الراصد القديم

2014/01/04

في البحث عن خيارات قومية جديدة !!



اسماعيل ابو البندورة

في مثل هذه الأحوال المضطربة التي تمر بها الأمة العربية يكون من المناسب والواقعي واللازم التفكير بمحاصرة 'بيئة الأزمة ' التي نشأت بعد الحراك الشعبي في أكثر من قطر عربي والبحث عن خيارات جديدة، والعمل على بناء حياة سياسية مختلفة تكون غايتها تجاوز تراث وتركة الماضي القريب الملّبد بكل أشكال التناقضات، والتخلص من ثقافاته التناحرية واشكالياته المزمنة، والبدء في حوارات نوعية من أجل اشتقاق بيئة وأرضية ومكونات لحياة سياسية مغايرة تعلو فيها كلمة الوعي التاريخي والقومي التوحيدي النهضوي المتعالي، ويخمد فيها الوعي المشوّه والشقي، وخلافات الماضي والتباساته واشكالياته بموازين العقل والعقلانية، لكي تبدأ في أفقنا الأسئلة الجديدة الاستنهاضية الحافزة والساعية الى تطوير الواقع العربي الراهن والسير به قدما نحو التوافق والانسجام والانتهاض والتعقلن ونبذ الشقاق والتجاذب والانقسام والعنف والتجابه المدمّر .

وأمامنا ( لغايات العبرة والمراجعة والمقارنة والتبصّر ) تاريخ حافل لشعوب وأمم اشتعلت بداخلها حروب وحرائق وتناقضات وقادتها الى الاقتتال والافناء والفشل في لحظة من لحظات التاريخ، أو وضعتها على هامش التاريخ في لحظات محددة، ولكنها استعادت وعيها تحت ضغوط والحاحات الحفاظ على مكانتها وموقعها ووجودها التاريخي، وعادت لتسأل عن حاضرها ومستقبلها ومصائرها بأثر رجعي وبطريقة عقلانية تجاوزية، وبدأ فيها حسّ فهم وصياغة وصناعة التاريخ الجديد والانتقال على ضوء ذلك وجوبا وحكما من التجابه الى التوافق والانسجام، وترتيب عقلها السياسي الوطني الجمعي بطرائق تحدد الأولويات والثانويات بصيغة وأفق استراتيجي دقيق، والخيارات والتحديات بطريقة برامجية ومرحلية واقعية تأخذ بعين الاعتبار المؤثرات والتفاعلات المختلفة التي تربك البرامج والخطط وتأخذها في بعض الأحيان الى أمكنة أخرى بعيدة ومنفلتة .

وكان كل ذلك يجري في أطر وسياقات من الاستبصارات والحوارات الايجابية العميقة والنقدية المؤسّسة على التفاهم والتسامح والتصالح، والحق في الاختلاف وشرعيته، والساعية الى الوصول الى نتائج واقعية تأخذ المجتمع الى الأمام، ولا تبقيه في متاهاته واضطراباته الى أبد الآبدين .

اذن، هناك امكانية لكي نقرأ ونتعلم ونعاين تجارب التاريخ والأمم، وهناك امكانية مفتوحة لكي نبدأ ولو جاء البدء متأخرا بالقياسات الزمنية، وليس بالضرورة أن تكون البداية من نقاط صفرية أو ماتحت صفرية، وانما من حقائق ومعطيات فيها قابليات وممكنات ايجابية كانت قد تأتت حينا من الدهر ولاتزال تتراكم في هذا التاريخ العربي، ولكنها كانت بفعل عوامل داخلية وخارجية تعود لتتبعثر وتولّد فوضى الأفكار المستديم، وتضعنا في لجج المتاهات والظلامية . ولذا ترانا نحاول دائما اشتقاق واجباتنا المعرفية ومهماتنا التنويرية المتواصلة من هذا النسق الفكري وفي هذا السياق النضالي، باعادة ترتيب هذه النقاط وهذه اللحظات القومية الايجابية لتكون أرضية لحوار مستقبلي ومساحة تقام عليها اسئلة الحاضر والمستقبل ونويات لمشروع تاريخي ينقذ الأمة من الضياع والانسداد والانحصار في عنق الزجاجة المزمن.

هناك الحاحات ضاغطة هنا والآن لكي نبدأ هذا السياق والنسق والمسار النضالي - المعرفي، لكي لا نبقى في دوامة هذا الصراع والتأزم، وهنالك دعوات شعبية حارّة تنطلق من هنا وهناك لضبط وعقلنة هذا الواقع العربي واقتلاع لا عقلانيته، ووقف الانحدار والتراجع في مساراته، وهي دعوات ترنو الى تحديد نقاط بداية استنهاضية وحافزة، والتوحد في مشروع قومي يستمد معانيه من التاريخ المباشر للأمة تتأسس عليه الانطلاقة والأفكار الجديدة المفترضة بعد السير في عملية تفكيك تاريخية لهذا الانحسار والانسداد وأسبابه واستنباط مخرجات استنهاضية مغايرة، ومراجعة كافة محطات الاعاقة والتثبيط، وافتتاح حقل جديد في النقد والمراجعة الخلاقة، وخلق آفاق جديدة للتجاوز . وليس هذا بعسير أو مستحيل اذا توفرت الارادة الحقيقية لذلك، والفهم التاريخي الخلاق للمرحلة وضروراتها لدى قوى وتيارات الأمة .

وليس فيما نقول وما ندعو اليه دعوة أو صيحة مثالية وتجريدية وشطح سياسي من وحي الخيال ورومانسية الفكر والتفكير، وانما هو في صميم عملية البحث عن آفاق جديدة للتجاوز، ولأنه يتعذر على أي أمة أن تبدأ دون هذه النقلات والصحوات والتحولات النوعية في فكرها وواقعها، ففكر النقد والمراجعة هو من قاد الأمم الى معرفة ذاتها وامكانياتها وهو من قادها الى دروب النهضة والتقدم ووضعها على سكة التاريخ وفي صميمه بعد أن مرت بمخاضات وتعقيدات وتراجعات كبيرة .

تدخل الأمة الآن في مرحلة جديدة ليست في حقيقتها وجوهرها مجرد مرحلة وصراعات وتناقضات سياسية وحسب، وانما هي عملية تاريخية كبرى ومفصلية فيها اسئلة وتساؤلات متجددة، واندفاعة وتمرد يمتد الى الاقتصاد والثقافة والمعرفة والاجتماع وكل مناحي الحياة العربية، وهو يتضمن انقلابا على السائد العربي بكل ألوانه، ولذا أصبح أمر مقاربتها والتعامل معها مختلفا في جوهره ومعطياته، فما حدث خلال الثلاثة أعوام الأخيرة ولايزال يحدث ليس سحابة صيف عابرة أو أمطارا موسمية سرعان ما تتوقف كما قد يتصور البعض وحسب، وانما هو محاولة وانتفاضة كبرى للتغيير تعرضت في مساراتها الى مداخلات واستدخالات ومؤثرات جعلتها تبدو فوضى وتشتتا واقتتالا أعمى، وأحبطت عملية التغيير المرتجاة والمفترضة ولكنها على الرغم من كل ذلك لم تخمد شعلتها وجذوتها مع أنها قد أدخلتها في متاهات وشبهات متعددة لا تنتهي .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر