الراصد القديم

2014/02/01

الناصرية .. والإسلام .. رؤى مستنيرة ومنهج صحيح (5/5): عبد الناصر والصوفية



 
د. رفعت سيد أحمد

تعامل عبد الناصر مع الطرق الصوفية فى عهده وفق عقد غير مكتوب ، يطلق لهم فيه أدواراً دينية محددة مقابل تأييدهم له فى كافة معاركه السياسية الداخلية والخارجية
الطرق الصوفية فى عهد الثورة أيدت الاشتراكية ولم تر فيها خروجاً عن الإسلام وأيدت القومية العربية ، وساندت عبد الناصر قبل هزيمة 1967 وبعدها
علاقة عبد الناصر بالطرق الصوفية كان يحكمها عقد غير مكتوب ، يتمثل فى إعطاءهم الحرية العبادية وحرية العمل الاجتماعى مقابل مناصرتهم له ولمشروعه الثورى التحررى !

كانت الفترة الناصرية ، هى أخصب فترات التاريخ المصرى الحديث فى مجال جدل العلاقة بين الدين (عقيدة ومؤسسات وثقافة) والدولة التى كان يقودها زعيم يتمتع بكاريزمة استثنائية لم تحدث لسلفه أو لخلفه من حكام مصر ، وفى هذه الحلقة الأخيرة ، ندرس واحد من تجليات تلك العلاقة بين الدين والدولة ، وهو وجه علاقة النظام ورؤيته بالطرق الصوفية تلك الجماعات التى تمثل أحد أبرز قوى المجتمع الإسلامى المصرى غير السياسية ، ترى كيف كانت العلاقة وما هى أبعادها وأسرارها التى لازلنا نجهلها حتى اليوم ، رغم كثرة ما كتب عن الثورة ، وعن تلك الجماعات والطرق الصوفية . إنها العلاقة التى نحتاجها ونحن فى أجواء ثورة 30 يونيو 2013 خاصة بعد أن تجاهلهم بل وعاداهم الإخوان والسلفيين خلال حكم الدكتور محمد مرسى .
فى البداية يحدثنا التاريخ أن الطرق الصوفية كان لها فى المجتمع المصرى عبر تاريخها الطويل ، والذى بدأ مع مقتل الإمام الحسين بن على بالعراق ورحيل أهله إلى مصر ، ونشأة المتشيعين لهم والمتباكين على مقتل الإمام الحسين ، أثر سياسى واجتماعى هام على تشكيل الشخصية المصرية وبالذات فى القرى المصرية وفى الأوساط الشعبية المصرية ، وخاصة إذا علمنا أن عددها فى مصر قد بلغ قرابة الـ 60 طريقة إبان الحقبة الناصرية تحتوى 3 ملايين مواطن بالإضافة إلى الأشكال والتنظيمات المساندة لحركتها .
ولعبت الطرق الصوفية خلال القرن الحالى دوراً مزدوجاً فى قضايا الديمقراطية والاستقلال والتنمية والصراع الخارجى ، إذ تميز دورها فى أغلبه بالتبرير لسياسات الحاكم والمساندة الروحية له من ناحية ، كما تميز بكونه أداة ضابطة لممارسات السلطة وخاصة تجاه بعض الأمور الدينية كقضايا الأحوال الشخصية من ناحية أخرى ، وكان للقدرات التى تتمتع بها الطرق الصوفية فى التأثير على أتباعها وخاصة فى توجيه طاقتهم السياسية وجهة صوفية بعيدة نسبياً عن أساليب العنف والرفض التى ميزت التيارات الأخرى ، وبالأخص الإخوان المسلمين ، أثراً كبيراً فى المجتمع ، ولقد قوبلت هذه الدعوة بإقبال متزايد من الجماهير ، ويعود ذلك إلى عوامل متعددة ، تأتى فى مقدمتها المعاناة الاقتصادية والقهر السياسى ، وبعض الموروثات الثقافية القديمة منذ عهد الفراعنة ، وجميعها وجدت تجاوباً جماهيرياً مع هذه الطرق ، ويمكن تلمس أبعاد العلاقة بين النظام السياسى الناصرى والطرق الصوفية من خلال مستويين من التحليل :
الأول : فكرى ويحدد مدركات الطرق الصوفية تجاه القضايا السياسية الملحة فى هذه الفترة والتى تحدد بالتالى موقفهم الفكرى أو النظرى من النظام السياسى .
الثانى : عملى ويشير إلى المواقف العملية للطرق الصوفية خلال هذه الفترة تجاه القضايا والأزمات السياسية وقتها .
المستوى الفكرى
يمكن تلمس أبعاد هذا المستوى من خلال تحليل رؤية الطرق الصوفية لكل من القضايا الداخلية الاجتماعية والسياسية كالاشتراكية والديمقراطية والقضايا الخارجية السياسية كالقومية العربية والمواجهة مع الصراع الخارجى .
أما بخصوص القضايا الداخلية فقد كان للطرق الصوفية موقف مؤيد للنظام السياسى الناصرى تجاه أغلب هذه القضايا ، وإن بدا فى بعض الفترات القليلة أن للطرق الصوفية موقفها المخالف لتوجهات النظام فإن هذا لا يخفى التوجه العام الذى ميز رؤيتهم فالاشتراكية تمثل لديهم : " نوعاً من السمو بكرامة المواطنين جميعاً ، ولقد وجهت الجمهورية العربية شطراً من عنايتها لتقريب المسافات بين غنيهم وفقيرهم ، حتى يكون الجميع سواء فى حق الحياة وحتى تتوثق الرابطة بينهم ، ومن المعلوم أن هذه نقطة أساسية فى برنامج الإسلام فقد حض على البذل ووضع الثروة فى مكانها من عدد الحياة ، وحذر من كنز الأموال وسن للأغنياء السبل إلى الإيثار والإعطاء ، وأبعد الفقراء شعور الحرمان ومرارة العوز وجهود الخلفاء معروفة فى تعهد هذه الناحية فى الرعية " (مجلة الإسلام والتصوف سبتمبر 1961 ) .
والاشتراكية عند الصوفية ليست دعوة إلى تقنين الالحاد أو التحلل من بعض قيمنا الخلقية والتى نعتز بها كمسلمين وكعرب بل وكبشر " فإن اشتراكيتنا مؤمنة لا ملحدة ، فاضلة لا فاجرة اشتراكية قوم يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله " وعبد الناصر لديهم هو :
"
قائد البعث العربى وموجه تاريخنا ، ومحرر الشعب العربى من أسار المواريث الرجعية ومن قيود الطبقية الاستغلالية وهو الذى وقف ليعلن حق الانسان فى حياة فاضلة ، وفى عمل شريف وفى مجتمع تتكافأ فيه الفرص ، وتتساوى فيه الأقدار وتتعاون فيه الطاقات ، مجتمع يسير على تخطيط هادف وعلى منهج محدد يستهدف التوازن الاقتصادى والعدل الاجتماعى والبعث والانطلاق للقوى الشعبية العاملة "  (الإسلام والتصوف سبتمبر 1961 ) .
وتصل قيمة العدل لدى الطرق الصوفية إلى قمتها عندما يصبح كما يقولون هو جوهر الرسالة الإسلامية وهو مفتاح السعادة للبشر ، وهو ما يتمشى فى واقع الأمر مع رؤية النظام السياسى وقتها ، وأشارت الكتابات إلى قضية التعليم ، وضرورة التربية للطلاب ، وأن تحتوى المناهج التعليمية على الجرعة الدينية الكافية ، وهنا تطالب للطرق الصوفية بأن على " السادة المربين أن يوجهوا نظر تلاميذهم إلى الأنوار المتلالئة فى آيات القرآن الكريم ، وأن يعلموا تلاميذهم أن كتاب الله كتاب هداية ربانية وحياة إنسانية إيجابية مثالية والحديث لشيخ مشايخ الطرق الصوفية محمد علوان فى [ عدد ديسمبر 1960 من الإسلام والتصوف ] .
وواجب طالب العلم فى أدب الطرق الصوفية أن ينظر للعلم نظرة تقديس وإجلال واحترام وأن يعلم أن العلم جهاد للكمال وأن طاعة الله تعين على العلم وأن رياضة الروح تفتح عين القلب، وعين العقل ، وأن العلم إذ وصل أن العلم جهاد للكمال وأن طاعة الله تعين على العلم وأن رياضة الروح تفتح عين القلب ، وعين العقل ، وأن العلم إذ وصل الى نفس شريرة غدا شراً على نفسه وعلى الانسانية كافة ، فالعلم فى الإسلام ليس بمهنة أو حرفة أنه رسالة ولهذه الرسالة أهداف إنسانية ، وطلب العلم فى نظر الإسلام جهاد فى سبيل الله .
ويلاحظ على موقف الطرق الصوفية من قضية التعليم أنها تعمدت إغفال دور الدولة ، وركزت الحديث على طلب العلم وعلى المعلم ، وعلى رسالة العلم ، أما دور النظام السياسى فى هذه العملية ، فلم تشر إليه أدبيات الصوفية ، ولقد واكب الدعوة للعلم هذه دعوة موازية إلى تخليص المجتمع من الخرافات ، وبالأخص تخليص الطرق الصوفية مما علق بها من شوائب ودعوات لأتمت إلى صلب منهجها بصلة .
الحاكم والمحكوم
أما بخصوص علاقة الحاكم بالمحكوم فتشير بعض الكتابات الصوفية خلال هذه الفترة أنه قد بنى الحكم فى الإسلام وفق أسس واضحة :
"
بنى الحكم فى الدولة الإسلامية على أساس العدل والمساواة وأن يكون اختيار الحاكم على أساس الشورى وحكمه على أساس الشورى ، كما أن على الحاكم أن يلاحظ مصلحة الجماعة المادية والأدبية فلا يرهق أحداً من أمره عسراً ، ودعا إلى رفق الوالى والمفاسد .. وهكذا نجد تلك النصوص قد أقامت المجتمع فى الدولة الإسلامية التى تضم المسلم وغير المسلم على أساس من العدالة والرفق والشورى والمصلحة والتعاون ومنع الفساد والآثام التى تفتك بالمجتمع " [ مجلة الإسلام والتصوف ديسمبر 1960 ] .
وهى ذات الدعوى التى طالبت بها الطرق الصوفية عند الحديث عن وضع الدستور الجديد حيث ينبغى أن ينص الدستور على أن يكون مصدر قوانيننا وتشريعاتنا الإسلام وما يتلاءم مع أهدافه وغاياته .
وفى هذه القضية نرى تأكيد الطرق الصوفية على مسألة العموميات حيث لا نجد تفاصيله لعملية تنظيم المجتمع إسلامياً ، وحيث ما يهم هو الإشارة إلى أن الإسلام الدين الرسمى للدولة دونما تحديد الكيفية التى يتم بها هذا ، ولم يكن فى أى من هذه ما يتناقض مع التوجهات الفكرية العامة للنظام السياسى .
أما بالنسبة للقضايا الخارجية فقد كان للطرق الصوفية رؤيتها تجاه بعض القضايا التى عاشتها مصر إبان الفترة (1952 – 1970) ، وكانت قضية القومية العربية من أهم القضايا التى شغلت القوى الدينية والسياسية على اختلافها ، وكان للطرق الصوفية رؤيتها تجاه هذه القضية حيث :
"
العروبة التى ننادى بها ليست حركة جنس أو لون إنما حركة بعث لأمة كبرى تحتل أخطر منطقة فى الكوكب الأرضى وتمثل أرضها قلب العالم النابض وتمثل فوق هذا كله ، أنها أرض النبوات والرسالات ، أرض الإشعاع الروحى الذى تهفو إليه الإنسانية ، وتزود منه بيقينها وإيمانها ، انها حركة مبادىء تستند إلى مواريث خالدة ، وتصور لونا من الحضارة المؤمنة ، وتقدم منهجاً لأمن الانسانية وسعادتها وأخوة الإنسان وتعاونه من أبناء البشرية كافة (الإسلام والتصوف – ديسمبر 1960 ). 
الصوفية وقراءة التاريخ العربى
وقراءة الطرق الصوفية للتاريخ العربى نبهتهم إلى ثلاثة عوامل كان لها أثرها فى نشأة القومية العربية الأول : ما كان بين صحراء الجزيرة والبيئات المجاورة لها من اتصال فى القديم ، والثانى : السبق الحضارى الذى جعل من بعض بلاد تلك المنطقة تربة صالحة لنمو مدينة عالمية راقية ، والثالث الدين الذى أضفى على تلك المنطقة صفاء وروحانية ووضع لها أصول نهضة تشريعية وفكرية جديدة ، وأمدها – كما يقولون بالأداة الثقافية الضرورية للرقى الفكرى والاجتماعى وهى اللغة الخصبة الموحدة.[مجلة الإسلام والتصوف عدد يناير 1961].
وتأكيداً لمواكبة الفكر الصوفى لتطورات قضية القومية العربية والوحدة نشرت مجلة الإسلام والتصوف خلال الستينات تفصيلاً لعلاقة مصر بالبلدان العربية والمجاورة كالسودان وتونس والجزائر واليمن وحجم ونوعية العلاقة بينهم ذلك فى باب ثابت بعنوان " اعرف بلادك العربية " .
وكان للطرق الصوفية موقفها الفكرى أيضاً تجاه قضايا المواجهة ضد العدوان الخارجى وتبدى هذا فى اعلانها على لسان شيخ مشايخ الطرق الصوفية إبان العدوان الثلاثى على مصر بأن : " اليوم الأمة العربية تدوى من حولها العواصف ويتربص بها جبابرة عتاة بغاة فيا أيها المتصوفة فى كل مكان أن عبادة الله لا يستقيم ميزانها إلا بالجهاد فى سبيل الله ، فى سبيل خير أمتكم ، ورفاهية شعبكم وحماية وطنكم .
ويدعوهم بوضوح إلى أن يتقدموا الصفوف ، صفوف المجاهدين بأخلاقهم وإيمانهم وإيثار قلوبهم وصدورهم ، وعند الاحتفال بالانتصار الذى قاده عبد الناصر يصبح هذا الانتصار عيد للإنسانية وللحرية العالمية ، وللتحول التاريخى ، وهى ذات المواقف التى تبدت أثناء أزمة 1967 التى اعتبرتها الطرق الصوفية شكلاً من أشكال المواجهة مع أوروبا،ودعت إلى استقاء خيرة صلاح الدين الأيوبى نتيجة تماثلها مع أحداث الفترة التى عاصرت مواجهة واضحة مع الغرب ممثلاً فى الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها (الإسلام والتصوف فبراير 1961) .
الصوفية والدعم العملى لعبد الناصر
فى سبتمبر 1959 وجه الشيخ / محمد محمود علوان شيخ مشايخ الطرق الصوفية بياناً إلى الأمة العربية قال فيه " ان معركة القومية العربية الدائرة الرحى الآن فى العراق ليست معركة العراق وحده بل هى معركة العالم العربى كافة وندد بالنكسة الرجعية وحمامات الدم ، وأكد أنها تشكل خطراً على الكيان العربى كله وعلى مقدساته وعقائده وميراثه الروحى ، وفى نفس الوقت دعا المجلس الصوفى الأعلى ، الطرق الصوفية إلى منع النساء من حضور حفلاتها المختلفة ، وكذلك أى مظهر من مظاهر الشعوذة ومن وقتها بدأ الإسهام السياسى للطرق الصوفية فى شئون المجتمع .
وتذكر وثائق الحقبة الناصرية أنه كانت هناك نوايا إلى إعادة تجميع الطرق الصوفية التى وصلت إلى 60 طريقة تضم 3 ملايين مواطن فى عام 1963 ، تحت تنظيم جديد وبأهداف جديدة تتفق وقيم المجتمع الاشتراكى وأن يقضى هذا التنظيم كما نوه رئيس المجلس الصوفى بإنشاء مراكز ثقافية توجيهية لتدريب رجال الطرق وتجريد التقاليد الصوفية مما علق بها وتنظيم كتائب للخدمات الدينية والاجتماعية النافعة للشعب .
وإبان أحداث الصدام بين النظام السياسى والإخوان المسلمين عام 1965 ، كانت الطرق الصوفية إلى جانب النظام ، حيث أصدر الشيخ محمد محمود علوان بياناً فى مولد الإمام الرفاعى أعلن فيه أن رسالة التصوف هى الدعوة إلى الأمن والسلام ومحاربة أساليب العنف والإرهاب وأن الإسلام حرم التآمر فى الخفاء والمفاجأة بالإثم والعدوان وقبل الاحتفالات بأعياد الثورة كان للطرق الصوفية موقفها أيضاً حين أصدر شيخها أمراً ينوه فيه حول ضرورة أن يكون الاحتفال مهيب ويتفق وجلال المناسبة .
وكان لابد أن تصدر محاولات شتى لتطوير النظام الداخلى للطرق الصوفية ، وأن كانت فى أغلبها لم تأت بنتيجة عملية إلا على عهد السادات (عام 1976) ، مثل ذلك المؤتمر العام الذى عقدته الطرق الصوفية بالمقر الرئيسى للاتحاد الاشتراكى لمناقشة تطوير الطرق الصوفية فى ظل النظام الاشتراكى ، وقدم شيخ مشايخ الطرق الصوفية فى بداية المؤتمر اللائحة الجديدة المعدلة لكمال الدين رفعت أمين الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكى ، وأعلن شيخ المشايخ تطهير صفوف رجال الطرق الصوفية – من كل العادات والبدع التى تتنافى مع الإسلام ، كما أعلن عن إنشاء لجان لشئون العالم الإسلامى رسالتها الاتصال بجميع الطرق الصوفية فى أنحاء العالم الإسلامى وجمعها على كلمة الله فى إطار الإيمان والعمل الصالح لخير المجتمع الإسلامى " الأهرام بتاريخ 23/11/1966 .
وطالب كمال الدين رفعت – فى نفس الاجتماع – أعضاء المؤتمر من رجال الطرق الصوفية بضرورة الاهتمام بالتوجيه الدينى الصحيح للشعب فى أنحاء الريف ، وقال أن الدين ليس إرثاً وأن العمل أساس الجزاء فى الدنيا والآخرة ودعا إلى محاربة التعطل بالوراثة أو التكسب واستغلال الشعب باسم الدين وترك التواكل والسلبية والعمل الإيجابى المستمر وتواصلا مع الدور السياسى للطرق الصوفية أصدر المجلس الأعلى للطرق الصوفية بياناً فى أبريل 1967 يستنكر فيه المؤامرات الرجعية للملك فيصل وشاه إيران والملك حسين والرئيس بورقيبة ضد الثورة الناصرية وتقدمها العربى الملحوظ وقتئذ .
وقبل النكسة – يونيو 1967 – بأيام قليلة ، وتحديداً فى 27/5/1967 ، أصدر شيخ مشايخ الطرق الصوفية بياناً هاماً يبرر فيه إصدار الرئيس عبد الناصر أوامره لقوات الطوارىء الدولية كى تنسحب من سيناء ، وإغلاق خليج العقبة ، وفسر هذه القرارات الهامة بقوله :
"
أنى أريد أن أوضح لكم – يقصد هنا أفراد الطرق الصوفية فى مصر – أهمية هذا القرار يغلق خليج العقبة فى وجه إسرائيل ، ولماذا فقدت صوابها وترنحت من حول اللطمة .. ذلك لأن لهذا القرار نتيجتين هامتين : الأولى .. أن سفنهم ولاسيما حاملات البترول ستضطر للمرور حول أفريقيا عن طريق جبل طارق ثم تجتاز هذا البحر كله عرضاً حتى تصل إلى موانيهم ، وهى تستغرق ما بين أسبوعين أو ثلاثة ما كانت تستهلكه لو أنها مرت عن طريق العقبة القصير .. الثانية .. أن خط أنابيب البترول الذى مدوه من خليج العقبة إلى حيفا وغيرها على البحر المتوسط قرار تاريخى حيث سيتعطل عن العمل ويأكله الصدأ .. ان هذا القرار قرار تاريخى عظيم ، جعله الله حسرة فى قلوبهم ، وختم به على أفئدتهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم .. وإن أرادوها فارعة فنحن والعرب والمسلمون لها وأسودنا واقفة تحترق شوقاً إلى الأمر بالإنطلاق وراء العدو .
ويحدد المطلوب الآن من الطرق الصوفية فى ثلاثة مطالب : الأول أن تثق بالقيادات ثقة قوية مضاعفة ، والثانى : أن يأخذ كل منهم مكانه فى الحرس الوطنى أو الدفاع المدنى ، والثالث أن يكرروا ما صنعوه بالعدو إبان العدوان الثلاثى عام 1956 من صلابة وشجاعة وإيمان .
وتأتى أحداث النكسة لتخلق واقعاً مغايراً للذى ابتغاه شيخ مشايخ الطرق الصوفية فى رسالته إلى أبناء الطرق جميعاً ، وهو الواقع الذى اتسم بتوجيه الانتباه إلى أهمية المسائل الروحية ، وأهمية أن يجمع الطرق الصوفية التى وصل عددها إلى 65 طريقة ، طريق واحد وفقاً لرؤية شيخها الجديد محمود الطوخى ، وتتأخر مؤقتاً المسائل السياسية فى برامجه ، والتى وصلت أوجها كما سبق القول قبل أحداث النكسة بأيام قليلة .
وفى ديسمبر 1967 سار أكبر موكب صوفى رسمى فى مصر تأييداً للقيادة السياسية فى أعقاب هزيمة 1967 مما يؤكد على استمرارية دورها القديم فى تأييد النظام السياسى ، وخاصة فى أوقات الأزمات السياسية الداخلية أو الخارجية .
وهكذا فمن واقع أفكار وممارسات الطرق الصوفية يتبين أنها تبنت سياسات أتت فى أغلبها مؤيدة للنظام السياسى وإن بدا فى الأفق خلافاً حول بعض الأمور الدينية الخاصة بالأحوال الشخصية وهذا ما حدا بالنظام السياسى إلى عدم الأخذ بمشروع القانون الخاص بتعديل المادة 103 من قانون الأحوال الشخصية – فى أبريل 1967 .ولقد كانت للطرق الصوفية مواقفها الواضحة إبان أزمات الصدام مع الإخوان المسلمين وإبان عدوان 1956 ، وقبل هزيمة 1967 ، فكانت مؤتمراتها وبياناتها تعكس هذا الموقف المؤيد للنظام السياسى .

تلك بعض جوانب علاقة عبد الناصر بالإسلام (عقيدةثقافة – مدركات – جماعات وتيارات) وهى علاقة لاتزال مليئة بالأسرار والعبر ، ولاتزال تأثيراتها ممتدة حتى يومنا هذا ، يوم الثورات الجديدة من ثورة يناير 2011 وحتى ثورة 30 يونيو 2013 الناقصة ، إن تأثيرات هذه النظرة الناصرية سواء فى مستوى الفهم والإدراك لدور الدين فى المجتمع أو على مستوى طريقة التعامل مع الجماعات والتيارات والمؤسسات الدينية ، ورغم الكثير من الأخطاء التى أفرزتها التجربة الناصرية فى نطاق تعاملها مع قوى وتيارات الإسلام السياسى مثل (الإخوان) والمؤسسى مثل (الأزهر والكنيسة) ؛ إلا أنها تظل تجربة مهمة ، ومؤثرة وموحية لمن أراد طريقاً أفضل للدين أو لهذه الدنيا التى نحياها ، وفى زمن الثورات الجديدة التى أضحت فيها الشعوب ، رقماً رئيسياً فى معادلة السياسة والحكم والثورة، والله أعلم .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر