الراصد القديم

2014/02/01

الأنبار ودورها المميز في وحدة التراب الوطني العراقي


د. موسى الحسيني


في 14/1/2013، نشرت مقالا بعنوان ( الى اهلنا المحتجين بالانبار معكم ، مع العتب عليكم ) نُشر على الكثير من المواقع الوطنية ، كان محور عتبي على اهلنا في الانبار هو انهم قيدوا اهداف انتفاضتهم بمطالب جزئية وادارية تخص المحافظة ، ولم يطوروها الى انتفاضة ضد ما يسمى بالعملية السياسية كلها وما صنعه الاحتلال من هياكل ، نظاما ودستور وبُنى رتبها المحتل لزرع الفتن والامعان في تمزيق المجتمع العراقي الى طوائف وجماعات ومحافظات لتبدوهذه الهويات الفرعية كبديل عن الهوية العراقية في مسار يهدف لتقسيم وتفتيت الدولة العراقية ، وانهاكها .

ان الاهداف او الغايات المراد انجازها من غزو العراق كانت معروفة لاعلاقة لها باي من المبررات التي اعلنتها الادارة الاميركية ( الديمقراطية ، واسلحة الدمار الشامل ، وعلاقة النظام بالارهاب ) ، بل هو الدور العربي للعراق في القضايا الاساسية التي تواجه الامة العربية ، وفلسطين مركزها ومحورها الاساس . للعراق خصوصيات كثيرة في تاريخ العرب والامة العربية تؤشر الى حالة تمايز في الموقف والمساهمات بالقضايا العربية ما يخيف كل الشعوبيين من اعداء الامة والحاقدين عليها ، تاريخيا ، او في الحاضر . لذلك ايضا كان العراق وما زال موضوعا لحقدهم .


اسهم العراق والعراقيون بادوارفكرية مميزة في تاريخ وتشكل العقل العربي ، حتى الفقه والشريعة كان لهما نصيبا كبيرا من اجتهادات العراقيين ، وتفسيراتهم ، التي تعايشت لعصور طويلة باستثناء فترات قصيرة من فتن غذاها اعداء العراق والعرب .ولسنا هنا لمناقشة الاجتهادات المختلفة ، و لماذا توزعت قبائل العراق بين المذهبين الشيعي والسني على اساس جغرافي تمثل فيه بغداد بوتقة انصهار واندماج .جنوب شيعي ، وشمال سني ، تتمركز فيه بغداد كوصلة اندماج وتعايش وانصهار يتمازج فيها ابناء المذهبان ويندمجان من خلال التزاوج والاشتراك في التجارة والعمل .

تختص عشائر الانبار بخاصية مميزة في التوزع بين المذهبين ، فعشيرة ال فتلة وهي من تجمعات عشائر الدليم التي تقيم بالمنطقة ما بين النجف والديوانية ، تتمسك بتشيعها ، وال بوعلوان التي تتوزع بين الانبار والحلة ، هي من اتباع المذهب السني في الانبار ، في حين يتبع فرعها المقيم في محافظة بابل المذهب الشيعي . وعشيرة الفضول ( احد تجمعات عشائر كبيسة ) السنية في الانبار تتبع عشائريا الى عشيرة ال غزي الشيعية في مدينة البطحة التابعة لمحافظة ذي قار ( الناصرية ) ، وعشائر ال بو ريشة المقيمة في محافظة الانبار السنية ، يتبع فرعها المقيم في جنوب قضاء الخضر في محافظة المثنى المذهب الشيعي .وغالبية اهل راوة المنتسبين لال البيت يعتمدون فقه الامام ابو حنيفة في حين تتبع بيوتات السادة ( ال البيت ) المنتشرة في بغداد وجنوبها فقه الامام جعفر الصادق . هناك ايضا الكثير من الشخصيات والعوائل المنحدرة من عشائر الدليم تقيم في مدينة النجف وتعتمد الفقه الجعفري كهوية مذهبية لها ، لعل اشهر هذه الشخصيات الحاج نجم البقال ، قائد انتفاضة النجف ضد الاحتلال البريطاني عام 1918 . رجل من عشائر الدليم ما كان له ان يحرك المدينة لقتال الانكليز ما لم يكن يتمتع بشعبية ومكانة اجتماعية خاصة في المدينة ، لم يتأثردوره بواقع اصله الدليمي وانتسابه لعشائر سنية . ولم تنقطع الصلات الاجتماعية والتجارية بين الرمادي ( مركز محافظة الانبار ) والنجف التي كانت تمثل مركزا للتسوق لتجار الحبوب والماشية للسكان المقيمين في محافظة الانبار عبر الطرق الصحراوية التي تربط بين المدينتين . تشترك محافظة الانبار ، ايضا ، اكثر من غيرها من محافظات شمال بغداد مع الاعتقادات الشيعية في الاعتزاز بالاولياء وتشييد الاضرحة على قبورهم ،وعلى امتداد مدن المحافظة تنتشر هذه المراقد ويتمركز الكثير منها في مدينة الفلوجة بالذات .ما يجعل الانباريين وبقية شيعة الجنوب موضوعا لتكفير بعض التيارات السلفية ، وداعش او القاعدة منها .

تبدو محافظة الانبار بصورتها هذه ، كما هي بغداد ، بوتقة او مركزا يمكن ان تنطلق منه اي محاولة للتقارب المذهبي في العراق عندما تتوفر النيات الصادقة عند الطرفين ، يعزز ذلك سيرة الامام ابو حنيفة ، وسنة العراق هم في الغالب من اتباعه ، مواقفه معروفة وتعرضه للسجن مرتين في العصر الاموي والعباسي بسبب تاييده ودعمه لثورات العلويين ( ثورة الامام زيد في العهد الاموي ، وثورة محمد ذو النفس الزكية في العهد العباسي ) ، وتعرضه للسجن والتعذيب جراء هذا التاييد المعلن ، حتى قيل انه يمكن ان يكون توفي متاثرا بما دس له من السموم في سجنه الثاني . ليقدم نموذجا للتسامح والتقارب متجاوزا الاختلاف بالتفسيرات والقناعات الفقهية مع ائمة ال البيت وأحد مصادر علمه الامام جعفر الصادق . كما ان نظريته بالاعتماد على الراي والاجتهاد تمثل اصرة اخرى من اواصر التقارب مع نظرية الاجتهاد الشيعية ، واصر وحدة لاافتراق وخلاف .

عُمدت اواصر الصلة بين عشائر الدليم والجنوب تاريخيا بالاشتراك بالدم والمواقف الوطنية المشتركة من خلال القصة المعروفة في تاييد الشيخ ضاري الزوبعي والشيخ راضي الحاج عاصي رئيس الجنابيين ، والشيخ علوان الشلال رئيس عشائر البومحيي ، واستجابتهم لفتوى المرجع الشيعي ، في وقتها ، محمد حسن الشيرازي ، وتفاصيل موقف الشيخ ضاري تعكس طبيعة توجهات ومشاعر اهل الانبار والفلوجة خاصة ، ننقل هنا تفاصيل الخلاف بين القائد البريطاني لجمن والشيخ ضاري كما نقلها الدكتور علي الوردي :

اقام الكولونيل لجمن وليمة دعى لها شيوخ عشائر الدليم قائلا : " انه يود الوقوف على رأيهم باعتبارهم من اهل السنة فيما يطالب به الثوار الشيعة من اقامة حكومة مستقلة ، فأنبرى الشيخ ضاري يرد عليه قائلا: ليس في الاسلام شيعة وسنة بل هو دين واحد وعرق واحد وكلمة واحدة ، فقال ليجمن : ان الحكومة البريطانية حائرة في امركم لاتدري هل تشكل حكومة شيعية او سنية ، فرد الشيخ ضاري بأن العراق ليس فيه شيعة او سنة بل فيه علماء أعلام نرجع اليهم في أمور ديننا ، فقال ليجمن : أنتم عشائروالأجدر بكم ان تكونوا مستقلين . فرد الشيخ ضاري: ان علماءنا حكومتنا وقد امرنا القران باطاعة الله والرسول واولي الامر منا ، فاذا اعتديتم عليهم فاننا سننتصر لهم ونحاربكم بجانبهم، والاولى ان تلبوا ما ارادوا" ( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، ج5 ، القسم2 ، ص :68)

تؤشر هذه الرواية لحقيقتين هما :


1-ان العراقيين شيعة وسنة كان يمكن ان يلتفوا حول اي مرجعية دينية وطنية ، تحكم تصرفاتها ومواقفها مصلحة العراق والاسلام ، بغض النظر حتى عن اصولها الاثنية كما هو الحال في موقف عشائر الانبار والفلوجة والمحمودية وديالى السنية ابان ثورة العشرين ، وتمسكهم بقيادة مرجعية الميرزا محمد حسن الشيرازي . نفس الموقف يحسب لعشائر ووجهاء الموصل وتكريت وسامراء والاعظمية التي دعمت مرجعية الشيخ محمد الخالصي عندما دعى الى اجتماع في كربلاء للمطالبة بتاسيس الجيش العراقي المستقل ليتولى حماية حدود الدولة ضد هجمات الاخوان الوهابيين على مدن وقرى الجنوب .


وهو ما فشلت في تحقيقه مرجعية السستاني التي صُنعت من قبل الدوائر والاجهزة الغربية تهيأة لاحتلال العراق على ما يبدو ، وتحولت الى صخرة من الصمت امام الاحداث الجسام والفتن التي تعرض لها العراق والعراقيين .فالسستاني الذي يفتي تحت باب ( اداب الذباحة والنحر ، ومكروهات الذباحة والنحر) ، بضرورة تحاشي ذبح الاغنام والحيوانات الاليفة امام حيوان من جنسه ، كي لاتتاثر نفسية الحيوانات ( المسائل المنتخبة : فتاوى سماحة اية الله العظمى السيد علي السستاني ، ص :427 ). نراه يصمت امام المذابح الكبرى التي تعرض ويتعرض لها العراقيين كل يوم منذ عام 2003 .ما يعني ان قيمة الحيوانات وسلامة نفسيتها اهم عنده من الانسان العراقي . فهو يبدو وكأنه ليس الا وليا للاحتلال ونتائجه من حكومات تحاول ان تستغل الطائفية لتعزيز مواقعها في السلطة ، لاعلاقة له لابالعراق ولا العراقيين .

2-ان هذا التراث من التقارب الذي يتمتع به الشيخ حارث الضاري حفيد الشيخ ضاري الزوبعي ، وابن الشيخ سليمان قاتل لجمن ، يجعل منه رمزا للتقارب والالتقاء بين الطائفتين ، فلا شك انه يتمتع بتراث سيكولوجي واخلاقي واسع من التسامح والتفاهم لايتوفر عند اي انسان اخر . لكنه حورب ، واتهم بالارهاب والطائفية دون غيره ممن يدعي زعامة الطائفة السنية ويتكلم باسمها ولا يخفي تحريضه الطائفي ممن اختارهم بريمر لهذا الدور . جريرة الشيخ حارث انه كان وطنيا معاديا للاحتلال ، من اول المبادرين عمليا لاعلان المقاومة ضد الاحتلال من خلال واحدة من اوائل فصائل المقاومة وانشطها ( كتائب ثورة العشرين ) التي يؤشراختيار اسمها لحقيقة توجهات الشيخ حارث وتاكيد لانتمائه الوطني .

ان معلوماتي الخاصة تؤكد محاولات الشيخ حارث الحثيثة من اجل تجاوز واستيعاب الخلافات الطائفية التي اراد الاحتلال اللعب عليها . ولذلك حٌورب من قبل الطائفين السنة او الشيعة ،ممن يريد منهم ان يستثمر الطائفية لتحقيق مكاسب سياسية لادخل لها بمصالح طوائفهم او بالدين .

ان هذه الوقائع ، تضع الانبار اكثر من اي محافظة عراقية اخرى في مركز وصدارة اي مشروع وارادة وحدوية للمذاهب العراقية المختلفة ، ولعل هذه المكانة ايضا ما جعل الانبار وعشائرها موضوعا لحقد الاحتلال وحربه الهمجية المعروفة على الفلوجة والرمادي عام 2004 ، وما نراه الان من حملات عدوانية تشنها حكومة تركة الاحتلال وخليفته في تنفيذ مشروعات التقسيم والاحتراب الداخلي لانهاك واستنزاف قدرات الشعب العراقي ، ونزع هويته العربية لاحلال هويات جزئية بديلا لها .

ما يتمناه الانسان هو عدم انجرار المنتفضين وقيادتهم الى الركون للاصطفافات الطائفية ، ما يتناقض مع تاريخهم وواقع امرهم ، كونهم بؤرة مميزة في الالتحام المذهبي . والانتباه لما يخطط له اعداء العراق والشعوبيين الحاقدين على كل ما هو عربي لجرهم بعيدا عن دورهم وجوهر طبيعتهم امة من التسامح والتقارب والامتزاج .

ان التحليل السياسي لحالة العراق منذ الاحتلال ليومنا هذا ، يؤشر الى ان الحروب البينية ، ومؤامرة التقسيم لايمكن ان تتحقق ما لم يكن هناك من يحمل راية الطائفة السنية مقابل راية الطائفة الشيعية ، ولايختلف في حسابات العمالة واسناد مشروع الاحتلال ان يرفع هذا الطائفي او ذاك شعارات معادية للاحتلال ، مادام يقف فعليا وعمليا مع ارادة الاحتلال ضد الارادة الوطنية ، ويحقق اهداف الاحتلال ، لا اهداف المصلحة الوطنية العراقية . خاصة وان الوقائع على الارض تؤكد ان دعاة مظلومية الشيعة لم يكونوا ارحم مع الشيعة ممن اتهموهم بالظلم . بل كانوا اشد تنكيلا وقمعا للشيعة الرافضين للاحتلال وبقاياه من تلك الانظمة المتهمة بممارسة المظلومية . مازال اهل العمارة والبصرة والديوانية وكربلاء يتذكرون ما اطلق عليه النظام خطة فرض القانون ، وصولة الفرسان ، التي اشاعت فيها قوات النظام وعصاباته القتل والدمار في المدن الشيعية الجنوبية خلال شهري اذار وابريل 2008 . واتهام الرافضين للاحتلال بانهم جماعات ارهابية خارجة على القانون .

ان شعار المظلوميات ليست في حقيقتها وجوهرها الا الغام مصنعة من قبل الشعوبيين والعملاء لتحقيق مكاسب سياسية لادخل لها بحق هذه الطائفة او تلك ، تُطرح مقابل مطاليب المصلحة الوطنية لتعطي رافعيها كل المبررات في دعوة هذه القوة الدولية او تلك للتدخل في الشؤون العراقية الداخلية ووسيلة لقبول التدخلات الخارجية وكانها حاجة طائفية او تعبير عن حماية هذه الطائفة او تلك .

ان العراق بكل طوائفه هو ما يتعرض للمظلومية منذ الاحتلال في 2003 ، ولا يمكن ان يتحقق خلاص جميع الشعب الا باتحاد وتوحد ابنائه المخلصين من كل الطوائف والاديان والنهوض قوة واحدة لتدمير عوامل الظلم وقواه من بقايا وصنائع الاحتلال . ما يدعو ابناء العشائر العراقية في الجنوب كما في الشمال للتعاون سوية من التخلص من دعاة من المظلوميات ومظلومياتهم. وتصعيد مطالبهم للتخلص من رواسب الاحتلال وبقاياه ، وعدم التوقف او التخلي عن السلاح الى حين انجاز الاهداف التالية:

1-الغاء دستور فيلد مان، واقرار دستور بديل يكتب على اساس المصلحة الوطنية العراقية والامن الوطني، وهوية ودور العراق العربي،كذلك الغاء كافة القوانين والانظمة التي فرضها بريمر، بما فيه قانون المسائلة والعدالة ، واعتماده الدستور الجديد كاساس لانتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة.

2-محاكمة كل المجرمين وعملاء الاحتلال الذين ساهموا في مساعدة الاحتلال وتقديم العون والدعم له، وتسببوا بكل ما تعرض له العراق من تدمير وقتل.

3-محاكمة من شاركوا في المجازر التي تعرضت لها مدينة الفلوجة البطلة عام 2004، وتقديم التعويضات للمتضررين، وقطع الطريق على الانتهازيين الذين باركوا وهللوا لتلك المجازر او قدموا الغطاء لقوات الاحتلال لتنفيذ تلك المجازر، من يحاول استثمارهذه الحركة الاحتجاجية في صراعاته مع منافسيه من العملاء والخونة.

4-تشكيل لجنة من ضباط الجيش العراقي القدامى لاعادة بناء الجيش العراقي وقوات الشرطة والامن على اساس عقيدة عسكرية ترتكز للمصلحة الوطنية والامن الوطني العراقي، وتسريح وحدات الميليشيات التي ادمجت بالجيش الحالي، واصحاب الرتب التي منحت خارج اطار قانون الخدمة العسكرية العراقية الذي كان سائدا ومُعتمدا قبل الاحتلال عام 2003.

ان على اهلنا بجنوب العراق ان يتحركوا لدعم اخوانهم في مدن الاحتجاج شمال بغداد، وان يكونوا بمستوى من الوعي لافشال مخططات التقسيم التي تقودها كتلة عملاء الاحتلال، ليعبروا عن اخلاصهم ووفائهم لاجدادهم ثوار وابطال ثورة العشرين الذين فرضوا بدمائهم ونضالاتهم على الاحتلال البريطاني ارادتهم لبناء الدولة العراقية. وليطمئنوا اذا قالت الانبار فصدقوهما، فخير القول ما تقول به الانبار.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر