الراصد القديم

2014/02/01

قراءة سريعة في أسباب و جذور الحلف الأمريكي – الإخواني


شادي عمر الشربيني

البعض يستغرب… ما الذي حدث؟؟… كيف تطورت العلاقة بين الأمريكان و جماعة الإخوان المسلمين لتصبح علاقة تحالف استراتيجي، بل تبني أمريكي كامل للجماعة..؟؟!!!
البعض في قراءته، حاول أن يرجع ذلك إلى بدايات العقد الأول من القرن الحالي، حينما بدى أن نظام مبارك يهرم و يشيخ و بدى أن لوبي الابن و الأم صنع شرخا عميقا في بنية النظام الحاكم في مصر
كان حديث الولايات المتحدة الأمريكية مع “مبارك” حول انتقال السلطة إلى عمر سليمان”، و هو الأمر الذي لا يبدوا بعيدا لما يميل إليه “مباركشخصيا، لكن لجماعة التوريث، التي صنعتها طبقة البزنس الصاعدة والأم المتمسكة بالعرش باستماته، أجهضت هذا السناريو الذي كان من المقرر له أن يحدث في 2005 أو ما حولها… وراحوا يقدمون ويروجون للابن في واشنطن على أنه الأجدر والأكثر شجاعة في الحفاظ على مصالح أمريكا في مصر وفي المنطقة، وأنه يستطيع أن يذهب مع أمريكا إلى مدى أبعد بكثير مما ذهب إليه الأب
لم تعط أمريكا إشارة بالموافقة على مشروع التوريث، و لم تعط أيضا إشارة بالرفض، تركت الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات، و في نفس الوقت راحت تراقب الصدع والشرخ الذي يتسع في بنية النظام المصري، فأمريكا كانت تعرف جيدا أن الجيش ومؤسسات الدولة المصرية الحقيقية لا يمكن أن تقبل بسيناريو التوريث، واستمرت في مراقبة صراع الأجنحة في السلطة حول المستقبل، و زمان “مبارك” الذي يهرم و تتخلخل دعائمه وتتفكك قبضته  الممسكة بزمام الأمور… وساعتها وجدت واشنطن أن الوقت قد حان للإطاحة بهذا النظام كلية، خاصة بعد أن وصل لنهايات طرق، و بات لا يستطيع أن يعطي الولايات المتحدة الأمريكية أكثر، و هي كانت تطلب المزيد و المزيد
فقد بدا فشل نظام “مبارك” في وقف تمدد محور المقاومة في المنطقة، و وقف ما يحققه من انتصارات. فعلى الرغم من عداء النظام الحاكم في مصر لدول هذا المحور، بل و كراهية “مبارك” الشخصية لإيران و حزب الله و بشار الأسد، إلا أن النظام لم ينخرط في إشعال والنفخ في الصراع السني- الشيعي، أو الدخول في حرب مباشرة ضد حزب الله، فقد رأى النظام المصري أن هذا يتناقض كليا وجذريا مع الأمن القومي المصري بشكل مباشر، كما أن هذا النظام أيضا رفض الانخراط في خطة الإطاحة بالقذافي في ليبيا، و الجيش المصري رفض رفضا قاطعا أن يساهم في أي عمليات عسكرية تطيح بالقذافي. وهذا أغضب الأمريكان بشدة، وشعروا أن استثماراتهم في الجيش المصري ، ما بين 70 إلى 100 مليار دولار على مدار أكثر من ثلث قرن، تضيع، فهذا الجيش، و إن كان لا يناوئ التمدد الأمريكي في المنطقة بشكل مباشر، إلا انه  يرفض الانخراط في تنفيذ ما تريده أمريكا، و في نفس الوقت تتعاظم قوته مما يمكن أن يشكل تهديدا في المستقبل لإسرائيل، خاصة إذا جد في الأمور أمور وصعد إلى السلطة في مصر نظام ليس صديقا للولايات المتحدة.
كانت الفجوة ما بين الولايات المتحدة و النظام المصري تتسع يوما بعد يوم، و كان المأزق الأمريكي في المنطقة يتسع و يتعمق مما تطلب منها تحركات سريعة و ناجزة و… و جذرية.
و هنا بدا أن جماعة الإخوان المسلمين يمكن أن يكون البديل المناسب للنظام المتداعي في القاهرة، فهي ليست فقط تقبل بكل ما رفضه النظام السابق، بما في ذلك إقامة قاعدة أمريكية في سيناء، و لكنها أيضا تكن كراهية عميقة للجيش المصري ويسعدها بشدة أن تنخرط في عملية تفكيكه و تمزيقه، هذا بالإضافة إلى أنها بالفعل الجماعة الأقوى على الأطلاق على الساحة المصرية، و تجيد إلى درجة الاحتراف لعبة الانتخابات و مخاطبة الغرائز الدينية لشعب متدين بطبعه، ومن أجل كل هذا وغيره من أسباب أخرى، بدا ان خيار تولية الجماعة مقاليد السلطة في مصر هو الخير الأضمن والأوفر حظا في مصر، بل و في المنطقة العربية كلها…!!!
و قد يتساءل كثيرين، و التساؤل مشروع، كيف وثقت أمريكا بجماعة الإخوان المسلمين بهذه السرعة..؟؟؟!!!
و ينسى هؤلاء أن العلاقات الاخوانية الأمريكية ليست ابنة الأمس، بل هي علاقات طويلة و ممتدة و قديمة جدا، كانت ذروتها الأولى في التحالف ضد نظام “جمال عبد الناصر”، و العمل على اغتياله و الاطاحة بنظامه، و إذا كان الرد سيكون بأن الإخوان المسلمين قد فشلوا في هذه المهمة، إلا أن ذلك لا يمنع أن الجماعة ساهمت في استنزاف أجهزة المخابرات و الأمن المصرية، و عملت على تشتيت انتباها و اشغالها، مما سمح بمرور و تنفيذ عمليات أخرى لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية و للموساد الإسرائيلي. و الذروة الثانية، و هي الأكبر، في هذا التحالف الاستراتيجي كانت استنزاف الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، و تغطية الحرب ضده بقداسة الدين، و هذه معركة كان الانتصار فيها كاملا، و أخيرا فإن جماعة الإخوان في العراق كانت عوناً و سنداً رئيسياً للمندوب السامي الأمريكي “بول بريمر”، و شكلت أحد الدعائم الأساسية للنظام الأمريكي في عراق ما بعد “صدام حسين”.
لقد اختبر الأمريكان الإخوان في أكثر من موقع وعلى طول فترات زمانية ممتدة، و في كل مرة تقريبا أثبت الإخوان جدارتهم بالثقة الأمريكية، و هو شيء لو تعلمون عسير….
والظاهر أن ما يسمى بالربيع العربي كان الطلقة الأخيرة في البندقية الأمريكية.
لقد كان صعود، أو بمعنى أدق تصعيد، أوباما للسلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، هو إعلان صامت لفشل مشروع سحق و تفتيت المنطقة تحت ضربات مطرقة قوات الجيش الأمريكي و مرتزقة البلاك واتر، فقد بدا واضحا أن تجربة النار و الدم الأمريكية في العراق و افغانستان، قد وصلت إلى نهايات طرق مسدودة، و كانت خسائرها أفدح بكثير من مكاسبها في المحصلة النهائية.
بالإضافة إلى أن الذراع الامريكي القذر في المنطقة، المعروف باسم دولة إسرائيل، كان قد مر حوالى ربع قرن كامل، دون أن يحقق أي نصر في معركة واحدة، و بدلا من أن يكون ذراع أمريكا المخلبية في المنطقة، بدا أنه في حاجة إلى الحماية و من يحارب بالنيابة عنه…!!!! تحول الاستثمار إلى عبىء، و تحولت يد و ذراع البطش و الترهيب إلى ذراع تلوى منها الولايات المتحدة الأمريكية.
لذلك لم تعد تجدي القوة لفرض و تنفيذ مخططات الفوضى الخلاقة، و بدى أن الإسلاميين هم البديل الأنسب و الأوفر حظا لإغراق المنطقة في مستنقع الاقتتال الديني و الطائفي، وتمزيقها تحت رايات لا إله إلا الله، و على صيحات الله أكبر…!!!!
و الارجح والظاهر أن مغامرة الربيع العربي، قد انتهت قبل أن تبدأ، وأن سحرها ينقلب على الساحر، و أن المنطقة العربية مقبلة على أزمنة جديدة هي بالتأكيد لا تحمل أي ود أو صداقة لغرب أراد تمزيقها بسكين إسلامي يمسك هو مقبضه.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر