الراصد القديم

2014/02/01

هل يمكنُ إصلاحُ منظَّمة التَّحرير؟


هاني المصري
 
هل يمكن إصلاح منظمة التحرير، أكان ذلك بتكوينها الحالي، أم من خلال إعادة تشكيلها جذرياً، بحيث تضم جميع القوى الفلسطينيّة على أساس ميثاق وطني جديد لتكون حقًّاً وفعلاً الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني؟
منذ توقيع اتفاق أوسلو، تراجع دور المنظمة باطراد، وتقدّم دور السلطة على أساس القناعة بأن المفاوضات ستتوصل إلى اتفاق نهائي في أيار 1999، بحيث توقّع المنظمة عليه باسم الشعب الفلسطيني، وتقوم الدولة وتحلّ محلّ المنظّمة، لأن من المفترض أن تكون دولة للفلسطينيين أينما كانوا، على أن تتحول المنظمة بعد قيام الدولة إلى الوكالة الفلسطينية (على غرار الوكالة اليهودية)، بحيث تُعْنى بمتابعة شؤون الفلسطينيين الموجودين في الخارج، بما في ذلك حقهم في العودة والتعويض.
لقد تم تقزيم المنظمة إلى حد يكاد يصل إلى الشّلل التّام خلال السنوات العشرين الماضية تحت تأثير وهم أنّ الدولة الفلسطينية على مرمى حجر، والحل على الأبواب. لذا لا ضرورة لإصلاح المنظّمة (الممنوع إصلاحها)، لأنها أصبحت قيدًا على الحركة باتجاه الحل، ولأنّ التمسك بها فضلاً عن إصلاحها وتطويرها يستدعي ما ترمز إليه المنظمة من تمثيلٍ للشعب الفلسطيني ولبرنامجه الوطني وحقوقه الوطنية المرحلية والتاريخية؛ الأمر الذي يُصَعِّبُ على المفاوض الفلسطيني إبداء المرونة المطلوبة للتوصل إلى حل. وهكذا تراجع سقف البرنامج الوطني الفلسطيني من التأكيد على تحرير فلسطين وإقامة الدولة الديموقراطية، إلى اعتماد برنامج العودة والدولة وتقرير المصير الذي انتهى سريعًا (فعليًا) إلى برنامج الدولة مع حل عادل متفق عليه لقضية اللاجئين، ثم تحوّل إلى دولة مع تبادل للأراضي وتقسيم الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بحيث تستطيع إسرائيل ضمَ الكتل الاستيطانية الكبيرة إليها في أي حل.
إن تآكل البرنامج الوطني بهذه الصورة يعني أن الحقوق الفلسطينية، حتى في حدّها الأدنى، أصبحت قابلة للتفاوض عليها، وهذه نتيجة طبيعية، لأنّ التفاوض من دون أوراق قوة وضغط، وفي ظل ميزان قوى مختل بشكل فادح لمصلحة إسرائيل، إما أن يبقى تفاوضًا من أجل التفاوض، أو يؤدي إلى مساومة يتم فيها التنازل عن الحقوق الفلسطينية.
التنازلات ووهم المستقبل
قدّم المفاوض الفلسطيني سلسلة من التنازلات وصلت إلى حد المسّ بوحدة القضية والشعب والأرض، وحتى إلى التنازل عن تطبيق الالتزامات الإسرائيلية في اتفاق أوسلو وملحقاته، وفي خريطة الطريق، على أساس أن ما لا يمكن الحصول عليه في المرحلة الانتقالية على دفعات يمكن تحقيقه مرة واحدة في الاتفاق النهائي، وضمن تصور أن تطبيق الالتزامات الفلسطينية ولو من جانب واحد، وبناء مؤسسات الدولة وإثبات الجدارة سيحرج إسرائيل وسيدفع المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته بإقناعها بالموافقة على قيام دولة فلسطينية مع تبادل للأراضي، وعودة رمزية للاجئين ضمن معايير كلينتون الخمسة التي يعني الأخذ بها تصفية قضية اللاجئين.
وعندما بدا أن المفاوضات تتعثر ووصلت إلى الانهيار في قمة كامب ديفيد عام 2000، وبعد تصاعد دور حركتي حماس والجهاد الإسلامي بشكل ملموس خلال انتفاضة الأقصى، ما عاد ممكناً الحديث عن منظمة التحرير بصيغتها القديمة كممثل شرعي وحيد من دون انضمامهما إليها، لأن وجود مركزين قياديين فلسطينيين استخدمته إسرائيل ذريعةً لعدم التوصل إلى اتفاق نهائي؛ ما أوجد الأرضية الملائمة لبدء حوار وطني من أجل ضمّهما إلى المنظمة، خصوصاً بعد أن أرسلت «حماس» إشارة «ايجابية» تفتح الطريق أمام اتفاق وطني مثل استعدادها للتهدئة الأولى عام 2003 لمساعدة حكومة «أبو مازن» على العمل، والموافقة بشكل أوضح على برنامج الدولة الفلسطينية على حدود 1967، والاستعداد للانخراط في السلطة على الرغم من أنها أحد إفرازات اتفاق أوسلو الذي رفضته «حماس» ومفترض أنها وفق مواقفها المعلنة لا تزال ترفضه.
ترويض حماس والجهاد
في هذا السياق؛ سياق ترويض حركتي حماس والجهاد الإسلامي واحتوائهما تحت مظلة الشرعية الفلسطينية المعترف بها عربياً ودولياً، تم التوقيع على إعلان القاهرة في آذار 2005، الذي أكد على إجراء الانتخابات المحليّة والتشريعيّة، واعتماد الحوار لحل الخلافات، وعلى التمسك بالثوابت، واستمرار التهدئة، وتشكيل لجنة ـ وهذا هو الأهم ـ تتولى وضع أسس لتفعيل منظّمة التحرير وتطويرها.
لقد تم تنفيذ بعض بنود إعلان القاهرة. ولكن، لم يقم رئيس المنظمة بدعوة لجنة تفعيل المنظمة المنصوص عليها فيه للانعقاد، لأن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر. فقد كان من المتوقع أن تأتي نتيجة الانتخابات التشريعية بحصول «فتح» وبقية فصائل المنظمة على أغلبية كبيرة، و«حماس» على أقليّة تفرض عليها احترام قرارات الأغلبية، إلا أنها حصلت على الأغلبية، ما أعطاها الحق في الحكم منفردة أو ضمن اتفاق وطني، وهذا أربك الحسابات الموضوعة التي أرادت ضمّ «حماس» إلى المنظمة حتى تسير المنظمة نحو التوقيع على اتفاق السلام النهائي باسم الفلسطينيين جميعاً، وهذا لم يحصل لأن «حماس» المنتصرة أصبح دخولها إلى المنظمة يمكن أن يجعلها أصلب وأشد عوداً وأقل مرونة على طاولة المفاوضات، وهذا من شأنه أن يعيد الروح للشعب الفلسطيني الذي عانى الأمرّين وتقطعت أوصاله بين شعب الضفة الغربية وقطاع غزة، وشعب 48، وشعوب الشتات. لقد أهملت المنظمة الشعب الفلسطيني بالخارج بعد توقيع اتفاق أوسلو وأخذت تتصرف كأنها دولة أو على وشك التحول إلى دولة، ولكن دولة على مقاس الضفة الغربية وقطاع غزة في أقصى تقدير.
وعندما فشلت «حماس» في تأليف حكومة وحدة وطنية في البداية، وشكلت حكومة بمفردها، رُمِيت في وجهها شروطُ اللجنة الرباعية، التي تتضمّن نبذَ العنف والإرهاب والاعترافَ بحق إسرائيل في الوجود والالتزامَ بالاتفاقات المبرمة، ولم توافق «حماس» عليها، مع أنها أبدت الاستعداد لاحترام الاتفاقيّات وليس الالتزام بها، واستمرار التمسك بالتهدئة وبهدف إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 ضمن هدنة طويلة الأمد يمكن أن تستمر عشرات السنين.
ياسر عرفات وجورج حبش: وحدة الأضداد
ياسر عرفات وجورج حبش: وحدة الأضداد
لو جاءت نتيجة الانتخابات كما كان متوقعاً، لفتح ذلك الأبواب أمامها للانضمام إلى المنظمة، ولكن حصل ما حصل وأدى ذلك إلى الاقتتال الفلسطيني وصولاً إلى الانقسام السياسي والجغرافي ونشوء سلطتين متنازعتين كل واحدة منهما تدّعي الشرعية، بحيث طغى الصراع على السلطة على أي شيء آخر.
ولأن الانقسام يُضْعِف الفلسطينيين جميعاً باستثناء جماعات المصالح والنفوذ المستفيدة منه، ويُعطي إسرائيل الذريعة للتنصل من أي اتفاق سلام لا تريده أصلاً، ولأن أغلبية الشعب الفلسطيني تطالب بإنهائه واستعادة الوحدة، ومصر والعرب وأصدقاء القضية الفلسطينية يهمهم توحيد الفلسطينيين لأسباب شتى تتعلّق بأمن واستقرار المنطقة وخلاف ذلك؛ استمرت المحاولات والمبادرات الرامية إلى إنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية وصولاً إلى توقيع اتفاق المصالحة في 27/4/2011، والاحتفال به في القاهرة في الرابع من أيار الماضي.
الجديد في اتفاق القاهرة، أنه نصّ على اتفاق الحركتين («فتح» و«حماس») على أن تكون مهمات الإطار القيادي الموقت وقراراته غير قابلة للتعطيل وبما لا يتعارض مع صلاحيات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. أي أن اللجنة التي نصّ عليها إعلان القاهرة أصبح اسمها الإطار القيادي الموقت، لكن الصيغة المتفق عليها ملتبسة، فإذا كانت مهمات وقرارات الإطار القيادي الموقت وقراراته غير قابلة للتعطيل، فكيف ينسجم ذلك مع القول بما لا يتعارض مع صلاحيات اللجنة التنفيذية؟
فشل حماس
إن تفسير هذا الخلاف يكمن في أن «حماس» ترى أن الإطار القيادي الموقت هو المرجعية التي تضمن مشاركة فاعلة لها في المنظمة كمرحلة أولى على طريق قيادتها لها بعد أن فشلت محاولتها إيجاد منظمة تحرير جديدة أو بديلة أو موازية. و«فتح» فسرت الاتفاق بأن اللجنة التنفيذية هي المرجعية، وأن الإطار القيادي الموقت مجرد لجنة لتسهيل العمل وتحديد الأسس لتفعيل وتطوير منظمة التحرير حتى تضمن استمرار دورها القيادي، وحتى لا يؤدي دخول «حماس» إلى المنظمة من دون موافقتها على شروط اللجنة الرباعية إلى مقاطعة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل للمنظمة، وربما أوساط أوروبية ودولية أخرى. هذا الخلاف حال، وسيحول، دون الدعوة إلى اجتماع هذا الإطار أو لجنة المنظمة، كما سيمنع الاتفاق على الأسس والصلاحيات التي تعتبر مفتاح إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.
أين العقدة؟
إن العقدة كبيرة، وربما مستعصية. فحركة فتح، ترى أن المنظمة آخر قلعة تسيطر عليها عقب خسارتها انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، وقطاع غزة، وبعد رحيل زعيمها ومؤسس الهوية الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات. وحركة حماس، لا يمكن أن توافق على التخلي عن قطاع غزة من دون أن تضمن مشاركتها في السلطة والمنظّمة.
وما يزيد الطين بلة، أن أوضاع الفلسطينيين وبرنامجهم ونظامهم السياسي لا تعتبر أمرًا فلسطينيًا محضًا يستطيعون أن يقرروا شأنه وحدهم، وإنما تؤثر في أي قرار فلسطيني مصيري جملة من العوامل والأطراف والأدوار تبدأ بإسرائيل والدول العربيّة والإقليميّة وتنتهي بالأطراف المؤثرة في القرار الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركيّة.
لقد كان هناك قرارٌ عربيٌ ودولي منذ عقد مؤتمر مدريد للسّلام، على الأقل، لا يسمح بتطوير منظمة التحرير، ولا بإيجاد منظّمة تحرير جديدة أو بديلة أو موازية، لأنّ المنظّمة يجب أن تبقى قائمة وضعيفة حتى توقّع باسم الشعب الفلسطيني اتفاق التسوية الذي يمكن التوصل إليه، لينتهي دورها بعد ذلك.
هذا القرار المانع لتطوير المنظمة لا يزال قائماً، مع أنه عُرضَةٌ للتغيير في ظل المتغيرات والمستجدّات العربيّة والإقليميّة والدوليّة، خصوصاً بعد الربيع العربي وما يمكن أن ينتهي إليه.
ولكن بما أن الصورة غير واضحة في شأن مآل الثورات العربية التي تهب في المنطقة، وتتنافس مع مؤامرة لفرض «سايكس بيكو» جديد، ومع تصاعد احتمال توجيه ضربة، أميركيّة إسرائيليّة غربيّة، لإيران يمكن أن تغير نتائجها منطقة الشرق الأوسط بهذا الاتجاه أو ذاك، فإن المنظمة لن تستطيع التقدم جذرياً على طريق الإصلاح وإعادة التشكيل إلا إذا توفرت إرادة حاسمة لكسر القرار الدولي، أو إذا تغيرت المعطيات والحقائق في مرحلة تهب فيها رياح التغيير والثورة في المنطقة وسط متغيرات إقليمية ودولية حاصلة ومحتملة الحدوث.
ويزداد الأمر تعقيدًا على تعقيد لأن مصير المنظمة مرتبط إلى حد كبير بمصير المفاوضات، فإذا تقدّمت المفاوضات تتراجع المنظمة، وإذا تراجعت تتقدم من دون أن تصل الجهود لإحيائها إلى نتيجة حاسمة. وبما أن المفاوضات متوقفة الآن بانتظار نجاح الجهود الرامية لإنجاح استئنافها وفق الأسس القديمة ذاتها أو ضمن قواعد جديدة، فإن الجهود الرامية لإحياء المنظمة مجمدة حتى إشعار آخر، شأنها شأن المصالحة. فلا اجتماع للإطار القيادي الموقت أو لجنة المنظمة، وإذا حصل الاجتماع سيضيع في دهاليز الخلاف على الصلاحيّات والمرجعيّة.
وما لم تتنازل القوى المتنازعة عن مطالبها الفئوية وتغلب المصلحة الوطنية العليا وتتفق على قواسم وطنية مشتركة ضمن شراكة حقيقية وعلى أساس ديموقراطي، أو ما لم تنشأ قوة جديدة وازنة وطنية وديموقراطية، أو ما لم تتمكن إحدى القوتين المركزيتين القائمتين من الحصول على أغلبية كبيرة مستقرة تتأكد من خلال إجراء الانتخابات أو من دونها، بحيث يكون واضحاً أنّ هناك قيادة واحدة أو موحدة أو برنامجاً واحداً لا يستطيع أحد تجاوزه؛ سيبقى الــوضع الراهن للمنظمة على ما هو عليه، صعوداً وهبوطاً، بانتظار اتضاح معالم الخريطة الجديدة التي ترسم للمنطقة أو التي تسير المنطقة نحوها.
التعددية في إطار الوحدة
إن الدائرة المغلقة يمكن كسرها إذا عبَّر الشعب الفلسطيني عن مصالحه من خلال مبادرات سياسيّة وشعبيّة تثور على الوضع القائم، وتضع ضمن أولوياتها مسألة إعادة بناء وتشكيل المنظّمة على أساس برنامج وطني وميثاق وطني جديد وبمشاركة مختلف ألوان الطيف السياسي، لأن الحل الوطني العادل والمتوازن ليس قريباً، وحتى يمكن تحقيقه فهو بحاجة إلى تعددية في إطار وحدة وطنية، وإلى نضال لتغيير موازين القوى المختلة لمصلحة إسرائيل.
إن طريق إصلاح المنظمة بحاجة إلى إرادة واعية وعقلانية تعرف ما يمكن ومـــا لا يمـــكن تحقـــيقه، وتـــدرك أن أقصـــى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة هو الحفاظ على القضية حـــية ووجود الشعب في وطنه ودرء الأخطار وتقليل الخـــسائر إلى أن ينهض العرب مجدداً لنصرة القضية الفلسطينية. أمـــا تحـــقيق الحل الوطني فهو بعيد ويحتاج إلى شــروط أخرى غير متوفرة حتى الآن، ولا يمكن أن تتوفر علـــى أيدي الفلسطينيين أولاً وحدهم، بل لا بد من أن ينهض العرب للقيام بدورهم، فالقضية الفلسطينية هي فلسطينية أولاً وعربية ثانيًا. وبعد ذلك، يمكن أن تحشد عوامل الدعم الإسلاميّة والإقليميّة والدوليّة.
إن الحذر ضروري في ظـــل نهوض الإســـلام السياسي في المنطقة للتعامل مـــع القـــضية الفلسطـــينية كمجــرد نقطة في محيط المشروع الإسلامي الكبير، فإذا حصل ذلك فإنها ستـــضيع لعشرات السنين مثلما ضاعت عندما نظر إليها بعد نكبة 48 كمجرد نقطة في بحر المشروع القومي الوَحْدوي العربي الكبير.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر