك الحقائق المطلقة والنهائية والجاهزة لكل اشكاليات الواقع المتجددة ورأى فيها جموداً يمنع الابتكار والتجديد . وقدمت له تجارب الشعوب دلائل متجددة عن فشل كل الصيغ المذهبية . لقد اضطرت الشعوب التي وقعت في إسار المذهبيات الاجتماعية للخروج من هذا الاسار . وكان الخروج عنيفاً ومتمرداً في بعض الأحيان وهادئاً ومنظراً في احيان اخرى . ولكنه في كلا الحالتين خروج عن قيود " الحقائق المطلقة والوصفات الجاهزة " التي قدمتها تلك النظريات الاجتماعية المذهبية . لقد تحولت ماركسية / ماركس إلى عشرات الماركسيات وكانت المجتمعات التي تبنت الماركسية تضطر في كل لحظة انعطاف وامام كل اشكالية أن تبتدع حلولاً تتلاءم مع واقعها وتدخلها في تركيبتها النظرية مطورة في نظرتها المذهبية إلى الدرجة التي بدأت تفقد كل تلك الحتميات المطلقة والشاملة معناها ، لقد دفعت جدلية الصراع في دول اوربة الغربية معظم احزابها الشيوعية لتتبنى منهج التحالف التاريخي وللتخلي عن دعوتها لديكتاتورية البروليتاريا . وهي مسألة أساسية عند المذهبية الماركسية . ولم يقتصر هذا النزوع على أوربة بل تعداه إلى العديد من دول العالم التي اضطر بعض ماركسيوها للتفاعل مع رجال الدين وطرح نوعاً من الماركسية التي تستند إلى رجال الكنيسة التقدميين . وفي الوطن العربي شهدنا عملية تطور جزئي ولكنه يعبر عن أزمة المذهبية في العمق وذلك عندما تبنت العديد منالفصائل الماركسية المسألة القومية وادرجتها ليس فقط في مشاريعها السياسية بل في مقولاتها الفكرية أيضاً .
ومع رفض عبد الناصر لهذه المذهبية الشمولية . لم يعد من الجائز محاسبة الناصرية ومنهجها على قاعدة المذهبية ولم يعد من المقبول قياس قصورها أو ثرائها وفق ذلك المقياس . لأنه مقياس اعلنت صراحة رفضها واستبعادها له . وعندما يريد البعض أن يدرس الناصرية يجب أن يمسك بهذه المسألة بوضوح حتى يكون حكمه متفقاً مع المنهجية التي أرادت أن تضع نفسها فيها . فالناصرية هي حركة الثورة العربية ليس باعتبارها " نظرية جامدة " وإنما من حيث قدرتها على الامساك بالمسائل الحيوية لأهداف النضال العربي الحديث والتي تحددت بشعار الحرية والاشتراكية والوحدة . وبناء المشروع الحضاري العربي المستقل .
وهي بتحررها من قيود المذهبية الجامدة تملك كل مقومات الاستمرار والتجدد ولكنه تجدد وفق منهجها الذي رسم حركتها وكرسته في وثائقها ، ووفق اسلوبها . هذه القدرة على التجدد والابداع هي التي تؤهلها لتكون حركة المستقبل .
ان المذهبية في العمل السياسي و الفكري هي نقيض لجدلية التطور التي تقوم عليها تلك النظريات المذهبية ذاتها فهي تعتبر الامساك بها نهاية المطاف وختام الطريق ، بينما حركة التطور لا تقف عند حد ، منذ ان خلق الله الكون وإلى ان يقضي حكمه بانهاء هذا الكون . والتحرر منها ليس قصوراً في النظرية وفي المنهج وإنما هو وضع للنظرية في مكانها الصحيح وفي حجمها الطبيعي .
فالمنهج الناصري في تحليل المجتمع ودفعه للتطور كان واضحاً لعبد الناصر وهو يقود النضال الوطني والاجتماعي واستطاع به عبد الناصر أن ينتقل من المباديء الستة التي رفعتها ثورة 23 يوليو إلى تلك المعركة الشاملة المتداخلة والمتشابكة ، معركة التحرر الوطني القومي الاجتماعي .
والنظرية الناصرية ... نظرية الثورة العربية المعاصرة يمكن صياغتها على ضوء مستجدات المرحلة التي تمر بها أمتنا وعلى أسس المنهج العلمي الذي اعتمده جمال عبد الناصر ، ولكن ذلك يقتضي جهداً حقيقياً على ثلاثة محاور .
المحور الأول : فهم منهج عبد الناصر وهو منهج علمي تاريخي حيث التجربة فيه هي شكل الككارسة الواعية .
المحور الثاني : فهم نظرية عبد الناصر من خلال الوثائق النظرية التي طرحها ، تلك النظرية اللامذهبية والتي اعتمدت في جوانبها الفلسفية على القيم الروحية الخالدة ، وعلى النظرة التاريخية في دراسة حركة تطور المجتمع وفهم دقيق للواقع المعاش بأبعاده المخ

شفيق الغبرا يروي الكتيبة الطلابية: جيل الأحلام والغضب



صقر أبو فخر 

ما تزال قصة الكتيبة الطلابية (أو السرية الطلابية) في حركة فتح تنعش ذاكرة جيل بكامله، وتستدعي حكايات شائقة عن مجموعة من المناضلين الرواد الذين قدموا أعمارهم في سبيل فلسطين، وضربوا أروع الأمثلة في البطولة والتجرد والالتزام. وحتى اليوم ما برحت أسماء عبد القادر جرادات (سعد) وعلي أبو طوق وجورج عسل (أبو خالد) وطوني النمس وأحمد القرى وجمال القرى وكثيرين من رفاقهم تلهب الخيال، وتضفي جمالاً أخّاذاً على سيرة النضال الفلسطيني، وعلى مسيرة الثورة الفلسطينية في مرحلتها اللبنانية، والتي أسهم فيها مناضلون متميزون من لبنان وسورية وفلسطين بالطبع.

لم يؤرخ أحد، حتى الآن، تجربة الكتيبة الطلابية، وما كتب عنها عبارة عن شذرات متناثرة هنا وهناك، أو فقرات ترددت في سياق الحديث عن هذا الشهيد أو ذاك. غير أن الدكتور شفيق الغبرا، وهو فلسطيني ذو جذور سورية (ويحمل الجنسية الكويتية في الوقت نفسه) تصدى للكتابة عن هذه التجربة البهية، فأصدر لهذه الغاية كتاباً وافياً بعنوان «حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات» (بيروت: دار الساقي، 2011).

وهذا الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية مفصّلة تستعيد أبرز محطات حياته منذ ولادته في الكويت سنة 1953 لأسرة حيفاوية (أصلها من دمشق) هاجرت جراء النكبة إلى مصر، ثم هاجر والده الطبيب إلى الكويت وعاش فيها منذ ذلك الوقت، وأصبح كويتي الجنسية، لكنه ظل فلسطيني الهوى والانتماء.

في هذه السيرة تاريخ للأشخاص وللوقائع معاً. فالكاتب لا يكتفي برسم الخطوط العامة لتجربته، بل ينحاز إلى التفصيلات اليومية، ولاسيما منذ أن تفتح وعيه على النضال الفلسطيني بعد معركة الكرامة في سنة 1968، ومنذ أن تعرف إلى حركة فتح في الكويت ثم في بيروت قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراسته، وهناك التقى هشام شرابي الذي عمّق لديه فهم قضية فلسطين، والتقى كمال بلاطة من القدس والمغرم بدراسة الفن، وفواز تركي وحاتم الحسيني وآخرين، وهؤلاء مهدوا الطريق أمامه للالتحاق بحركة فتح، وقادته رجلاه إلى لبنان الذي أصبح بعد أيلول 1970 الساحة الرئيسة للعمل الفدائي.

يروي شفيق الغبرا في سيرته هذه كيف التحق بحركة فتح، وهو القادم من جامعة جورجتاون في الولايات المتحدة الأميركية، وكيف خضع لدورة عسكرية في بلدة مصياف بسورية، وكيف ترك أميركا بصورة نهائية وجاء إلى لبنان ليلتحق مباشرة بالعمل العسكري وليس بالعمل الإعلامي أو الدبلوماسي أو السياسي. فقد تزامن وصوله إلى بيروت مع اغتيال معروف سعد في صيدا سنة 1975، ثم اندلعت الحرب الأهلية، ووجد الكاتب نفسه في معمعان المعارك فانخرط فيها. ثم يسرد قصة «السرية الطلابية» التي أُسست بُعيد أحداث أيار 1973، وتحول اسمها إلى «الكتيبة الطلابية» ثم إلى «كتيبة الجرمق»، والتي قاتل عناصرها في معركة الطبية في بيروت (كلية الطب التابعة للجامعة اليسوعية والواقعة في إحدى نقاط طريق الشام)، ودافعوا عن حي البرجاوي، وقاتلوا بشهامة في مرتفعات صنين وتلال العرقوب، وشاركوا في التصدي للإسرائيليين وجماعة سعد حداد في جبال البطم وتلة مسعود وتلة شلعبون... وغيرها من المواقع الملتهبة.

يعيد شفيق الغبرا إحياء كثير من أسماء الشهداء والمناضلين الذين خاضوا تجربة «الكتيبة الطلابية»، فيروي حكايات دافئة عن الشهداء حنا ميخائيل (أبو عمر) ومحمد بحيص (أبو حسن) وعبد القادر جرادات (سعد) وعلي أبو طوق ومروان كيالي وجورج عسل وسمير الشيخ وعصمت مراد وباسم سلطان التميمي (حمدي) ونعيم (عبد الحميد الوشاحي) وأمين العنداري (أبو وجيه) ونقولا عبود وجواد أبو الشعر ومحمد شبارو وجودت المصري (أبو الوفا) ودلال المغربي وغيرهم. ويعيد تذكيرنا بمناضلين كثيرين تناثروا أيدي سبأ بعد الخروج من لبنان في سنة 1982 أمثال أنيس نقاش وعادل عبد المهدي (الذي صار نائباً لرئيس الحكومة العراقية) وإدي زنانيري ومعين الطاهر ويزيد صايغ والسيد هاني فحص وحسن صالح وسعود المولى ونظير الأوبري (الحلبي الجذور) ومحمود العالول وسامي عبود. ونعمان العويني وهلال رسلان (من جبل العرب في سوريا) ومحجوب عمر (من مصر) وربحي وأدهم وهالة صايغ وسامية عيسى ومحمد صالح الحسيني (من إيران) والعشرات من الأسماء الحركية أو المختصرة، والتي كانت جميعها تتكوكب في إطار «السرية الطلابية».
------
غادر الكاتب لبنان في سنة 1981 إلى الكويت، لكن أطياف رفاقه ظلت تأتيه في أحلامه، وترافقه في صحوه. ومع أن هذه التجربة انتهت مع تحوّل «خط الشعب» اليساري إلى الإسلام السياسي، الأمر الذي أدى إلى خروج كثير من المسيحيين اللبنانيين والفلسطينيين على هذه الصيغة، إلا أن الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 كانت من الأسباب المباشرة للقضاء عليها. وفي ذلك مفارقة غريبة، فالكتيبة الطلابية التي رأى معظم عناصرها أن الثورة الإيرانية هي النموذج الذي يمكن احتذاؤه، ومالوا إلى التفكير الإسلامي بعدما كانوا اعتنقوا الماوية في البداية وأفكارها في حرب الشعب وخط الجماهير والتناقضات... الخ، انقسموا إلى يساريين وإسلاميين جدد، وخرج كثيرون من صفوفها. ثم ان المجتمع اللبناني والفلسطيني من حولها انقسم بدوره غداة اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية في سنة 1980، بين مؤيد للعراق ومؤيد لإيران. وعند هذا الحد راحت الكتيبة تعاني التشقق، ثم انتهت التجربة في حرب 1982 بعدما قدم عناصرها مثالاً رائعاً للصمود والثبات والشجاعة في معركة الشقيف. وها هو شفيق الغبرا يعيد الألق إلى أسماء ناصعة غيبتها الذاكرة تحت ركام الوقائع اللاحقة.

حروب المائة سنة!


صبحي غندور

هل ما يحدث الآن على الأرض العربية هو فقط متغيّرات سياسية محلية تتدخّل فيها، وتتجاوب مع تفاعلاتها، قوى إقليمية ودولية؟ أم أنّ هذه المتغيّرات هي قطعة فقط من صورة مرسومة مسبقاً لتغييرٍ جغرافي وديمغرافي منشود لدول عربية عديدة؟ ألم تكن الحرب على العراق في العام 2003، وما أفرزته من واقع حال تقسيمي للدولة والشعب والثروات، وما مثّلته هذه الحرب من تداخل بين الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، كافية لتكون درساً مهمّاً للعرب من أجل تحسين نظم الحياة الداخلية في مجتمعاتهم وتحصينها ضدّ التدخّل الخارجي؟! ثمّ ألم يكن درس تقسيم السودان في مطلع العام 2011 مؤشّراً عن المصير المرغوب لأوطان عربية أخرى؟!
يصرّ الآن بعض "الثوار العرب الجدد" على الحديث فقط عن المسألة الديمقراطية وعن تغيير "أنظمة الاستبداد" بمعزلٍ كامل عن قضايا أخرى هامّة تتّصل بحاضر الأمَّة العربية وتاريخها المعاصر، كقضية التحرّر الوطني من الاحتلال أو الهيمنة الأجنبية، أو قضية الصراع العربي/الصهيوني التي هي فاعلة في كلّ ما تشهده الآن المنطقة من تطّورات سياسية وأمنية، أو حتّى في قضية هويّة الأوطان العربية التي تطمسها الآن هُويات فئوية ضيقة تُمهّد لمرحلة الدويلات الطائفية والإثنية.
حبّذا لو يُدرك "الثوار العرب الجدد" أنّهم بذلك يعيدون فتح أبواب الأوطان العربية للنفوذ الأجنبي ولإعادة حقبة "المستعمرات العربية" التي أسقطتها ثورات عربية تحرّرية حقيقية في منتصف القرن الماضي، بعد عقودٍ من النضال الوطني امتدّ من المغرب إلى جزائر المليون شهيد، إلى تونس، إلى ليبيا عمر المختار، إلى مصر عبد الناصر، إلى عدن والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان. فتلك كانت ثورات جادّة من أجل أوطانها وشعوبها، وأدّت إلى توحيد شعوبها وإلى تعزيز الهويّة العربية المشتركة، بينما "الثوار الجدد" ينفخون في بوق التدخّل الأجنبي ويصرخون ليلاً نهاراً لعودة القوى العسكرية الغربية التي كانت تحتل الأرض العربية وتستنزف ثرواتها. بل ما هو أخطر من ذلك، هو هذا التفكّك الوطني والشعبي الذي يحدث في مجتمعات "الثوار الجدد".
لكن إنصافاً للحقيقة، فإنّ معارك التحرّر الوطني في القرن العشرين لم تصل نتائجها إلى بناء مجتمعات حرّة يتحقّق فيها العدل السياسي والاجتماعي والمشاركة الشعبية السليمة في الحكم وفي صنع القرار. وبسبب ذلك، كان سهلاً حدوث التدخل الإقليمي والدولي في القضايا الداخلية العربية وعودة مشاريع الهيمنة الأجنبية من جديد. ربّما هي سمةٌ مشتركة بين عدّة بلدان عربية أنّ شعوبها نجحت في مقاومة المستعمر والمحتل ثمّ فشلت قياداتها في بناء أوضاع داخلية دستورية سليمة.
فما يحدث الآن في داخل أوطان من مشرق الأمّة ومغربها، وفي عمقها الإفريقي، هو دلالة هامّة على نوع وحجم القضايا التي تعصف لعقودٍ طويلة بالأرض العربية، وهي كلّها تؤكّد الترابط الحاصل بين الأوضاع الداخلية وبين التدخّلات الخارجية، بين الهموم الاجتماعية والاقتصادية وبين فساد الحكومات السياسية، بين الضعف الداخلي الوطني وبين المصالح الأجنبية في هدم وحدة الأوطان.
ولعلَّ أهم دروس هذه القضايا العربية المتداخلة الآن هو تأكيد المعنى الشامل لمفهوم "الحرّية" حيث أنّ الحرّية هي (حرّية الوطن وحرّية المواطن معاً) ولا يجوز القبول بإحداها بديلاً عن الأخرى. كذلك هو التلازم بين الحرّيات السياسية والحرّيات الاجتماعية، فلا فصل بين تأمين "لقمة العيش" وبين حرّية "تذكرة الانتخابات". وكم يكون حجم المأساة كبيراً حينما تعاني بعض الأوطان من انعدام كل مضامين مفهوم الحرية، أو حين تجتمع عندها حكومات تفرض "الخوف والجوع" معاً في ظلِّ هيمنةٍ أجنبية ومعاهدات مقيّدة للقرار الوطني، كما كان حال مصر قبل "ثورة يناير"، وهاهي مصر الآن بعد سنتين على الثورة تتعثّر في الخروج من هذه الحالة.
فما قامت به "الجمهورية الثانية" في مصر (حقبتا أنور السادات وحسني مبارك)، وما يتمّ استمراره الآن، ولو بغير رغبة، في عهد "الجمهورية الثالثة"، من اقتلاع مصر من دورها الريادي العربي والإفريقي والإسلامي، حينما جرى توقيع المعاهدة المصرية/الإسرائيلية، كان آنذاك، وما يزال، مصدر الخلل الكبير الذي تعيشه الأمَّة العربية منذ أربعة عقود تقريباً. وتصحيح هذا الخلل هو الأساس لأي تغيير عربي إيجابي منشود في عموم المنطقة. ما عدا ذلك، يكون أشبه بمنشّطات تزيد إلى حدٍّ ما من قدرة الجسم العربي العليل على مقاومة ما فيه من أمراض، لكنها لا تشفيه من أخطرها، وهو ما حدث ويحدث في قلبه المصري.
نجد أيضاً في ملاحظة ما يحدث على الأرض العربية الآن أنّ الشعوب عموماً تعاني حالاتٍ سلبية من الانقسام على أسس طائفية أو قبلية أو إثنية بدلاً من الصراعات السياسية والفكرية والاجتماعية والطبقية، والتي هي ظواهر صراعات طبيعية في أيِّ مجتمع حيوي موحّد. وهذا الانقسام الطائفي والإثني يتمّ التشجيع عليه محلياً وإقليمياً ودولياً، ويسبح في أوحاله إعلاميون وسياسيون وعلماء دين ومفكرون، ولأغراض ومنافع مختلفة.
أمّا على صعيد الدور الخارجي في الأزمات العربية، فهو أيضاً عنصرٌ فاعل في إحداثها، أو في توظيفها واستثمارها. وهذا الدور الخارجي يجمع، على امتداد قرنٍ من الزمن، بين إسرائيل ودول كبرى حتّى في القضايا العربية الصغرى. فكم هو جهلٌ مطبق الآن استبعاد الدور الإسرائيلي في تفاعلات داخلية تحدث في عدّة أوطان عربية. وكم هو تشويه للحقائق حينما لا ينتبه العرب إلى المصلحة الإسرائيلية الكبرى في تفتيت أوطانهم وفي صراعاتهم العنفية تحت أيِّ شعارٍ كان. فأمن إسرائيل يتحقّق (كما قال أحد الوزراء الإسرائيليين بعد حرب 1967) "حينما يكون كره العربي للعربي أكثر من كرهه للإسرائيلي". ثم كم هو نكران لوقائع حدثت في حروب أهلية عربية معاصرة، كالحرب الأهلية اللبنانية، حينما كان الدور الإسرائيلي فاعلاً فيها على مدار 15 سنة، ثم استمر بعد ذلك عبر عملاء على كل الجبهات السياسية اللبنانية.
هذه الفتن الداخلية العربية الجارية في أكثر من زمان ومكان، هي حلقة متصلة بسلسلة الصراع العربي/الصهيوني على مدار مائة عام. فلم يكن ممكناً قبل قرنٍ من الزمن تنفيذ "وعد بلفور" بإنشاء دولة إسرائيل دون تقطيع للجسم العربي وللأرض العربية، حيث تزامن الوعد البريطاني/الصهيوني مع الاتفاق البريطاني/الفرنسي المعروف باسم "سايكس- بيكو" والذي أوجد كياناتٍ عربية متصارعة على الحدود، وضامنة للمصالح الغربية، ومسهّلة للنكبة الكبرى في فلسطين. فلا فصل إطلاقاً بين معارك التحرّر الوطني من المستعمر الغربي وبين الصراع العربي/الصهيوني. ولا فصل أيضاً بين أيِّ سعي لاتحاد أو تكامل عربي، وبين الصراع العربي/الصهيوني.
وربما ما يحدث اليوم على الأرض العربية هو تتويجٌ لحروب المائة سنة الماضية. فالاعتراف الدولي بإسرائيل، ثمّ الاعتراف المصري/الأردني/ الفلسطيني بها، بعد معاهدات "كامب ديفيد" و"أوسلو" و"وادي عربة"، ثمّ "تطبيع" بعض الحكومات العربية لعلاقاتها مع إسرائيل، كلّها غير كافية لتثبيت "شرعية" الوجود الإسرائيلي في فلسطين، وللتهويد المنشود للقدس ومعظم الضفة الغربية، ما لم تقم دويلات أخرى في محيط "إسرائيل" على أسس دينية. فما قاله "نتنياهو" بأنّ (المشكلة مع الفلسطينيين هي ليست حول الأرض بل حول الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية) يوضّح الغاية الإسرائيلية المنشودة في هذه المرحلة من المتغيرات السياسية العربية الجارية الآن في مشرق الأمة العربية ومغربها. فكلّما ازدادت الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية على الأرض العربية، كلّما اقترب الحلم الصهيوني الكبير من التحقّق في أن تكون إسرائيل هي الدولة الدينية الأقوى في منطقةٍ قائمة على دويلاتٍ طائفية. فالمراهنة الإسرائيلية هي على ولادة هذه "الدويلات" التي بوجودها لن تكون هناك دولة فلسطينية مستقلة ولا تقسيماً للقدس ولا عودة الملايين من اللاجئين الفلسطينيين، بل توطين لهم في "الدويلات" المستحدثة وتوظيف سلاحهم في حروب "داحس والغبراء" الجديدة بقيادة "الثوار الجدد".!
يبقى السؤال قائماً ليس فقط عن مدى وعي الشعوب العربية وقياداتها الفاعلة بما حدث ماضياً، وبما يحدث حاضراً، وبما قد يحدث مستقبلاً، بل أيضاً عن مدى التوافق بين المصالح الأميركية/الغربية وبين هذا الحلم الصهيوني المتجدد؟!.

خونة المستقبل

حسن حسين‎
تدفع الشعوب دمها طواعية ثمناً بخساً لحريتها وكرامتها ، في نفس الوقت الذي تحتال عصابات من السياسيين المرتزقة دون وازع من ضمير أو اخلاق من أجل اغتصاب هذه الحرية وابتذال تلك الكرامة.

يسعى الإنسان دوماً من أجل إشباع احتياجاته إلى النظر إلى المستقبل في محاولة منه للتخلص من عبء الحاضر الذي يثقل كاهله ولا يحل له مشكلاته المتجددة، و أثناء سعيه ذلك يتصدى للواقع ويواجه معضلاته بما فيها أولئك الذين يقاتلون من أجل بقاء الأوضاع كما هي، إما خوفاً أن تتعرض مصالحهم للخطر ، أو جهلاً بما قد يحمله التغيير عليهم من منافع.

وتدخل قوى التقدم معركتين متوازيتين في وقتِ واحد، لا تقل أهمية واحدة منهما عن الأخرى ، الأولى تبدأ في ميادين السياسة وتنتهي في الأغلب الأعم كما يقص علينا التاريخ في ميادين القتال ، والأخرى تبدأ في ميادين الفكر والفن والثقافة ولا تبارح مواقعها، الانتصار أو التقدم خطوات في واحدة منهما يؤثر تأثيراً مباشراً على الأخرى ويدعمها دعماً قويا.

كلما تزايدت أعداد المؤمنين بالأفكار التقدمية والنظريات السياسية الداعمة للتحديث والتخاطب بروح وأدوات العصر ، كلما خفت صوت القتال ، وكلما ارتفعت أصوات البنادق كلما ضاعت أصوات العقل والمنطق.

تلك المعركة تعيش أجواءها الآن المنطقة العربية وفي القلب منها مصر وسورية ، كافة القوى المناهضة للحرية وللتقدم تتحالف بقيادة الولايات المتحدة القائد الحقيقي للثورة المضادة في العالم والمغذي الأكبر للحركات المعادية للتحديث والمعاصرة، ظناً منها أنهم الباقون على العهد معها من أجل المحافظة على أامن الكيان الصهيوني والمحافظة على المصالح النفطية في المنطقة وحماية الطابور الخامس المتقدم إلى الأمام الآن حتى أنه بات يحتل كرسي الرئاسة في أكبر دولة عربية وهى مصر.

الشعب يحاول أن يخرج من أسر الماضي بكل ما يحمله من أوزار وأعباء تعيق التقدم إلى الأمام ، إلى مستقبل رحب تتنفس فيه الناس أنسام الحرية وتتذوق طعم الحقوق التي طالما حُرمت منها ، في نفس الوقت الذي تتمترس فيه جماعة الإخوان على مقاعد الحكم وتحاول إحكام سيطرتها على مؤسسات الدولة لتحقيق أهدافها الخاصة والضيقة الأفق والتي يمكن ان تكون وبالاً عليهم .

كأننا نقص أسطورة الصراع الدائم بين قوى الخير وقوى الشر ، أو ملحمة النور والظلام ، وكأن عبرة التاريخ وحكمته لم تصل بعد لهؤلاء الذين يحاولون شد الزمن للوراء أو إيقاف خطواته إلى المستقبل ، فيما لا تعتد قوى الثورة بما دفعته وما قد تضطر إلى دفعه في الأيام المقبلة من دماء وشهداء في سبيل تحقيق أهداف ثورتها التي اغتصبتها عصابة سياسية مارقة لا تعير اهتماما لما تحمله من شعارات دينية وتعمل دوماً عكس ما تقول.

تعلمنا من دروس التاريخ المريرة أن الثورات عادةً ما تنتكس بفعل عوامل داخلية أو خارجية ، بل ربما تنتكس من داخلها لأسباب موضوعية ، لكنها برغم مرور الأعوام على نكستها سرعان ما تستعيد زخمها وقوة اندفاعها بعد ان تصحح مساراتها وتمتلك أدوات قوتها وتحقق انتصارها الأخير ، و تعلمنا ايضاً أن المهزوم في تلك المعركة الأخيرة لا تقوم له بعد ذلك قائمة ، ويتم سحقه سياسياً واقتصادياً بل وثقافياً أيضاً ، حتى يكاد لا يسمع عنه ولا عن شعاراته ولا عن قياداته إلا أسوأ سمع ، وها نحن بصدد معركة بهذا الوزن او كما نعتقد تكاد تنشب بين لحظة وأخرى.

روائح الدخان التي تحذرنا من هول ما قد يحدث لا تردع أحداً من الطرفين، وكلاهما يؤكد على جاهزيته للمعركة ، أنصار التقدم تلمع أعينهم ببراءة ورومانسية الحلم الثوري، وخونة المستقبل يشحذون أسلحة التخلف والرجعية والتبعية لقوى الاستعمار العالمي ، ومصر تئن وتنتظر، طامعة في إزاحة كل هذا الظلام المخيم عليها من عقود .

هيكل: "مرسي" قدم وعيدا بلا وعد


نقلاً عن الوطن
اجرى الحوار فاطمة النشابي وسهيلة حامد

واصلت الإعلامية لميس الحديدي، عبر برنامج "مصر أين وإلى أين"، على شاشة "سي بي سي"، مناقشة المشهد السياسي على الساحة المصرية مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، حيث ألقى خطاب الرئيس محمد مرسي بظله على المشهد الجاري، فهل حقق الرئيس أهدافه من الخطاب تحت عنوان "المصارحة والمكاشفة"، وكيف هو المشهد، وماذا ننتظر في 30 يونيو وما بعده.
• من المؤكد أنك سمعت الخطاب؟

قال هيكل: سهرت لانتهاء الخطاب وجلسات لمتابعة ما بعد الخطاب، هناك ملاحظات فعندما يتحدث رئيس الدولة لابد أن يكون هناك موعد محدد غير قابل للتغيير إلا في الظروف الاستثنائية، وأن يكون هذا الموعد موجودا لكي تلحق به كل وسائل الإعلام وخاصة الصحافة؛ حيث لا توجد صحيفة استطاعت اللاحق بالخطاب في طبعتها الأولى، كالرئيس الأمريكي يتحدث في الثانية عشر ظهراً حتى تستطيع الصحف متابعته والتعليق عليه، فقيمة أي خطاب في هذا الوقت وهذه الظروف والبلد عايشة على أعصابها، فمن الخطأ الفادح أن يكون في تمام الساعة السادسة ومن ثم السابعة ثم التاسعة والنصف، ساخرا "ويرجع يقول الناس ما تسهرش مفيش الكهرباء".

• كيف رأيت الخطاب؟
أرى جورنال من أهم الجرائد في جنوب إفريقيا يقول إن "مصر وسوريا تموتان" هذا العنوان شعرت بانقباض شديد حين قرأته، فالعالم يقلق على أوضاعنا بهذه الطريقة وبهذا العنوان، ووجدت أن جورنال النظام "إعلان الحرب على محطات الثورة المضادة" وجدت أن هذا المشهد عبثي فالعالم كيف يتحدث عنا وكيف نحن نتحدث، تمت مهاجمتي بشكل كبير. وصدرت اليوم كمية من الشائعات والتسريبات المقصودة وشعرنا بالبلبلة.
كثير من معلومات مرسي تأتي من الصحف
• هل ترى أن هذه التسريبات التي منها حملة الاعتقالات كانت مقصودة؟
لا أعرف إن كانت مقصودة أم لا، ليس من شأني أن أبحث في النوايا، ومما راعاني في الخطاب أن الرئيس تحدث عن أسماء أشخاص بعينها، هذا لا يحدث ولا يجوز، فهناك فرق بين قوة حديث رئيس حزب ورئيس دولة يتحدث في حضور بعض المؤسسات الدولة الرسمية، ويأتي ذكر أسماء بعينها فهذا غير مسبوق، ولم يحدث في التاريخ، بمنعى أن الرئيس من الممكن كرئيس الحزب عما يفعله خصومه أو الحملات الظلامية، ولكن أنا واحد من الذين قالوا إن هذا التيار لابد أن يجرب ويجد لنفسه مكانا في الحياة السياسية، ولكن هنا الحديث يكون لحزب".
* وجه السيسي ظهر وكأنه ليس سعيدا وكأنه في وضع صعب.
اعتقادي الشخصي أن القوات المسلحة شأنها شأن الأزهر والكنسية لم يحق لأحد أن يدعوها، وإن دعاها لابد أن يكون الحديث عنها فوق كل الخلافات، حيث لا يهاجم مؤسسات أو قوى معينة، وأعتقد هو تكلم كرئيس حزب.

• وزراء الدفاع والخارجية والداخلية كانوا جالسين صامتين خلال الخطاب، وعندهم حالة من الذهول.
هذا يتم قراءته بالعاطفة وشعورهم هو أمر يخصهم ولكن وجودهم أمر يخصنا، الفريق السيسي له وضع آخر، وزارة الداخلية ضمن النظام، ولكن الفريق السيسي هو القائد العام للقوات المسلحة وإن كانت فكرة الدولة حاضرة فتغيب فكرة الحزب، لا أستطيع أن أتخيل أن الخطاب يطول بعد منتصف الليل، وألقي مسؤولية كبيرة على هيئة مستشاري الرئيس في هذا الخطاب، هناك مسؤوليات ضخمة على الرئيس".
للعلم المصري.
- من الذي كان حاضراً
لا أفهم لماذا دعا المعارضة. نحن في لحظة فارقة

• الرئيس يحذر ويقول "أنا طيب ولن أعمل"
حقيقي أرى به مزايا لا بأس بها ولكن الضغوط عليه شديدة ولديه انبهار بالرئاسة، فكم مرة كرر أنا رئيس الدولة والقوات المسلحة والشرطة، أنا لا أريد الرئيس المواطن أريد المواطن الرئيس، هذا الرجل مرات أشعر بالتعاطف معه، عندما بدأ الحديث عن الخطأ قال إنه تسامح مع الإعلام لمدة سنة، القضية ليست قضية إعلام، لماذا لا يسأل لماذا دور الإعلام متزايد وذلك لأن هناك غياب للأحزاب السياسية، فاندفعت كل القوى لتعبر وتنقل، ولا أتصور أن الإعلام له أخطاء فادحة قد بالغ فيها ولكنه مرآة المجتمع، كيف يمكن أن يكون هذا الخطاب والبلد مستفزة والناس لديها حق، أرى أن اتجاها واضحا أن الناس اقتنعت بأن قوة التيار الإسلامي انكمشت وهناك هبوط واضح في وضع الجماعة والتيار الإسلامي ككل، ولكن السلفيين في تعبيراتهم يوجد نوع من الرشد، فهناك استقواء لا داعي له، واستكبار لا داعي له أيضا.
- ذكر من الأخطاء عدم تمكين الشباب، فيحاول استرضاء الشباب الغاضب والذين سيخرجون عليه.
كل ملامسته للقوى سواء للقوات المسلحة أو الشباب أو الفقراء والمساكين، أعتقد أنه يحاول استرضاء بعض القوى، ففي مهمة الرئيس أن يقنع الآخرين على أنه قادر، فأريدك أن تقنعني ولا تقف معي في محطة البنزين.

• هو قال مستعد أن أقف معهم في محطة البنزين، وهو لديه سيارات تأخذ 600 ألف جنيه في السنة.
وطيارات تأخذ أكثر من هذه السيارات في العام، بشكل ما هناك نقص في السياق والقوة على الإقناع وخلط في مهمة هذا الاجتماع خطآ فيمن ستوجه هذه الرسالة، أسبوع آخر من أسابيع التخبط.
• هل الخطاب ـأظهر أن الرئيس قلق؟
خطاب مرسي يدل أنه رئيس قلق سواء من 30 يونيو أو من غيره، لابد من السؤال لماذا المظاهرات الاستباقية، والنظام يملك إقناع الناس بالفعل وليس بالقول فـ"لا تقل لي شيئا ولكني اجعلني أرى"، فالحزب الحاكم لا يبدأ بالمظاهرات، لماذا تنزل جيوشك وأنت في يدك السياسات، وهناك حشد ومنصة. والحديث على المنصة ليس له علاقة بالمتواجدين، أردوغان تفاجأ بالمظاهرات وهناك غضب من تصرفات النظام فهي غضبة وليست ثورة، فلم يستبق بالمظاهرات فعمل اجتماعا حاشدا لتوضيح موقفه فمظاهرات الحكم تأتي بعد مظاهرات المعارضة.

• ذكرتني أن هتلر يقوم بهذه المظاهرات الاستباقية.
الحزب النازي كان يعبر عن نفسه بالعقلية الألمانية والاستعراضات الكبرى وهذا فات وقته، وهو استولى على السلطة، أرى أن هناك مما شهدته من الثورة السوفيتية.

• هذا خطاب رئيس قلق وأهله وعشيرته تصفق له من أجل الطمأنة
أتصور أن بعض أقطاب الإخوان كانت لابد أن تتواجد لعرض برنامج الحزب بعد عام من حكمه، نجوم الإخوان غابوا، والجزء الثاني من الخطاب كان حشدا وليس كشف حساب.

• هل هو رئيس قلق؟
هو رجل حائر

• هل قدم الرئيس للشارع ما ينتظره، وهل أجاب عن الأسئلة التي كان ينتظر الشارع إجابات لها؟
الرئيس قدم خطاب وعيد بلا وعد، هدد مرات كثيرة ولم يعطني فرصة للأمل، فلا أستطيع أن أفهم رجلا يشكو كثرة الديون التي وجدها ثم يستدين، وخطابه كان به كلام لا يمكن إلا وأن يكون من الجرائد.

• نأتي للمصارحة والمكاشفة وهو تحدث عن المقارنة بين ديون عبدالناصر والسادات
ليس فقط نقص المعلومات ونقص العلم

• قال إنه عالم
هو عالم في المادة وكان نفسي أن يكون عالم في الإنسان أو التاريخ والاقتصاد، ولا أنكر عليه اختصاصاته، ولكن عندما تحدث عن الأرصدة الإسترلينية ومصر مدينة 46 مليون جنيه استريليني، كان لا يعلم أن هذه الأرصدة ليست ديونا، وأتذكر أن تأميم قناة السويس أعطى دخلا يوازي هذه الديون المدعاة كل سنة، فالرئيس تحدث عن ديون الرؤساء السابقين ونسي أنه استدان 12 مليارا.
الشباب هم المستقبل وكانوا فى حاجة للمصارحة
• وأن عبدالناصر دخل الحرب وبنى السد.
لابد من وضع كافة المسائل امام الجميع، كيف يمكن للشباب أن ألقى إليه كل هذا الخلط، لا أتصور أن يهرب من إرث كبير بإلقائه الحمل على السابق، لابد من قول الحقائق مستندة على حقائق علمية.

• كنا ننتظر أن يكشف لنا عن المؤامرة الكونية ولكنه تحدث عن البلطجية وفودة واللي في المعادي
لا أتصور أن هذه مهمة رئيس الدولة، فهذه المسائل من اختصاص وزير الداخلية، ورئيس الدولة حين يقف أو رئيس الحزب القائم بالحكم من واجبه أن يكون معلمًا، وأن يجعل الحياة محتملة، لم يكن خطاب مكاشفة بل أشياء توضع في صفحة الحوادث وهذه ليست المؤامرة، هي أننا نضع جدول أعمال، أو جدول أولويات.

• خلافه مع القضاء والحديث عن قاضٍ مزور ثم يقول لست مع خصومة مع القضاة.
أعتقد عليه أن يرد نفسه في العديد مما قاله، هناك حكم صادر في وادي النطرون وهو أحد شهود الواقعة ومحتارين في هذا، وأنا أمام رئيس الدولة هذا هو الرجل لابد أن يقف ويقول هذا ما حدث وجرى، أريد أن يتم ثبوت الوقائع، طالبت من شباب "تمرد" بسلمية المظاهرات وألا يتم البدء بالمطالبة في إسقاط شرعية مرسي.

• أمام رئيس متهم هرب من السجن وتعاون مع دولة أجنبية.
هذا موضوع لابد من التحقيق فيه بشيء أكثر مما هو الآن.
كان خطابا انقساميا، فكل مؤسسات الدولة وضعت في هذا الانقسام، الرئيس تحدث عن ديمقراطية الصندوق واختلف معه في ذلك، لم تصل أوروبا إلى الصندوق بعد فصل الدين عن الدولة، ضد الاستشهاد بالآيات القرآنية في الخطب السياسية، وأسوء ما في الإخوان أنهم أتوا للاستيلاء على السلطة وكرووا ممارستها القديمة، والإخوان يوما بعد يوم يؤكدون أن عبدالناصر كان على حق في سياسته معهم، الفريق شفيق تحدث معي من دبي، على الرغم من عدم معرفتي به، وقال لي "أنا عايز محامي يظهر لك الأوراق، وقولت له أنا مقتنع أن مرسي فاز وهذا وقت فات أوانه"، الرئيس عندما يبدأ ويهاجم شفيق ويلقي تهما تحتاج للتحقيق فلا يقال هذا في المحفل السياسي، فهل أزحنا ذباب زمن مبارك لنجد ذبابا آخر في حكم الإخوان.

• كل من تحدثت معهم كان لديهم خصوم مع الرئيس منهم شفيق والقاضي ومحمود وجدي.
رئاسة الدولة قنبلة نووية لا يجب أن تلقي بها، عندما يقف ويخص مواطن بالهجوم كان لابد وألا يحدث.

• ده تحريض
هناك ما يسمى بأخلاقيات الرئاسة، كان لابد من الحديث عن القضايا العامة حتى وإن ثبت التحقيق إدانته ولا يحق لرئيس الدولة استخدام الحق في مهاجمة مواطن.

• قد تكون هذه المرة الأولى التي تكون فيها قضايا سب وقذف من رئيس الجمهورية. هل هذه سابقة؟
أعتقد أن كل أسابيع يونيو ابتداء من المظاهرات الاستباقية إلى خطاب الرئيس، بمثل سلسلة من الخطوات غير الموقفة والخطرة.

• سنسحقكم واللي يرشه بالمياة نرشه بالدم.
أسفت لسماع هذا الكلام، ولكني أخاف على الدولة من ظروف حرب أهلية، أفهم أن تأتي في مهمة إنقاذ وليس مهمة إشعال حرائق.

• هل هذا النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة؟
إن البلد في مشكلة صعبة وحرام أن تضع البلد في هذا الموقف، ولكن الأوطان أزلية وحتى إن كان النظام يغرق فليس له أن يمسك بجسم الوطن ويقوم بإغراقه معه.

• لوّح مرسي باستخدام المحاكمات العسكرية أو القانون العسكري.. كيف رأيت ذلك؟
الجيش والقوات المسلحة في العصر الحديث اختلف دورها، لم نعد أمام جيش الملك أو الإمبراطور، نحن أصبحنا أمام جيش المواطنين، السواد الأعظم كلهم متطوعين لا يمكن عزله عن العمل العام، فالأمن القومي أصبح متصلا ونحن ندخل على حروب كثيرة اقتصادية ونفسية واجتماعية.

• ما قراءتك لتصريحات السيسي الأخيرة؟
قرأتها واعتبرتها موفقة، لم أكن متحمسا في المرة السابقة عندما طرحت القوات المسلحة حوارا مع القوى الوطنية وناقشت هذا الأمر، لكن في هذه المرة والبلد على حافة الهوية يدفع دفعا مواجها من الممكن أن يؤدي إلى حرب أهلية.. النظام لم يملك القرار، وقرأته باعتباره أن الجيش يطلب من الأمة المكلف بالدفاع عنها في تماسكها الداخلي وفي حدودها، لكنه في تماسك الأمة له دور مهم، ووجدت في تصريحاته "صيحة" فهو يقول نحن نريد سقفا سياسيا وأرضية سياسية.
خطاب السيسي كان موجها لكل الأطراف فهو ينادي بكل القوى السياسية في الأمة، من فضلكم هذا البلد موجود وليس فوقه سقف ومن الحرام أن يترك بهذا الشكل.
الشرعية قضية ملتبسة جدا وينبغي أن ندقق فيها، إذا أُخذت الشرعية بالمعنى المطلق، وهو أن الوجود في السلطة هو مصدر الشرعية فنحن مخطئون، يوجد نفور شديد، أرى تحول لم أكن أتصوره، السؤال هنا أليس في وضع مشابه كما كان فيه مبارك في يناير موجود في السلطة ويستطيع أن يدعي بالشرعية، لكن الجيش قال إن إرادة الشعب هي موضع الشرعية.
هناك دلائل لم تصل للقطع بأن هناك تحولا كبيرا في الرأي العام وهذا أمر بالغ الخطورة والقوات المسلحة تريد أرضا وسقفا.
الرئيس يهرب من إرث كبير بإلقائه الحمل على أزناب مبارك
اعتقد أن الجيش ببساطة دق جرس إنذار وأضاء ضوءا أحمر يقول لكل القوى السياسية أرجوكم نحن جميعا على حافة خطرة، وهذا البلد لا يمكن أن يواصل تماسكه.
لقد رأيت القوات المسلحة وهي في عدة مراحل، مرحلة الاستعراضات، ورأيتها في فلسطين عام 1948، و67 وعام 1973، القوات المسلحة تكسر نظرية الأمن الإسرائيلي، بمعنى أنها تثبت أنها قادرة على أنها تشل العدو، فالقوات رأيتها في كل الظروف، وأنا واحد من الناس أعتقد "أن القوات المسلحة ابن الوطنية المصرية وهي في نفس اللحظة أبوها في الأزمات".
لابد أن قوى الدولة تتدخل، الدولة بكل من فيها من فكر ومؤسسات وقانون، ويبدأ حوار عاجل تحت رعاية معينة ليست القوات المسلحة فقط، بل الأزهر والكنيسة والقضاء، وإذا وجد الضغط الكافي وتبين إجماع القوى المكونة للدولة وإذا كانت الدولة في خطر، ستتم عملية التوافق، تكلم عن التصالح بالأمس.

• بعد أن خاصم الجميع.
نحن أمام رجل يخدم بالطريقة الخطأ، ومن حقه يكون عنده معلومات وعلم في المجال الإنساني ومستشارين أفضل، أنا لا أريد إقصاء أحد في المرحلة المقبلة.

• القوات المسلحة قالت لن تقبل الهجوم عليها، والتي كان عليها هجوم شرس من التيار المعارض؟
نحن أصبنا بنكسة عام 67 وليست هزيمة، لذلك نكسة 67 كانت خطئا سياسيا.

• المجتمع والناس كانوا منتظرين قرارات تهدئ الشارع.. ماذا صدر من هذه القرارات؟
للأسف الموجود أشبه بغارة على سلطة الدولة فهو عبارة عن احتلال واحتكار مواقع التميز المالي والاجتماعي، هؤلاء ناس تحتاج أن نلفت نظرهم أنكم جئتم بعد ثورة لم تكونوا أنتم صناعها الحقيقيين، أنتم شاركتم في مرحلة متأخرة، شبابكم كان موجودا في البداية، وهم لديهم مشكلة في شباب الجماعة، لكن في النهاية نحن أمام حزب أو جماعة محتاجة أن تجلس وأن تفكر لأنها لم تفكر فوجئت بالسلطة تقع في قبضة يدها لظروف دولية أكثر ما هي محلية.

• وماذا عن قراراته تجاه المحافظين؟
هذه كارثة لأنك أخذت كل الضمانات القانونية ووضعتيها في يد أهواء، أتمنى أن يقرأ الجميع كتاب وحيد عبدالمجيد عن الدستور، كتاب عبدالمجيد "أزمة دستور 2012" هذا رجل من الباحثين الجادين وكلامه يوضع بعين الاعتبار، لكن هذا الدستور الذي صدر ليس دستورا ملائما ويحتاج إلى مراجعة، وأمس أيضًا الرئيس قال في خطابه، بعد 6 أشهر من إقرار الدستور إنه يحتاج إلى التعديل، "إيه الدستور اللي بعد 6 أشهر ده اللي بيحتاج لتعديل؟".

• مرسي قال إن هذا الدستور ارتضيناه جميعا رغم أننا لم نتفق عليه؟
نحن لم نكن جميعًا موافقين عليه.

• هاجم المعارضة التي لم تتعاون معه ولم تحصل على مناصب في الحكومة؟
إذا كنت أنا أمام دستور لم أوافق عليه كيف تطلب المشاركة، أليس غريبا أن بعض الكبار من حزبه لم يدخلوا معه، لو عرض على نائبه المرشح قبل، دون ذكر اسمه، ممن جلسوا في المقطم، جميعهم لن يوافقوا، لأنهم يريدون القوة من وراء الظل ويريدون أن يحكموا دون أن يحاسبوا، وعلى الرغم من ذلك يعترض على منير فخري عبدالنور، تطلب من عبدالنور المشاركة في جماعة تزداد فيها النبرة الدينية، وشارك معنا وأنت لا تعرف شيئا وما تسمعه يخيف وما تراه يقلق، ماذا أشارك؟، قولوا لنا أين أنتم نقل لكم أين نحن؟.

• هذا ينقلنا إلى قضية الأقباط والتي أنحى بها إلى العهد الماضي، وقال أنا أعلم أن هناك غصة في الحلوق وفتور في المشاعر تجاه الأقباط؟
إذا كانت الدولة تتكلم لابد وأن تتكلم بلسان كل المواطنين، من حق الحزب الحاكم التحدث باللغة التي يريدها لكن يجعل للمواطنين حق القبول أم لا، إذا كان هدفك إقامة دولة إسلامية فكيف تطلب من أقباط مصر أن يشاركوا في الدولة الإسلامية، هم لديهم حق المواطنة سيطيعون لكنهم لا يشاركون، قرأت في الجريدة صباحا أحد الأشخاص يقول نحن مكلفون بأسلمة العالم كله، أنا أتذكر الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، قال إن الجهاد فرض مقدس، "انتوا بتعملوا ايه؟".

• ماذا قدم مرسي؟
رأيت أحدا من أقطاب المعارضة يقول لابد أن يتنحى مرسي فورا، وماذا بعد؟، أسقطت شرعيتك من هذه اللحظة، نحن نريد معرفة ماذا سيحدث في التصور المقبل.

• قبل أن أسألك عن رؤيتك لـ30 يونيو، هل اتفق مرسي مع الفريق السيسي قبل أن يدلي بتصريحاته؟
ليس لدي معلومات عن استئنذان السيسي للرئيس مرسي قبل تصريحاته وخروج طنطاوي محفوف بالعديد من الملابسات، المجلس العسكري القديم كانت لديه ظروفه ولابد أن نقدره فلم يتصوروا أن هناك ثورة حقيقية ورؤيتهم للثورة لم تكن واضحة، وكان هناك عنصر مفاجأة بالمسؤولية، ومن الخطر تكرار سيناريو "طنطاوي" مع "السيسي".

• الرئيس تحدث عن عدم وجود خلاف بين السلطة والجيش
لا يوجد خلاف ولكن اختلاف في وجهات النظر نظرا لاختلاف المواقع لأن القوات المسلحة تخشى من تفكك الوطن، وهي تتحدث بلسان الوطنية.

• عن 30 يونيو والرهان على الشباب.
أراهن عن الشباب، وأن هذا اليوم هو تحرير طاقة هذا البلد، وأن الشباب خارج ويعرف مستقبل البلد وليس عند أحد آخر، وأنه سيحمل المسؤولية ويواجه كل التركات الكارثية، ميدان التحرير تم بيعه عدة مرات من قبل سماسرة.

• هناك الملايين وقعوا على هذه الوثقية.
احترم حركة تمرد وهي ظاهرة التجدد لدي الشباب ولم أوقع على الوثيقة، وثورة الشباب تحتاج إلى "توربينات" تحركها تمثلها قيادة سياسية وهيئة أركان حرب تنظم تحركها

• ما الهدف من 30 يونيو؟
الهدف من 30 يونيو أن يثبت أن هذا البلد لا يموت وسيظل واعيا وسيجد وسيلة التغيير التي تأتي بقيادة سياسية، وأتمنى أن يكون أقوى ما يكون وأن هناك طرقا للتغيير، وفي حاجة لقيادة سياسية للشباب تحرك الجماهير، وتؤكد أن مصر لم تمت.
وهناك عناصر من التيار الإسلامي وبالتحديد شباب الإخوان والنور، يرون أن المأزق الذي تعيشه البلد، مرسي تحدث عن الاستقطاب وخطابه كله استقطاب، في عام 1935 كنا في موقف مشابه مع الإنجليز والقوى كلها متفرقة، طلع شباب الحركة الوطنية وفرضوا على الأحزاب المفاوضة مع الإنجليز، لم تكن محققة للآمال لكنها كانت نقلة.
"تشعر القوات المسلحة في دورها أنها تعبر عن شيء، القوى الاجنبية في العالم، وخطوط التليفونات بين واشطن والقاهرة تعمل على مدار أسبوع... الاتصالات "شغالة".
عندما تأتي أي قوى أجنبية مثل آن باترسون، أو آشتون من الاتحاد الأوروبي، نستقبلها في مصر استقبال حقيقي، في 25 يناير كنا أمام شباب وقوى المتوسطة كلها في البلد.

• هل يمكن للحشد أن يحرر إرادة وطن؟
هناك فرق بين يحرر ويعلن، أريد أن يعلن إرادة الوطن، إذا أعلن إرادة وطن أعتقد أن هذا يكفي، أنا الآن أمام بلد يندفع إلى كارثة بأقصى سرعة، إذا الشباب طلع وقال نحن نريد مستقبلا جديدا مختلفا عن كل ما يحدث، نحن نريد أن نبحث عن مستقبل مختلف، وما أراه يؤدي إلى كارثة وطريق مسدود، إعلان إرادة شباب هذا البلد، يريدون إعلان إرادة غير الذين يمسكون بزمام البلد، وحشود الشعب يوم "30 يونيو" هي غطاء هام للقوات المسلحة.
* إذا استمر هؤلاء الشباب وهذا الحشد عدة أيام كيف سيواجهون هذا النظام؟
الهدف الأساسي أريد أن يطلع بحشد أكبر ما يمكن لإعلان الإرادة، لا توجد وسيلة لتحرير الإرادة نفسي تكون كلها سلمية وكل قوى الشعب.

• ماذا عن الخوف من العنف؟
أتمنى ألا يرى الشعب المصري العنف.

• هناك مظاهرات استباقية اعتبارا من الغد ودعوات بالاعتصامات؟
أنا أرى ذلك، نحن أمام أطراف تحارب من أجل ما تعتقد فيه لكن من يعتقد أن مطامعه هي مستقبل الوطن فهذا أرفضه، كهنوت الاختباء وراء المقطم آن الوقت أن تكتشف كل الأستار.
تصورت أن الرئيس سوف يبدأ بنقد المشهد السياسي، وتصورت أنه يراجع نفسه لكن في النهاية ظهرت المشكلة في الإعلام، لدينا بيت شعر يقول "إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدا".

• هل 30 يونيو تهدد مرسي أم تهدد الإخوان كفصيل سياسي في الحكم؟
أتمنى ألا يشعر طرف بتهديد، أتمنى أن كل الأطراف تشعر أن المهدد الحقيقي هو البلد، وإذا لم أكن قادرا عليه وقد ثبت ذلك فإنني في حاجة إلى مسلك آخر، من قيمة خروج الشباب مع الإطار السلمي هو إعلان إرادة الشباب، وأن الإخوان المسلمين لم يستطيعوا حكم البلد وليس غارة على مواقع السلطة وأن مصير هذا البلد يستحق الأفضل.
نحن لدينا 3 قوى، قوة هذا الشباب، القوات المسلحة، العنصر الخارجي، وأعتقد أننا لابد وأن نقول إن هذا وطن مصمم على البقاء والتقدم.

• هل لدى مرسي ورق من اليوم وحتى يوم 30 يمكن أن يقدمه أم انتهت كل الأوراق؟
نحن رأينا أمس عينة من الأوراق، أعتقد أن مشكلة مرسي أنه قد يكون فيه ميزات هائلة، وتقدم له النصيحة والمعلومة والمعرفة الخطأ، وابد وأن يرى التجربة السابقة ليس من خلال الحرب على الإعلام، الحل هو المعرفة "كل الناس بتخبط في الظلام والجهالة".

• هل الخروج في 30 يونيو يعني أن هذا الوطن لايقبل هذا النظام؟
لا.. يعني أنه لا يقبل الموت، هذا الوطن يريد حياة، وهذا الذي يراه لا يساعد على الحياة، العراق وسوريا تضيعان ومصر يقولون عليها إنها تموت، خروج الشباب يثبت أن به قوة قادرة أن تصنع مستقبل.

• ضروري أن نرى ردود الأفعال من الجانب الآخر؟
أنا أراها، أعلق آمالي على الشباب، هذا الباب سوف يثبت أن له إرادة لصنع المستقبل، وقابل للتجدد والحياة ومصمم وقابل وقادر، فيه رفض حقيقي للبلد هذا خطاب وعيد بلا وعد، ما أتمناه في 30 يونيو أن إرادة هذا الوطن متمثلة في بابه تظهر وعلى الجميع احترامها.
نحن منتظرون الخروج يوم 30 يونيو. هل يعلن الشعب المصري بكل طوائفه إرادة الحياة والمستقبل؟.

ماذا لو قال السعوديون: الشعب يريد إسقاط النظام!!


خالد الماجد 
المقال الذي ادى بكاتبه الى السجن 
بالمختصر .. وطننا بما فيه ومن فيه يشعرنا -وعلى الدوام- أننا غرباء الدار.. كأننا لاجئون أو ضيوف ثقلاء على الأسرة (الأُولى)! نأكل ونشرب على استحياء.. ونمتن كثيراً كلما طالت مدة البقاء .. عيب علينا التبرم أو المطالبة أو الانتقاد.. فما على المحسنين من سبيل!! ليس لنا من الأمر شيء.. وما لنا حق في شيء.. وكثير علينا كل شيء.. ومنة علينا كل شيء.. إن حرمنا فعدل.. وإن أعطينا ففضل!! فتباً لهذه المواطنة !! وتباً للعبودية!!

ثمة سؤال ملح: هل حالنا أحسن من حالهم في تونس ومصر؟ حين سمعت التصريح السعودي المرحب بالانتقال السلمي للسلطة في مصر وبقيام حكومة وطنية تحقق آمال وتطلعات الشعب المصري.. قلت: ومرحباً بهذا الترحيب.. ولكن الأقربين أولى بالمعروف!!

ماذا لو أن المصدر المسؤول قال مثلاً:- ونبشر الشعب بالانتقال السلمي للسلطة من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية وقيام نظام شورى حقيقي!!

كانت لافتات الثائرين تطالب بـ: الحرية العدل المساواة. وتشجب: البطالة الفساد الظلم. كانت تطالب بإسقاط النظام الفاسد الذي ينظم ويكرس ويشرع الجريمة الواقعة على الشعب من أصحاب النفوذ.. وأذنابهم المسبحين بحمدهم..

وأي شيء هذا الذي أغضب المصريين والتوانسة فأسقطوا نظاميهما ليس موجوداً عندنا؟!

أما حرية الرأي فبيننا وبين مصر فيها أمد بعيد .. كتب عبدالحليم قنديل مقالاً عن حسني مبارك قبل سنتين لو كتبه أحدنا عن أمير لجدع أنفه ولغيبته السجون. الممتلئة الآن بالآلاف!!

وأجزم أن أعلى فاتورة فساد مالي دفعت منذ آدم عليه السلام وإلى يومنا هذا وربما إلى قيام الساعة هي فاتورة فسادنا المالي !! حتى أنك تحار من أين تبدأ 'من إقطاعات لأفراد ترسم حدودها الهليكوبتر' ضاق بها البر والبحر .. (فلطشت) جميع الطعوس الزينة العامرة وغير العامرة .. وسيجت الجبال الشاهقة .. ويحتاج من يريد النزهة مسافة قصر ليجد طعساً يجلس عليه هو وعياله البائسون!

وعندنا -فقط- يمكن للكبراء اقتطاع الشواطئ وما يلي الشواطئ من البحر!! والله (يخلي) الرمال الدافنة للبحار الدافئة، لإقامة الشواطيء العامرة!!

بينما ثلثي المواطنين لا يملك الواحد منهم أرضاً يقيم عليها بيتاً كئيباً يؤويه وأولاده .. ويكتفي (بصندقة) تحرقهم صيفاً وتكسر عظامهم شتاءً!! في وطن مساحته مليونا كيلو متر مربع!!!

وما مجموعه 2 تريليون بالتقديرات المتسامحة لعائدات الوطن السنوية لا يأتي الشعب إلا 400 مليار يذهب ثلثها في عمولات المشاريع للسارقين.. فأين الباقي؟!

وبينما (الشرهات الراهية) حكر على العائلة (الأولى) ومن التصق بها أو احتيج إلى شرائه من النخب لا يجد من يعيش تحت خط الفقر من المواطنين ما يسد رمقهم إلا ما تتفضل به أكوام الزبالة!!

ووظائف الدولة الكبرى إقطاعيات تدر بخيراتها على كبرائها .. تصفهم ضمن كبار رجال الأعمال.. وبعضهم تجاوز التصنيف العالمي لأغنى الأغنياء!! فمن أين جاءتهم الثروة؟!

وتُسن الأنظمة والعقوبات لتزيد من الأرصدة التي لم يعد يشبعها النهب التقليدي!! وإلا كيف لنا أن نفسر ما يحدث في منح التأشيرات وإصدار الفسوحات والتصاريح وإرساء المشاريع والإمتيازات والنقل في الوظائف حيث صار لكل بند منها عمولة خاصة؟!

ويقف نظام ساهر .. اللص المرابي .. شاهداً على مدى البجاحة في سرقة الشعب المخنوق المنهك!! أقسم لو أن هؤلاء الجشعين لم يجدوا ما يملأون به أرصدتهم إلا لقمة يتيم أو أرملة لانتزعوها من أفواههم انتزاعاً!!

يتحدثون في مصر عن 07 ملياراً مجموع ثروة عائلة حسني مبارك!! وهذه المليارات ربما هي زكاة ثروة بعض كبرائنا!! فكم ستكون ثرواتهم لو جمعت؟!! والفواتير عندنا على الضعفاء فقط- فأما الأقوياء فأموالهم مصونة عن فواتير الكهرباء والماء والهاتف والطيران والفنادق والرسوم والجزاءات وكل شيء - يأخذون ولا يعطون!! والمفتون مشغولون بتحريم التصوير بأوراق العمل على الضعفاء المساكين!!

والمحسوبية في كل مؤسساتنا .. فالتعيينات للأولاد والأحباب والأقارب .. والفتات يذهب للمسبحين بالحمد .. وأما بقية الشعب المؤهل فتكفيه الأحلام السعيدة!!

ويستطيع كل أخرق غبي أن يصل لكل ما يبتغيه مما لا يستحقه -لا هو ولا الذين خلفوه- ولو خالف ألف نظام بأحد مؤهلين: قرابة للسادة .. أو دفع للمادة!! وعلى مستوى النفاق للسادة حدث ولا حرج!!

تجد الجرائد والمجلات والقنوات والإذاعات والشعراء والأدباء والعلماء والمثقفين والتجار والكبار والصغار والنساء والرجال والعقلاء والأغبياء متزاحمين .. تراصت صفوفهم.. وبحت حلوقهم- وتقطعت أعناقهم.. وهم يمدحون هذا الأمير وذاك الوزير-.

وبمجرد أن يكون أحدهم حاكماً أو مسؤولاً تخلع عليه صفات الإخلاص والنجابة- والحكمة والحذاقة!! فأما إذا جلس على العرش فإنما هو قديس .. لا يجوز عليه الغلط- ولا يغيب عنه الصواب .. ولا تفتقده الحكمة .. ولا يطفح منه الكيل .. والاستدراك عليه من الكبائر!! فعله حجة .. وقوله يرفع الخلاف .. ويقيد المباح .. فهو قطب رحى الحق والعدل والإنسانية!!

ويتسابق المأجورون من مجيدي التسلق إلى نصب الأسماء المحصورة المتكررة من الكبراء على كل منجز في البلد مهما صغر .. إلى حد يثير الاشمئزاز .. الشوارع، الجامعات، الكليات في الجامعات، المعاهد، المدن، المراكز، الكراسي البحثية، المستشفيات، الأحياء .. في كل مدينة وقرية وهجرة نفس الأسماء .. نفس المسميات!!

والجريء عندنا البالغ في جرأته مبلغ التهور من يكتفي بنقد (هامان)!!وبينما الناس يستطيعون قلب أنظمة حكمهم لمجرد احتراق مواطن على عربة خضار، لم نستطع إقناع السلطة بتغيير أمير لم تصلح به دنيا .. ولم يقم به دين .. ولم يندفع به ضرر.. وغرق المئات من رعاياه مرتين .. وهو مشغول بمحاربة التدين وجمع الحطام.. عن الكف عن الفساد ومحاربته!!

لم نستطع طرد وزير فاشل مؤهله الوحيد الجرأة على طرد منتقديه من مكتبه وكأنه وزير في ملك أبيه أو أمه!! بل ولا تغيير مدير جامعة بائس فتان مفضوح !! لكأنما صارت وظائفنا العامة مراتع لهم .. يسرحون فيها ويمرحون!! أم تراه الظلم حرك الثورتين!!

فماذا نقول عن سجنائنا الباقين في سجنهم .. بلا محاكمة ولا جرم .. من سنين تجاوزت سني يوسف عليه السلام التي أهلته للنبوة؟! .. وكأنهم أسرى عدو لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة!! وإذا كان سجانوهم يرفضون أن يخبرونا عددهم فهذا لا يطمس الحقائق .. فنحن نجزم أنه ما من أسرة إلا ولها سجين منها أو من جيرانها أو من قرابتها!! ما يجعل العدد بالآلاف!! حتى البهائم لها حرمة وكرامة؟! فكيف بمواطن مسلم كريم!! كيف لا نخاف عقوبة الله علينا جراء السكوت على هذا الظلم العظيم!!

وأما كرامة الشعب فذاهبة في تقبيل الأيدي والأكتاف وانتظار الساعات الطوال لتصل إلى يوم كامل بلا ماء ولا طعام لتقديم المظالم لبعض الأمراء المسؤولين!! وذاهبة مع كل عطاء منقوص زهيد يأتيك ومعه ألف منة .. تغلفه (يافطة) تقول: (مكرمة ملكية)!! لئن كان العطاء من المال الخاص فليس كل الشعب يقبل الصدقة! ولئن كان العطاء من المال العام الذي هو ملكنا فكيف يكون المرء كريماً من مال غيره؟!! .. فلماذا المن والأذى؟!!

وتكاد تنعدم الغيرة على مواطنينا إذا انتهكت حقوقهم في الخارج .. ومن انتهكت حقوقه في الداخل.. فلا يطمعن في النصرة على الخارج!! ونحن في رعب دائم .. فالهاجس الأمني جبل على رؤوسنا .. تضيق بنقاطه شوارعنا ..ويهدد به من يروم الإصلاح منا!!

لكن.. أيها العرب، المراهنة على دوام صبر الشعوب على الظلم والإهانة .. وعجزها عن الفعل فشلت في دولتين عربيتين إلى حد الآن..وهي في طريقها للفشل في باقي الدول .. ولا أمنة لأحد!!

المراهنة على عدم وجود البديل .. والتخوف من الفتنة وحصول الفرقة بالتناحر القبلي أو المناطقي أو الطائفي بعد سقوط الأنظمة الفاسدة فشلت أيضاً..فالفتنة والخراب والفرقة والتناحر في الأنظمة ومعها.. وأما الشعوب فما أزكاها!! فمع طول ما ظلمت وقهرت وأفقرت .. لم تسفك دماً.. لم تهتك عرضاً.. لم تنهب مالاً .. لم تمزق وحدة.. بل حفظت الأمن .. وحرست مقدرات الدولة!!

رسمت الثورتان خطة طريق للشعوب التي تتطلع للتخلص من النظم الفاسدة: أنه بإمكان الشعوب القيام بالوظيفتين وفي الوقت نفسه: إشعال الثورة، وقمع الفتنة.. أن تكون الثائر والحارس!!

يا أيتها الأنظمة العربية!!

باتت الشعوب تملك الرؤية .. وتهتدي للمخرج .. وتعرف الوسيلة .. وتسخو بالثمن .. ولها نزوع شديد جارف إلى الحياة الحرة الكريمة..

مواقفكم إلى الآن لا تبشر بخير.. وأنتم على الدوام تبرهنون على: أن أشد الدكتاتوريين رفضاً لمطالب الشعب أكثرهم فهماً لها!! حينئذ لا مناص من نتيجة تونس ومصر!! كما تقول العامة: (من بغاه كله .. خلاه كله)!!

الحلم الصهيوني الإخواني: نهاية الدولة القومية العربية


مقال نُشر في صحيفة "هارتس الصهيونية" يكشف "الحلم الصهيوني الدائم" بنهاية القومية العربية، فكرة وحركة ودولة، ولعل في تذكرنا لهذا الحلم ما يفسر لنا أسباب حروب وحملات وافتراءات ضدّ كل ما يرمز إلى القومية العربية.


نقلاً عن اللواء
عمانويل سيفان "هآرتس"

بينما نغرق في جدال نظري في مسألة إذا كانت توجد قومية يهودية، تجري عملية مهمة في واقع الشرق الأوسط، الدولة القومية العربية، التي كانت الأساس للنظام العربي منذ 1970، بدأت تتشقق وتكاد تختفي في ستة بلدان، والعملية لا تزال مستمرة.

في الأعوام 1945 - 1970 كان الميل السائد هو الوحدة العربية. بدايتها في تأسيس الجامعة العربية، وبعد ذلك انتهجتها مصر في عهد ناصر وسوريا والعراق البعثيان. ميل الوحدة تلقى ضربة شديدة مع تفكك الوحدة المصرية - السورية، التدخّل المصري في اليمن، وبالأساس مع الهزيمة العربية في حرب الأيام الستة.

وفاة ناصر ترمز إلى الأفول النهائي للوحدة العربية عن مسرح التاريخ. ومحلها حل، بمفاهيم الشرعية والعملية على حد سواء، الدولة القومية. ويدور الحديث عن دولة إقليمية، حدودها قررتها الامبريالية البريطانية، الفرنسية والايطالية تلك الحدود التي شككت بها نزعة الوحدة العربية.

بدأت الدولة الإقليمية الجديدة تطوّر وعيا ماضيا مشتركا لأبنائها، وعيا ثقافيا خاصة وأهدافا جماعية من الحجارة الأساس للدولة القومية الشرقية. في مصر في عهد أنور السادات، في سوريا في عهد حافظ الأسد، في عراق صدام حسين وفي ليبيا معمر القذافي بلغت العملية النضج.

الحدود الاستعمارية أصبحت شرعية، مثلما حصل في إفريقيا أيضا.

ولكن هذا النموذج، ابن 40 سنة آخذ في الانهيار، ضمن أمور أخرى كنتيجة غير مرتقبة لـ «الربيع العربي». والعملية تبرز بشكل خاص في سوريا. نظام بشار الأسد يسيطر اليوم عمليا فقط على نحو نصف الأراضي ويخوض حرب إبادة ضد أولئك الذين يمسكون بالنصف الثاني. ولكن هذه تتكوّن من ستة أو سبعة جيوب سنية وجيب كردي وجيب درزي. «الجيش السوري الحر» الذي يفترض أن يوحد الجيوب، ليس سوى وهم؛ «الائتلاف الوطني» الذي يتخذ من اسطنبول مقرا له ويدعي الحديث باسم هذه الجيوب، ليس له أي تأثير على ما يجري على الأرض. بعد أكثر من سنتين من اندلاع الثورة ضد الحكم المركزي وبعد تسعين ألف قتيل، لا تبدو نهاية للحرب. «الأسد سيسقط في غضون بضعة أسابيع»، أعلن ايهود باراك في آذار/مارس 2011، ولكن الأسد لا يزال حيا ويذبح رعاياه. ومثلما تفيد التجربة التاريخية، فان الحروب الأهلية – في الولايات المتحدة، في اسبانيا، في الكونغو وفي يوغسلافيا تميل لان تكون طويلة ووحشية على نحو خاص.

في العراق بدأت عملية التفتت بعد سقوط صدام ونالت الزخم مع الانسحاب الأميركي. فالدولة تنقسم عمليا الى ذات المقاطعات الإقليمية العثمانية الثلاث، التي وحدها البريطانيون بشكل مصطنع في نهاية الحرب العالمية الأولى. فالشمال الكردي هو عمليا إقليم حكم ذاتي، ويتمتع بذخائر نفطية ورعاية تركية، الجنوب الشيعي، هو كل ما تسيطر عليه حكومة نوري المالكي بشكل مباشر، أما المنطقة المركزية، السنية في معظمها، من بغداد حتى الموصل، فقد أصبحت فريسة لحرب عصابات وحشية تديرها ميليشيات سنية تسعى إلى الإبقاء على بعض من الهيمنة التي تمتعت بها هذه الطائفة منذ قام العراق المستقل. تقاتلها قوات الحكم المركزي، التي تتحكم بها الأغلبية الشيعية في الدولة.

عملية مشابهة تجري في ليبيا، ثلاث مقاطعات وحدها الحكام الاستعماريون الايطاليون تبدأ بالانفصال. كرينايكا، حيث اندلعت الانتفاضة ضد القذافي، أعلنت عن نفسها قبل أكثر من شهر إقليم حكم ذاتي. أما طرابلس، حيث يستقر الحكم المركزي بعد سقوط القذافي، وكذا في إقليم بازان، تعربد ميليشيات قبلية في الغالب، ولكل واحدة منها يوجد احتكار على العنف في أرضها الصغيرة. الاحتكار، حسب التعريف المعروف لماكس فايبر، هو الميزة للسيادة.

وماذا عن لبنان، الذي كان وجوده كدولة قومية هزيلا دوما، منذ فصل عن سوريا الكبرى (أو الشام العثمانية)؟ في هذه الدولة، التي أوجدها الحكم الفرنسي بضغط المسيحيين المارونيين، بدأ التفتت منذ الثمانينيات، عندما انتقل الجنوب الى حزب الله. وعلى كل ما تبقى تخيّم مظلة حكم مركزي واهن، منذ نهاية الحرب الأهلية قبل 23 سنة. أما الآن، عندما بدأت الحرب الأهلية السورية تنتقل إلى شمال لبنان، في شكل اضطرابات طائفية بين طرابلس وبعلبك، فان هذه المظلة أيضاً تبدو مثقبة، ولاسيّما منذ تدخل عصابات حزب الله الى جانب قوات الأسد.

اليمن والصومال كفا عن أن يكونا دولتين تؤديان مهامهما، وهما تصنفان من قبل الأمم المتحدة «دولا فاشلة». عاصمتاهما لا تزالان في أيدي الحكام الرسميين، ولكن ميليشيات متنوعة أيديولوجيا تسيطر في أراضيهما. كل واحدة من الميليشيات، مثلما في العراق المركزي، تجبي الضرائب، تجند الجنود، تقيم المحاكم وتدير الاقتصاد المحلي. بتعبير آخر، هي سيادية.

وللمقارنة، فانه بالذات في الدولتين اللتين اندلع فيهما الربيع العربي وأدى إلى تغيير النظام بالطرق السلمية، تسيطر ليس فقط نظريا، بل وعمليا في كل أراضيها تقريبا. كل هذا، ضمن أمور أخرى بسبب الانسجام الديني والعرقي فيهما. ومع ذلك، في كلتيهما أيضا توجد مناطق فوضوية شبه جزيرة سيناء وجنوب تونس ويوجد فيهما هياج داخلي ضد النظام، ولكن وحدتهما الإقليمية وسيادتهما ليستا في خطر.

نظام جديد، نظام فوضى في ميل مركزي، يتشكل في الشرق الأوسط. ويطرح الأمر تحديا غير بسيط لإسرائيل. رأينا هذا في بداية حزيران/ يونيو، في اليوم الذي سيطرت فيه قوات الثوار على القنيطرة. لو لم يطردها الجيش النظامي، ولو كانت أقامت هناك فرعا لجيش الثوار لعدنا إلى الوضع الإشكالي الذي كان قائما على الحدود اللبنانية في منتصف السبعينيات بيننا وبين «فتح».

ما العمل بجيوب أخرى على حدود الجولان. وماذا، لا سمح الله، إذا ما ظهرت جيوب كهذه على الحدود مع الأردن؟ ورغم ذلك، فمن شدة الانشغال بمفاجأة 1973 يميل الناس إلى النسيان، بأن حرب الأيام الستة هي الأخرى جاءت علينا مفاجأة. فهل توقعتها شعبة الاستخبارات العسكرية؟ سبقها عدم اكتراث ما على مدى نحو 5 - 6 سنوات، والتفكير بان الوضع الراهن سيستمر بالضرورة، سوريا كانت تحديا أحيانا، ولكن بشكل عام «الحرب الباردة العربية»، كتعبير ناجح صدر عن مالكولم كار، التي سادت منذ تفكيك الوحدة المصرية - السورية، والتدخل العسكري المصري في اليمن أدت إلى عدم اكتراث في السياسة الإسرائيلية، فما بالك لأن الحدود الأردنية كانت هادئة جدا، باستثناء عملية السموع في تشرين الثاني/ نوفمبر 1966. المفاجأة، التي تتشكل من انتفاضة ثالثة في المناطق وأعمال عدائية على الحدود اللبنانية والسورية من قبل جيوب الحكم الذاتي (ربما السلفي) هي أيضا مثابة إمكانية يجب أخذها بالحسبان. طوبى للإنسان الخائف دوما.


«اتفاقية عنتيبي» و«سد النهضة».. محطات إثيوبية تهدد أمن مصر المائي


باهي حسن

لم يكن قرار إثيوبيا بالبدء في تحويل مجرى مياة نهر النيل، الثلاثاء، تمهيدًا لبناء سد النهضة «الألفية الكبير»، مفاجئًا إلا في توقيته، إذ بدأت إثيوبيا في إدارة ملف مياة نهر النيل بعيدًا عن مصر، منذ توقيع ست من دول المنبع على «اتفاقية عنتيبي» لإعادة تقسيم موارد مياة النيل، في عهد الرئيس السابق حسني مبارك.

كما دشنت إثيوبيا مشروع بناء «سد الألفية»، في عهد المجلس العسكري، وأعلنت البدء في تحويل مجرى النيل في عهد الرئيس مرسي.



«اتفافية عنتيبي»

في مايو 2010، قررت دول منابع النيل التوقيع في مدينة عنتيبي الأوغندية على معاهدة جديدة لاقتسام موارد نهر النيل‏,‏ ومنحت القاهرة والخرطوم مهلة عاما واحدا للانضمام إلي المعاهدة‏,‏ إذا رغبتا في ذلك‏.‏

وصفت مصر وقتها «اتفاقية عنتيبي» بـ«المخالفة للقانون الدولي, وللقواعد المعمول بها من جانب الجهات الدولية المانحة», وأكدت أنها ستخاطب الأطراف المانحة الأخري للتنبيه على عدم قانونية تمويل أي مشروعات مائية، سواء على مجري النيل أو منابعه، تؤثر سلبًا على الأمن المائي لدولتي المصب مصر والسودان.

وتنص «اتفاقية عنتيبي» على أن التعاون بين دول مبادرة حوض النيل يعتمد على الاستخدام المنصف والمعقول للدول، بأن تنتفع دول مبادرة حوض النيل انتفاعاً منصفاً ومعقولاً من موارد مياه المنظومة المائية لنهر النيل، على وجه الخصوص الموارد المائية التي يمكن تطويرها بواسطة دول مبادرة حوض النيل وفق رؤية لانتفاع معقول.

وأعلنت «أديس أبابا» عن إرسالها للاتفاقية الإطارية «عنتيبي» إلى البرلمان تمهيداً للتصديق عليها وبعدها تصبح سارية، وسيتم إنشاء مفوضية حوض النيل، والتى ستكون معنية بإدارة موارد النهر وتحقيق الاستغلال العادل لمياه النيل.

وبمجرد سريان اتفاقية «عنتيبي»، تنتهي الحصص التاريخية لدولتي مصر والسودان، مصر كانت تحصل على «55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، والسودان 18.5 مليار متر من الماء في السنة.



بناء أول سد إثيوبي

دشنت الحكومة الإثيوبية في أول أبريل 2011 أثناء إدارة المجلس العسكري للبلاد «سد الألفية الكبير» أو «سد النهضة»، لإنتاج الطاقة الكهرومائية بولاية بني شنقول الإثيوبية القريبة من الحدود السودانية، من المتوقع أن يحجز خلفه 62 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يعد تقريبا ضعف بحيرة تانا «أكبر بحيرات إثيوبيا».

وأعلن مليس زيناوي، رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، خلال مراسم وضع حجر الأساس للمشروع أن: «إثيوبيا سيكون أمامها مهمة كبيرة، وتتمثل في تمويل المشروع الذي قد يبلغ 80 مليار بر إثيوبي (حوالي 4.8 مليار دولار أمريكي)».

وفي 29 أبريل 2011، أرسلت مصر وفد «الدبلوماسية الشعبية» المصري، ضم 48 من القيادات السياسية والحزبية ومن شباب ثورة 25 يناير وشخصيات عامة، بينهم الدكتور السيد البدوى رئيس حزب الوفد، وحمدين صباحي رئيس حزب الكرامة، تحت التأسيس، والمستشار هشام البسطويسي المرشحين لرئاسة الجمهورية، لمناقشة مشكلة مياه النيل ومشروع سد الألفية، وإعادة العلاقة بين مصر وإثيوبيا.

ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن مصدر مسؤول بوزارة الموارد المائية، أن مصر طلبت رسميًا من الجانب الإثيوبي توفير كافة البيانات الخاصة بسد الألفية المقترح على النيل الأزرق بإثيوبيا في إطار تقييم المشروع بشكل دقيق وتحديد تأثيراته على طبيعة نهر النيل وكذلك على دولتي المصب مصر والسودان، انطلاقَا من المبادئ القانونية المتعارف عليها، وانطلاقا من روح مبادرة حوض النيل.

وقال موقع قناة «الجزيرة» الإخباري إن إثيوبيا رفضت السماح لمصر بفحص سد النهضة إذا لم توقع القاهرة اتفاقًا جديدا تتخلى بموجبه عن حقها في نقض «اتفاقية عنتيبي» بشأن توزيع مياه النهر.



البدء في تحويل مجرى النيل

أعلنت الحكومة الإثيوبية، مساء الإثنين، على نحو مفاجئ، أنها ستبدأ، الثلاثاء، في تحويل مجرى النيل الأزرق «أحد روافد نهر النيل»، إيذانا ببدابة العملية الفعلية لبناء سد النهضة.

وقال المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية، بريخيت سمؤون، في تصريحات للتليفزيون الإثيوبي الرسمي، إن بلاده ستبدأ، الثلاثاء، في تحويل مجرى النيل الأزرق قرب موقع بناء «سد النهضة»، وذلك للمرة الأولى في تاريخ نهر النيل.

جاء ذلك بعد زيارة أجراها الرئيس محمد مرسي، إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، شارك أثناء زيارته في القمة الإفريقية، وأكدت الدولتان «ضرورة مواصلة التنسيق بينهما في ملف مياه نهر النيل، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين، واستنادًا إلى التزام كل طرف بمبدأ عدم الإضرار بمصالح الطرف الآ

خبراء: تصريحات المسؤولين المصريين عن «سد النهضة» انهزامية



الدكتور محمد بهاء الدين وزير الري والموارد المائية

- خالد وربي

نشر: 28/5/2013 4:36 ص – تحديث 28/5/2013 4:36 ص

نور الدين: إسرائيل لها يد فى ما يحدث.. وإثيوبيا تحاول أن تخدعنا كما خدعت كينيا

«تصريحات انهزامية»، بهذه الجملة وصف عدد من الخبراء تصريحات المسؤولين المصريين فى أديس أبابا عن سد النهضة الذى تنوى إثيوبيا بناءه، وهو موقف يتعارض تماما مع مواقف الرؤساء السابقين مبارك والسادات بشأن الأمر ذاته.

الأستاذ بكلية الزراعة جامعة القاهرة الدكتور نادر نور الدين قال إن موقف مصر الأخير فى إثيوبيا هو موقف انهزامى ويعكس رضوخ مصر إلى الرغبات الإثيوبية والإسرائيلية فى بناء السد، مشيرًا فى تصريحات لـ«التحرير» إلى إنه فى حال بناء «سد النهضة» سوف تنشغل مصر بتوفير المياه، وسوف تصبح إسرائيل فى موقف قوى لأن أديس أبابا ستكون قادرة على قطع المياه عن مصر، وستكون تل أبيب قادرة على احتلال مصر لانشغالها بتوفير الأمن الغذائى والذى سوف يتأثر حيث تزيد الفجوة الغذائية من 55% إلى 90%، لتنفق مصر أموالها على استيراد الغذاء بدلا من استيراد الأسلحة مثلا.

نور الدين أكد أن تقرير أمريكى وضع إثيوبيا على رأس القائمة التى سوف تتزعم القارة الإفريقية، واختار خمس دول ليس من بينها مصر، موضحا أن إسرائيل لها يد فى ما يحدث، وألمح إلى أن إثيوبيا يجب أن تعترف بأن النيل الأزرق هو نهر مشترك بين الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا، وليس نهرا إثيوبيا خالصا، لأن 86% من المياه التى تأتى إلى مصر تأتى من النيل الأزرق.

الخبير حذر من تكرار تجربة كينيا مع مصر، حيث غدرت إثيوبيا بجارتها الكينية عندما استأذنتها فى بناء أحد السدود، معلنة أن كينيا لن تتضرر ثم بنت عددًا من السدود ومنعت المياه عن جارتها، ولفت إلى أن ميليس زيناوى رئيس الوزراء الإثيوبى السابق عندما عرض على مبارك بناء سد النهضة قال له مبارك إنه «سوف يدمره فى ذات اليوم»، وهو نفس الموقف الذى أعلنه السادات. يأتى ذلك فى الوقت الذى أكد فيه وزير الموارد المائية والرى محمد بهاء الدين عقب عودته من إثيوبيا أن موقف مصر من سد النهضة واضح ولم يتغير، وأنه ينتظر الرأى الفنى فيه

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر