الراصد القديم

2014/01/04

الناصرية والإسلام (5/4)............. قانون إعادة تنظيم الأزهر


د.رفعت سيد أحمد


قانون إعادة تنظيم الأزهر كان يستهدف ضبط إيقاع المؤسسة الإسلامية الكبرى مع النظام الناصرى الجديد

الستينيات كانت نقطة تحول تاريخية فى علاقة ناصر بالإسلام

تعامل عبد الناصر مع الأزهر باعتباره مؤسسة وطنية ذات دور سياسى ودينى داخلى وخارجى مؤثر

أعطى القانون رئيس الجمهورية حق تعيين شيخ الأزهر ووكيله سواء من بين هيئة المجمع العلمى للدراسات الإسلامية أو ممن تتوافر فيهم الصفات المشروطة فى أعضائها

فى الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل الزعيم القومى جمال عبد الناصر(28/9/1970) وبعد أن سقط الإخوان من على عرش مصر فى 30/6/2013 بعد هذا التاريخ دأبوا - ومعهم فريق من الوهابيين السلفيين شديدى التخلف -على اتهام عبد الناصر بكل الموبقات السياسية والأخلاقية، مثلما كان يفعل د. محمد مرسى رئيس مصر المعزول، فى التهكم من فترة حكم عبد الناصر وجميعنا نتذكر مقولته الساخرة الشهيرة (الستينيات وما أدراك ما الستينيات) والتى جاءت فى معرض اتهام تلك الفترة بالإرهاب والظلم، والاستبداد.

إن عبد الناصر لدى الإخوان وفى مجمل وثائقهم (حاكم يعادى الإسلام) لمجرد أنه يعاديهم، حيث هم الإسلام، ومن عاداهم يصبح بالتبعية خارجا عن الملة، وعبد الناصر لديهم لا يمتلك رؤية إسلامية صحيحة بل رؤية فاسدة وأحيانا (كافرة) فهل هذه الاتهامات صحيحة ؟ وهل كان عبد الناصر علمانيا، معاديا للإسلام بالفعل؟ هذا ما ستحاول هذه الدراسة الإجابة عنه من خلال بحث علمى موثق، نرفع فيه اللبس ونرد على الاتهام بالعلم. سيظل عبد الناصر، حاضرا، بفكره وتجربته، مهما طال الزمن أو بعد، ربما يعود ذلك إلى أن تجربته كانت ثرية بإنجازاتها وربما يعود ذلك إلى أنها جاءت فى لحظة تاريخية فاصلة من عمر الأمة، فخلقت واقعا جديدا مفصليا فى تاريخ مصر الحديث.. وربما لأسباب أخرى سياسية داخلية وخارجية كان لهذه التجربة الناصرية بريقها وديمومتها، رغم أخطائها بل وخطاباتها العديدة، واليوم نعيد فتح ملف هذه التجربة من زاوية جديدة، زاوية نحسبها لا تزال تطلق تأثيراتها، وتفرض معاركها علينا، وعلى العالم، زاوية (الإسلام) وموقعه فى مدركات وسلوكيات الأنظمة الحاكمة، اليوم نحاول أن نعيد قراءة رؤية عبد الناصر للإسلام وهى الرؤية التى نحتاجها اليوم، تعبيرا عن جدلية الصراع بين نظام وحركة الإخوان المسلمين لكثرة ما كتب فيه من زاوية، ولعدم جدوى تذكر المأساة من زاوية أخرى، نريد أن نفتح قوسا أوسع، من هذا القوس الإخوانى – الناصرى الضيق – رغم أهميته للباحثين وللحركيين الإسلاميين والناصريين، القوس الذى نريد أن نفتحه هو قوس الرؤية والمدركات والفلسفة التى حكمت المشروع الناصرى (1952 – 1970) تجاه الإسلام: حركات، وقيم، ومؤسسات وثقافة كيف كانت؟ وإلى أى مآل انتهت؟ وكيف نستفيد منها اليوم أو غدا فى مجال التعامل مع قضايا مصر والمنطقة والعالم التى تتفجر من حولنا، ويحتل الفهم للإسلام (خطأ أو صوابا) جزءا من عملية تفجيرها؟ هذا ما ستحاوله هذه الدراسة التى سبق ومثلت بعض فقراتها جزءا من أطروحة الماجستير التى حصل كاتب هذه الدراسة عام (1983) على الدكتوراه من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، واليوم نجددها، وتجدر قضاياها بذلك ونعيد طرح جوهر الدراسة للحوار فى أجواء ثورة 30 يونيو 2013، من أجل مصر فى ذكرى ثورة يوليو الحادية والستين.. فماذا عنها ؟.

كان للأزهر فى زمن عبد الناصر أدوار وفتاوى مستنيرة لم تحدث عبر تاريخه كله، ومنها فتوى الشيخ محمود شلتوت فى جواز التعبد بمذهب الشيعة الاثنى عشرية، واعتبارها من المذاهب الإسلامية المستنيرة، وكان الأزهر بذلك من دعاة التقريب والوحدة الإسلامية، وهو ما تراجع عنه لاحقا فى العهدين الساداتى والناصرى.

كان العهد الناصرى يدرك قيمة الأزهر ودوره، وكان يرغب أيضا فى تطوير هذا الدور بما يخدم رسالته تجاه الأمة العربية والإسلامية، ولذلك أصدر القانون (رقم 103) الخاص بإعادة تنظيم الأزهر فى 22/6 عام1960، وحرص عبد الناصر على أن يضع الأزهر فى منزلته التى تليق به سواء على مستوى «الدور» أو «المكانة»؛ صحيح كانت ثمة سلبيات وأخطاء كبرى عند تطبيق قانون التطوير، إلا أن فلسفته كانت فى المجمل لصالح الأزهر، وكانت تستهدف إحياء دوره بعد أن كان قد قتل -تقريبا- فى عهد الملكية قبل الثورة، وفى هذا السياق يحدثنا التاريخ أن الأزهر دخل دائرة الاهتمام السياسى للنظام الجديد منذ الأيام الأولى له، فنجد الأزهر يطالب باسترداد ثمن الهدايا التى أعطيت للملك السابق، ونلمح تغييرات مباشرة فى مشيخته، فيقال الشيخ عبد المجيد سليم، ويعلن الشيخ الجديد عن تغيير وبرنامج شامل لإصلاح الأزهر ويبدأ دور الأزهر السياسى مع النظام الجديد، فتتغير القيادات أكثر من مرة، ويتولى عبد الرحمن تاج مشيخة الأزهر خلفا للخضر حسين، ويقال عبد اللطيف دراز ويتولى صالح موسى شرف سكرتير الأزهر بدلا منه، ويواكب تغيير القيادات، تغير آخر مقابل فى الاتجاهات والأدوار التى تناط بالأزهر، وعليه يلاحظ أنه فى عنف الأزمة التى يواجهها النظام السياسى، وصراع السلطة بين محمد نجيب وعبد الناصر يصدر شيخ الأزهر فتوى تقول بأن «الزعيم الذى يتعاون ضد بلاده ويخذل مواطنيه فإن الشريعة تقرر تجريده من شرف الوطن»، وعليه تتجه السلطة الجديدة بالمقابل إلى إعلان إنشاء معاهد دينية جديدة للأزهر وإلغاء قيود ووظائف الوعاظ والمراقبين والمدرسين وزيادة ميزانية الأزهر.

ويتطور دور الأزهر ليتواكب مع الأحداث السياسية الهامة التى تعيشها مصر، ليعلن تأييده لاتفاق الجلاء وللرئيس عبد الناصر، ويؤكد «أن صلابة وحدتنا على النضال والتضحية أخضعت المستعمر» ويتجادل دور الأزهر مع الأحداث السياسية داخل مصر ليعلن فى 15/2/1965، أول تعديل فعلى لقانون الأزهر بعد الثورة، وهو الخاص بتعديل المواد 75، 76، 104 من القانون الخاص بإعادة تنظيم الجامع الأزهر والتى تقضى بالتيسير على طلاب امتحانات النقل فى الأقسام الابتدائية والثانوية والخاصة بنشر الدعوة الإسلامية فى دول العالم، وواكب هذا التعديل تعيين الشيخ محمود شلتوت وكيلا للأزهر ثم شيخا له، وتعيين كمال الدين رفعت وزيرا لشؤون الأزهر والمعاهد الدينية، وكان هذا قمة التشابك بين دور الأزهر السياسى ورغبة النظام السياسى فى الإشراف عليه.

وعلى المستوى الفكرى هيأت ساحة العمل السياسى والفكرى لاستقبال قانون إعادة تنظيم الأزهر بسلسلة من المقالات حول الأزهر، بدأها الشيخ أحمد الشرباصى بمقال شامل فى «الأهرام» 3/11/1958 يطالب فيه بضرورة إحداث ثورة فى الأزهر وما حول الأزهر، ويرد عليه الشيخ عبد الحكم سرور بأن هناك فعلا ثورة داخل الأزهر، وبأن الأمل كبير فى رجال النهضة الحديثة فى جمهوريتنا العربية فى أن لا يتخلف أساتذة الأزهر وموظفون عن أقرانهم فى أية وزارة أو مصلحة، ثم دعوة صريحة بضرورة الالتفات إلى وضع المرأة فى الأزهر وإلى موقف الأزهر ورجاله وقوانينه منه، وضرورة تغييرها جميعا حتى نسمع أنهم لم يعودوا يرون فى «دخولنا الأزهر طالبات أو محاضرات أو مدرسات، إلا إحياء لسنة كريمة وتقاليد راسخة» والقول للدكتورة بنت الشاطئ فى «الأهرام» 17/11/1959، ويعلن بالأزهر بعد ذلك عن أن الأزهر سوف يدخل ميدان الفن، حيث يقدم 70 فنانا أزهريا عروضهم الفنية فى متحف الفن، ويعلن أيضا انتساب أول طالبة أمريكية مسلمة إلى الأزهر، ثم تبدأ نغمة التغيير فى الظهور تدريجيا، والاقتراحات تتزايد من قبل لجنة الشؤون الدينية للأزهر، وهى لجنة متفرعة من اللجنة الفنية الدائمة للمقترحات فى الاتحاد القومى ويرأسها كمال رفعت، ثم يعلن قبل قانون إعادة التنظيم بأيام قليلة عن فتح الأزهر أبوابه لقبول الفتاة وتعيين المدرسات فى هيئة تدريس الفتيات وتخصص فصول خاصة بهم ثم تنظم دراسات لرجال السلك السياسى وحملة المؤهلات العليا.

وكانت جميعها تغييرات مهدت لإعلان النظام السياسى لقراره فى يونيو 1961 بالقانون الجديد لإعادة تنظيم الأزهر.

ثورة القانون

أما قانون إعادة تنظيم الأزهر رقم 103: فى 22 يونيو 1961 أرسل الرئيس جمال عبد الناصر إلى رئيس مجلس الأمة خطابا كان نصه «أرسل إليكم صورة من مشروع القانون الخاص بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها لعرضه على مجلس الأمة لنظره على وجه الاستعجال».

وبالإضافة إلى المقدسات السياسية والفكرية التى سبقت إرسال هذه الرسالة وتمرير القانون فى نفس الجلسة يلاحظ أنه فى هذا التوقيت كانت مصر تستعد لاستقبال مرحلة هامة من تاريخها، حيث فى 28 سبتمبر من ذات العام حدث الانفصال بين سوريا ومصر، وفى يوليو من نفس العام أصدرت الثورة قوانينها الاشتراكية، وبعد أقل من عام صدر الميثاق الوطنى فى مايو 1962، أى أن المناخ السياسى العام كان يدفع البلاد دفعا إلى مزيد من الخطوات الثورية، وفى اتجاهات متعددة، بهدف تطوير المؤسسات القديمة خصوصا المؤسسات الدينية. والخصم التقليدى للنظام السياسى على الساحة الدينية لم يكن موجودا يومها، وهو «الإخوان المسلمين»، وعليه أتى الأزهر فى مقدمة هذه المؤسسات.

وحول الشكل العام للجلسة التى نوقش فيها مشروع القانون يقول الأستاذ/ فتحى رضوان فى مقابلة شخصية معه «لإجبار المجلس على الموافقة حضر رجال الثورة وجلسوا أمامنا على المنصة، وتحديدا كان على المنصة: أنور السادات وكمال الدين حسين وكمال رفعت وعلى يساره اثنان من رجال الأزهر هم محمد البهى ونور الحسن»، ويقول أيضا «وهدد أنور السادات المجلس عندما علت أصوات تعارض المشروع قائلا: كانت فى 23 يوليو 1952 ثورة والذين حاولوا الوقوف أمامها ديسوا بالأقدام، واليوم ثورة جديدة وسيصاب الذين يقفون أمامها بنفس المصير».

ويلاحظ أنه قد تغيب عن هذه الجلسة 179 عضوا أى نحو 49% من أعضاء المجلس وتوزعوا على النحو التالى: 42 عضوا غائبون بإجازة، 89 عضوا معتذرون، 48 عضوا غائبون بغير إجازة، وهو الأمر الذى يعطى دلالة أخرى حول وجود معارضة من بين أعضاء المجلس لهذا المشروع، ومن حيث المبدأ، لم يوجد بين الأعضاء الذين حضروا الجلسة من اعترض وفقا للوثائق الرسمية سوى النائب صلاح سعدة، وتقول الرواية الرسمية إن الخلاف بين الأعضاء كان حول كيفية الموافقة على المشروع: هل تكون بقراءة أرقام المواد أم نصها، وأن رئيس المجلس بالنيابة الذى كان وقتها محمد فؤاد جلال وكيل المجلس أمر بتشكيل لجنة خاصة لتقديم تقريرها حول هذا المشروع تمهيدا لإصداره، نظرا لعدم وجود لجنة مختصة بشؤون الأزهر والمعاهد الدينية، ولقد قدمت اللجنة تقريرا لم يختلف فى شىء عن النص الأصلى للمشروع.

المضمون والأهداف

أما من حيث مضمون القانون فقد حدد الهدف من التطوير بأنه إلغاء مواد وأحكام القانون رقم 26 لسنة 1936 الخاصة بإعادة تنظيم الجامع الأزهر والقوانين المكملة له والخاصة بإعطاء درجة من الاستقلالية لهذه المؤسسة الدينية، ثم يلى الإلغاء استبدالها بأحكام جديدة تعطى للدولة سيطرة أكبر على هذه المؤسسة (مادة 1)، وقد تمثل مضمون التطوير تعريف الأزهر بأنه الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التى تقوم على حفظ التراث العلمى والفكرى للأمة العربية وإظهار أثر العرب فى تطور الإنسانية وتقدمها (مادة 2) وأدخل التطوير أشكالا وتنظيمات جديدة على الأزهر كان أهمها:

المجلس الأعلى للأزهر.

المجمع العلمى للدراسات الإسلامية.

جامعة الأزهر.

إدارة الثقافة والبعوث الإسلامية.

المعاهد الأزهرية (مادة 8).

ويفصل القانون مهام هذه الهيئات، مؤكدا طريقة إدارتها واختيار أعضائها وقياداتها، وربطها بعملية التنمية والتغير الاجتماعى التى يعيشها المجتمع المصرى (المواد من 9-101 شاملة الباب الثانى حتى الباب السادس)، وكان لهذا التطوير دلالته السياسية الهامة من حيث تأكيده لسيطرة الدولة على الأزهر وتبدت سيطرة الحكومة فى العديد من النواحى:

أ- يعين لتصريف شؤون الأزهر وزير بقرار من رئيس الجمهورية (مادة 3)، ولهذا الوزير الحق فى أن يطلب إلى المجلس الأعلى للأزهر أو الإدارات أو الهيئات أو اللجان الفنية المختلفة التابعة له بحث موضوعات معينة لإبداء الرأى فيها أو اتخاذ قرار بشأنها، كما أن له كل السلطات المخولة للوزراء فى ما يتعلق بشؤون الأزهر وهيئاته المختلفة (مادة 3).

ب- قصر دور شيخ الأزهر على الشؤون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه فى كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية فى الأزهر وهيئاته، ويرأس المجلس الأعلى للأزهر (مادة 4).

ج- أعطى القانون رئيس الجمهورية حق تعيين شيخ الأزهر: سواء من بين هيئة المجمع العلمى للدراسات الإسلامية أو ممن تتوافر فيهم الصفات المشروطة فى أعضاء هذه الهيئة، وإن كان من قبل تعيينه ليس عضوا فى تلك الهيئة، صار بمقتضى هذا التعيين عضوا فيها (مادة 5).

د- أعطى القانون أيضا لرئيس الجمهورية الحق فى اختيار وكيل للأزهر من بين هيئة المجمع العلمى للدراسات الإسلامية أو ممن تتوافر فيهم الصفات المشروطة لأعضاء هذه الهيئة، وإن كان قبل تعيينه ليس عضوا فى هيئة المجمع صار بمقتضى هذا التعيين عضوا فيها، والوكيل يعاون شيخ الأزهر، ويقوم مقامه حين غيابه (مادة 7).

تقديم قانون إعادة تنظيم الأزهر:

بداية يجب التأكيد أن هذا القانون لم يأت منفصلا عن عدة تطورات سياسية ودينية قدمت له -كما سبق القول- وكان أهمها الرغبة فى إعادة ترتيب البيت المصرى من الداخل وإعادة توظيف دور المؤسسات الدينية التقليدية فى ضوء عملية التغير الاجتماعى التى زادت نغمتها مع بداية الستينيات، وعليه فإن عملية تقييم لقانون إعادة تنظيم الأزهر ينبغى أن تثير النقاط التالية:

1- يمكن النظر إلى موقف النظام السياسى الناصرى من المؤسسات الدينية الرسمية على أنه كان جزءا من موقف أشمل يتصل برؤية النظام لعلاقة الدين بقضايا المجتمع الحيوية والوظيفية التى يقوم بها فى مجال التنمية، ومنذ سنوات الثورة الأولى تحدث عبد الناصر عن الدين فى صورة التسامح والاعتدال وفى إطار من الوطنية التى تفرض على الجميع الولاء للنظام والتفانى فى خدمة المجتمع، ولم يكن حديث عبد الناصر عن الدين حديثا عن الدين والعقيدة فى ذاتها، وإنما فى إطار الإصلاح وإثارة الحس الوطنى الجديد، ففى 18 أبريل 1953 يتحدث فى المعهد الدينى بالإسكندرية مذكرا رجال الدين بدورهم فى الماضى فى رفع شعار الحرية والجهاد ضد الاستعمار ودعاهم إلى التعاون مع رجال الجيش لاستئناف الجهاد حتى تنال مصر حريتها واستقلالها «فلتضعوا أيديكم فى أيدينا ولنجاهد معا فى سبيل تحرير مصر فإن لكم رسالة عظمى، أننا لن نسمح بعد اليوم للفساد أن يقوم، ولن يسمح رجال الدين أن يقوم فى مصر فساد أو طغيان»، وناشد فى مناسبات تالية رجال الأزهر خصوصا بالاضطلاع بدور بارز فى مشروعات الإصلاح الجديدة، حيث يقول عبد الناصر فى هذا الشأن «رسالة الأزهر ليست فى مصر، وليست فى الأزهر، وإنما فى القرى والنجوع والتجمعات لتنصحوا ولترشدوا، وهذه الدعوة وهذا الإرشاد يجب أن يكون بيننا بدلا من أن نشكو من الاستعمار ولا يمكن أن نلقى العبء على الحكومة وحدها إنما نحتاج إلى جهود رجال الأزهر» خطابه بتاريخ 18/4/1953.

2 - فى إطار هذه الرؤية لعبد الناصر، كان الأزهر وباعتباره أكبر المؤسسات الدينية فى مصر والعالم الإسلامى يحتاج إلى تدخل لإصلاحه حتى يتم ربطه بالاتجاهات الجديدة فى المجتمع، وبدأ بعض رجال الدين الموالين للثورة يتحدثون عن سوء الأحوال داخل الأزهر من حيث برامجه العلمية ونظامه الإدارى وإمكانات التعليم فيه مثل أحمد عبده الشرباصى والدكتورة بنت الشاطئ التى طالبت بدخول المرأة الأزهر طالبة أو محاضرة أو مدرسة. وبناء على هذا تكونت عام 1961 لجنة تفرعت عن اللجنة الفنية الدائمة للمقترحات فى الاتحاد القومى سميت بلجنة الشؤون الدينية والأزهر، وأعدت تقريرا بالتنظيمات المطلوبة، وكان فى مقدمتها: إعادة التنظيم الإدارى الداخلى للأزهر، بحيث يكفل تفرغ شيخ الجامع الأزهر وعلماء الأزهر لرسائلهم الدينية وتخريج العلماء وتوثيق الروابط الثقافية والعلمية فى الجامعات والهيئات العلمية الإسلامية والعربية والأجنبية من خلال جامعة الأزهر وغيرها من التعديلات التى سبق إيضاحها والتى أتت بعد صدور القانون.

3- بيد أن هذه التغيرات لم تكن بدون سابقة فى التاريخ المصرى، فلقد سبق أن قام بما يشبهها، محمد على فى بدايات القرن التاسع عشر، حين اتخذ الأزهر كأداة للوصول إلى السلطة من خلال مبايعة عمر مكرم له، ثم أداة لخدمة المؤسسة العسكرية، ثم طلب من العلماء تأييد برنامجه عن طريق إصدار الفتاوى وتسويغ القرارات السياسية للدولة باستخدام الدين، ورغم أن هذا النموذج لم يتكرر بعد ذلك كاملا فى التاريخ المصرى فإننا نجد أن منصب شيخ الجامع الأزهر تعرض لعوامل الخلاف السياسى والحزبى ونزعات الملك الشخصية قبل الثورة، وكان تعيينه يتم بأمر ملكى، فى حين أن مطالب الأزهريين كانت أن يتم بالانتخاب، ولم تزعن الحكومة آنذاك لمطالبهم، وبالنظر إلى قانون 1961 يتضح أن عبد الناصر كان قد قرر أن يخضع الأزهر لسلطة الحكومة بوجه أشمل، فهو الذى يعين شيخ الجامع الأزهر، كما أن برامج الأزهر وإدارته ليس لها الاستقلال الكامل عن بقية جوانب السياسة العامة للدولة بل هى جزء منها، وعلى الرغم من النص فى القانون السابق على أن لشيخ الأزهر السلطة الكاملة فى كل ما يتعلق بالشؤون الدينية فإنه من الناحية العملية لم يتحقق له ذلك، حيث كان وزير الأوقاف والأزهر أو وزير الأزهر صاحب الكلمة الأولى، ولم يحدث فى تاريخ الفترة سوى استثناء واحد عام 1966 حين قرر عبد الفتاح حسن وزير شؤون الأزهر أن تعرض جميع القرارات والمسائل الخاصة بالأزهر على حسن مأمون شيخ الأزهر آنذاك قبل عرضها عليه.

4 - ومقابل هذه القيود قامت الدولة بالعناية الملموسة بالأزهر، فبعد أن كانت ميزانيته عام 1952 لا تتجاوز مليونا و537 ألف جنيه، إذ بها تصل عام 1966 إلى 3 ملايين و291 ألف جنيه، وكان بالأزهر 25 معهدا دينيا وصلت فى عام 1966 إلى 37 معهدا.

وكان به 22.135 ألف طالب وصلوا فى عام 1966 أيضا إلى 31.566 ألف طالب، ووصل عدد المبعوثين فى الخارج إلى نحو 200 عالم، وبنى الأزهر مدينة للبعوث الإسلامية بتكاليف مليونى جنيه، وقد يكون هذا الإنفاق على الأزهر بهذا القدر ذا حدين، فقد تلاشت فى ظله حرية الأزهر واستقلاله الذى تمتع به وقت أن كانت ميزانيته مستقلة نسبيا عن الدولة قبل الثورة، وأصبح رجاله موظفين فى الدولة حريصين على المناصب الحكومية إلى درجة الوزير، وكان عليهم أن يدفعوا الثمن لهذا الدور الجديد طاعة مستمرة، واجتهادا دؤوبا فى استخراج ما يضفى الشرعية على سلوكيات وسياسات النظام الجديد التى كانت فى تصورنا بغير حاجة إلى إثبات شرعية، لأنها استمدتها بالفعل من قبل الإنجازات الحية التى أحدثتها بالمجتمع.

وأيا كان التقييم الذى يساق بشأن الإغداق المادى على الأزهر بإصدار قانون تنظيمه، وأيا كان التقييم الذى يثار بشأن هذا القانون على وجه العموم فإننا نخلص إلى أن الهدف الأساسى للنظام من إصدار مثل هذا القانون هو ضرورة أن تتسق حركة هذه المؤسسة الدينية الهامة مع توجهات عملية التنمية بأشكالها المختلفة أيضا ضرورة أن تتسق حركتها مع رغبة النظام السياسى فى إعادة ترتيب البيت المصرى من الداخل وفق مفاهيمه الثورية التى بدأت فى التبلور مع السنوات الأولى للستينيات.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر