الراصد القديم

2014/02/01

المســاواة


ياسين جبار الدليمي
 
 حق المساواة وعدم التمييز
الحقوق قديمة قدم الإنسان نفسه واستمر الصراع بين المنادين إلى تثبيت وكفالة الحقوق وبين منتهكيها عبر العصور ، وتطور الصراع عبر الحقب التاريخية ونال الإنسان بعضاً من حقوقه بإقرار الأنظمة الاستبدادية لها فبرز مصطلح الحقوق والحريات الفردية في عصر ازدهار المذهب الفردي الحر تم تطور المصطلح بعد ذلك دلالة على الحقوق المدنية كون الفرد عضواً في جماعة مدنية منظمة .
وجاء مبدأ المساواة لكفالة الحقوق والحريات كمبدأ دستوري أساسي لقيام الدولة القانونية دونما تمييز بين الأفراد حكام ومحكومين خاضعين لسلطان القانون ، واعتبر مبدأ المساواة المدخل الرئيسي للوصول إلى الديمقراطية وكفالة الحريات ، ومبدأ المساواة كان الباعث والهدف الأسمى للثورات الكبرى في العالم المعاصر (الثورة الفرنسية – الثورة الأمريكية) ، إن مبدأ المساواة يهدف إلى إلغاء وإزالة كافة مظاهر التمييز بين الأفراد على أساس اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو أي تمييز من أسباب التمييز فقط بل وصولاً لتحقيق العدالة للجميع ومن ثم تمتعهم بالحقوق والحريات على أساس مبدأ المساواة .

الحق في المساواة وعدم التمييز
أن استعباد الإنسان لأخيه الإنسان قديماً وحديثاً عرفته البشرية ومع بروز الأنظمة الاستبدادية وتحكمها بحقوق الأفراد وحرياتهم ، قد ولدت فكرة القانون الطبيعي التي تنازعتها آراء الفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور ، فتبلورت مع الحقب التاريخية من حياة البشرية عبر التنازع الفلسفي والديني ، ولتظهر في القرن السابع عشر الميلادي فكرة قانونية وسياسية في أوربا لمواجهة استبداد الملوك وتحكمهم في حياة وحقوق وحريات الأفراد .
وليتولد من فكرة القانون الطبيعي فكرة الحقوق الطبيعية التي نادى بها ( لوك ، وجان جاك روسو) في إطار نظرية العقد الاجتماعي وأساسها :
( إن الناس جميعاً يولدون أحراراً ومتساوين بالطبيعة فهم بالفطرة يتمتعون بكامل الحقوق والحريات دون قيود )
ومع الإحساس بالضعف أمام الطبيعة وقواها المادية ولد لدى كل فرد الحاجة للانضمام إلى الجماعة وتكوين مجتمع منظم بحثاً عن حقوق وحريات جديدة حماية ودعماً لحقوقهم وحرياتهم الطبيعية التي يتمتعون بها بالفطرة ، لقد سبق الإسلام أصحاب نظرية العقد الاجتماعي بقرون في إقرار حق الإنسان في المساواة وعدم التمييز ، كما جاء في القران الكريم والسنة النبوية وأعمال الخلفاء الراشدين في عصر الدولة العربية الإسلامية .

أساس مبدأ الحق في المساواة وعدم التمييز
مع نشوء الدولة القانونية المعاصرة التي يرتكز عليها مبدأ خضوع الدولة للقانون كي لا توصف هذه الدولة بالاستبداد والتعسف لان مبدأ دولة القانون يستهدف أساساً ضمان وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية ضد كل تجاوز واعتداء من قبل هيئات وأدوات الحكم .
ومن اجل تفادي الوسم بعدم الخضوع للقانون جاءت كل الدساتير والوثائق الوضعية مقررة بحرص شديد على مبدأ خضوع الدولة للقانون من جهة وعلى الإعلان صراحة عن جملة من الحقوق والحريات الأساسية للإفراد وسبل حمايتها من جهة أخرى .

أن مبدأ المساواة هو المبدأ الدستوري الأساسي الذي تستند عليه جميع الحقوق والحريات في وقتنا الحاضر ، والذي يتصدر جميع إعلانات الحقوق العالمية والمواثيق الدولية ، أن مبدأ المساواة أساسه في القانون الطبيعي وفي نظرية العقد الاجتماعي وحديثاً وجد أساسهُ في الديمقراطية كمدخل يوصل إليها ويكفل الحريات ، وفي الإسلام الحنيف وجد مبدأ المساواة أساسه على أساس وحدة الخلق فهي لم تكن طبيعية كما نادى بها الفقهاء والفلاسفة ومشرعي القوانين الوضعية فالإسلام قد ثبتها دعماً وكفالة بتساوي الناس جميعاً دونما تفرقة على أساس اللون والجنس أو اللغة بل على قاعدة الأخوة في الخلق وأنهم مكلفين بعبادة الله تعالى ومصدره في الإسلام : القران الكريم ، والسنة النبوية المشرفة ، وقد سار الخلفاء الراشدون على نفس النهج عدلاً ومساواة بين الناس :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ - الحجرات : 13

مميزات مبدأ المساواة وعدم التمييز
يتميز مبدأ المساواة في القوانين والشرائع الوضعية بعدة أوصاف ولكل منها معنى معين :
المساواة المطلقة والمساواة النسبية
المساواة القانونية والمساواة الفعلية
وبما أن مبدأ المساواة يجب إن يتميز بالعمومية المطلقة بحيث ينطبق القانون على الجميع دون اختلاف .

أما الإسلام فقد أقام ميزة متفردة تطبيقاً دون تمييز بلا تفرقة في عصر لم يعرف الناس فيه غير نظام الطبقات والتفرقة بين الناس ، أما في القوانين الوضعية فنجد التماييز في معاملة المنتفعين في المراكز المختلفة في تولي الوظائف العامة باعتبارية الشروط والمؤهلات ونجده كذلك في ممارسة الحقوق السياسية المحددة بسن معين باختلاف النظم السياسية المؤطرة لسن الانتخاب والترشيح للانتخابات وميزة متميزة لمبدأ المساواة في القانون الوضعي إن الإفراد جميعاً سواء أمام القانون حماية وعقاب كون القواعد القانونية تطبق على الجميع دونما تمييز وهذا من صلب المذهب الفردي الحر عبر الطابع القانوني لهذه المساواة أو عبر المساواة السلبية بحاكميه الامتناع الملزمة للدولة بوضع أية تفرقة قانونية بين القوانين .

تطبيقات مبدأ المساواة وعدم التمييز
إذا أريد لمبدأ المساواة وعدم التمييز من التطبيق الفعلي فلا بد أن تكون بطريقة عامة يتعامل فيها الإفراد جميعاً وكل المراكز طبقاً لنفس القواعد القانونية ولنفس النظام القانوني دونما تمييز .

المساواة في الحقوق وعدم التمييز
بما إن أصل قيام الدولة القانونية يقوم على أركان وضمانات فان تطبيقات المساواة وعدم التمييز هم من صلب وقيام الدولة القانونية نفسها فمع تنوع الحقوق يجب أن يتساوى جميع الإفراد في الدولة القانونية ، وتطبيق المساواة أمام القانون هو اللبنة الأولى في التطبيقات الأخرى والمختلفة لمبدأ المساواة في الدولة القانونية .

فتظهر تطبيقات مبدأ المساواة كذلك في :
1- ممارسة الحقوق السياسية .
2- المساواة في تولي الوظائف العامة .
3- المساواة في الانتفاع بخدمات المرافق العامة .
4- المساواة في مجال الحقوق العامة .
5- المساواة أمام القضاء .
6- المساواة أمام الأعباء والتكاليف .

إن إنعدام هذه المساواة تتحول الحقوق إلى مساواة نظرية بعيدة عن التطبيق العلمي لها ، فممارسة هذه الحقوق تكتسي أهمية كبرى من حيث الطبيعة القانونية وقيمتها من الناحية القانونية بحثا عن أصل هذه الحقوق المنشاة ، وكذلك تحُدد أساساً طبيعة النظام السياسي على ضوء وطبيعة هذه الحقوق المعلن لها إعترافاً وأحتراماً وكفالة للإفراد .

المساواة أمام التكاليف العامة
إن مجالات تطبيق مبدأ المساواة في مجال الحقوق يتعداه إلى نطاق المساواة في التكاليف العامة ، فبدون تطبيق مبدأ المساواة أمام الأعباء والتكاليف العامة تتحول المساواة إلى مساواة نظرية خارج التطبيق فقاعدة المساواة أمام الأعباء والتكاليف تظهر جلية أمام :
1- الأعباء العسكرية ( ضريبة الدم) .
2- المساواة أمام التكاليف الضريبية ( ضريبة المال) .

1- الأعباء العسكرية
تظهر المساواة في الأعباء العسكرية التي هي واجب وطني على كل فرد والدفاع عنه في الحرب والسلم ، فالمساواة تظهر في أداء هذه الخدمة سواءاً في تحديد العمر ومدة الخدمة لجميع الإفراد الواقعين تحت فريضتها كقاعدة عامة دونما إغفال الإعفاءات لأسباب مختلفة نص عليها القانون .

2- المساواة أمام التكاليف الضريبية
وللأعباء المالية حكم المساواة أمام الضرائب مبدئيين هما :
أ‌- قانونية الضريبة الذي يحكم مسالة فرض الضرائب كي تأخذ شرعيتها ومشروعيتها .
ب‌- عالمية الضريبة وانطباقها على جميع الأفراد والمواطنين والأجانب ماداموا يعيشون فوق إقليم الدولة وعلى جميع الأموال المتواجدة في إقليم الدولة .

لقد وجد الباحث من خلال البحث في الحق في المساواة وعدم التمييز أنها قد وردت متأخرة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقوانين والشرائع الوضعية .
وان الإسلام قد سبقها بعصور وقرون وقد ثبتها الإسلام من قبل أن يتم بلورتها وإعلانها ضمن شرائع وضعية حديثاً وقد مورست في الدولة العربية الإسلامية كمبدأ أساسي لاكتساب الحقوق والحريات وأداء الأعباء والتكاليف بمساواة عادلة وحماية تشريعية صادرة عن تشريع رباني لا وضعي وبمصدر ثاني هو السنة النبوية واجتهادات فقهاء الأمة من بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وتجسد هذا المبدأ في دولة الخلافة الراشدة ومن بعدهم من ساروا على أحكام الشريعة السمحاء .

لقد كان لإقرار القوانين الوضعية ومن ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لمبدأ المساواة وعدم التمييز أنها قد أصبحت رمزاً دستورياً ومفتاحاً للدخول في الدولة القانونية المكتسبة لشرعيتها القانونية من خلال خضوعها للقانون باعترافها وكفالتها لحقوق الإنسان ومبدأ المساواة وعدم التمييز بين بني البشر أمام القانون إقراراً بالحقوق أو إقراراً بمبدأ المساواة في الحقوق والتكاليف العامة دونما تفرقه أو تمايز على أساس اللون واللغة والدين والجنس أو المركز الاجتماعي أو المالي ، فصار لزوماً أن يتمتع الإنسان بحماية النظام القانوني داخلياً وبغطاء القانون الدولي الإنساني إذا أريد له أن يعيش حياة حرة آمنه ومكتسبا لحقوقه ضامناً مستقبله بعيداً عن الخوف وعدم الاطمئنان وساعياً لتحسين مستويات حياته في جوًّ من الحرية المصانة والمكفولة قانوناً .
إن الفهم المشترك لمبدأ المساواة بين بني البشر في عالم اليوم يزيل عن البشرية جمعاء الطغيان والاستعباد ، وأن ما نعيشه اليوم من طغيان واستبداد واستعباد في ظل الاحتلال الأمريكي العابر للحدود ، فهو خارق لكل معايير مبادئ حقوق الإنسان ومبدأ المساواة وعدم التمييز ، إن الاحتلال هو خرق فاضح وانتهاك صارخ لكل الشرائع السماوية والقوانين الدولية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان سواءاً كان ذلك متمثلاً في بداية العدوان والغزو والاحتلال ، فأي انتهاك هذا المبادئ القانون الدولي الإنساني في عصر العولمة وإنهاء حقبة الاستعمار ؟؟ عسى أن أكن قد وفقت في ذلك .


المصادر

1- الأمم المتحدة لإدارة شؤون الإعلام ، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (كراس) ، 1988م .
2- د . ثروت بروي ، النظم السياسية ، القاهرة ، 1964م .
3- د . محمد إبراهيم دسوقي النظرية العامة للدستور والحق في القانون الليبي ، جامعة قار يونس ، ( بدون سنة) .
4- د . محمد الشافعي أبو رأس ، نظم الحكم المعاصرة ، الجزء الأول ، القاهرة .
5- د . محمد إبراهيم الحراري ، القيمة العلمية المبادئ المتعلقة بالحقوق والحريات العامة ، ( بحث منشور) في مجلة الجديد للعلوم الإنسانية ( عدد ممتاز) ، طرابلس ، ليبيا ، 1997م .
6- د. عبد الغني بسيوني ، النظم السياسية ، بيروت ، 1984م .
7- د. عبد الغني بسيوني ، تطبيقات مبدأ المساواة في القانون الإداري ، القاهرة ، ( بدون سنة) .
8- د. عبد الحميد متولي ، مبادئ نظام الحكم في الإسلام ، الإسكندرية ، 1978م .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر