الراصد القديم

2014/03/01

تفاصيل العلاقة الوطيدة بين الإخوان والمخابرات الأمريكية


"إيان جونسون مؤلف كتاب «مسجد فى ميونخ»: أفكار «االجماعة» الفاشية لا تساعدها على حكم مصر"
 
سيد جبيل
قال الصحفى الكندى الشهير إيان جونسون، إن المخابرات الأمريكية دعمت الإسلاميين لعقود طويلة، بهدف ردع الاتحاد السوفيتى، وإن الـ
CIA
 والمخابرات البريطانية تعاونتا مع الإخوان لاغتيال جمال عبدالناصر، كما سبق أن تعاونا مع الإسلاميين لإسقاط آخر رئيس حكومة منتخب فى إيران الدكتور محمد مصدق، وإن الـ
CIA
 لعبت دوراً فى ترويج أفكار الجماعات الإسلامية المختلفة. وأوضح مؤلف كتاب «مسجد فى ميونخ»، أن خوف واشنطن من «القاعدة» دفعها إلى التعاون مع كل الجماعات الإسلامية التى لا تحمل السلاح، ومنها جماعة الإخوان، التى أكد أن لها مناصرين فى قلب الإدارة الأمريكية منذ أيام بوش الابن
 وفى حديثه لـ«الوطن» أكد الصحفى الشهير - الحاصل على جائزة بوليتزر - أن مشكلة الإخوان الرئيسية أنها تنظر إلى كل قضايا العالم من منظور الدين.. ولا يمكن اختزال كل مشاكل العالم الحديث فى الدين على أهميته. وتابع «جونسون» أن جماعة الإخوان عاشت لعقود طويلة تحت الأرض، ما جعلها تتبنى توجهات غير صحية، وغرقت فى نظريات المؤامرة، واستبعد أن تكون قادرة على حكم مصر بشكل ناجح، واقترح أن يشكرها المصريون بلطف ويطلبوا منها بأدب أن تحل نفسها بنفسها
!
* كيف ترى جماعة الإخوان؟
- مشكلة الإخوان الرئيسية أنها تنظر لكل المشكلات والقضايا من زاوية واحدة وهى الدين، وتحديداً الإسلام وليس أى دين آخر. بالنسبة لهم «الإسلام هو الحل» لكل مشكلة والجواب لكل سؤال. ومشكلة هذا التوجه هو أننا جميعا نعيش فى مجتمعات متعددة الثقافات، ومصر لديها مسيحيون وعدد قليل من اليهود. ومع انفتاح العالم وتقارب ثقافته وأفكاره يصبح تعدد الثقافات فى كل مجتمع أكثر وضوحاً، وتصبح رؤية الإخوان مشكلة أكثر صعوبة، فتعريف أى مجتمع بهويته الدينية فقط «استبعادى»، الأفضل لأى نظام سياسى أن يكون محايدا دينيا، حتى لو كان دين معين ملهما لهم، وحتى لو رئيس وأعضاء البرلمان متدينون وورعون. من وجهة نظرى، ليس هناك ما يعيب على الإطلاق -فى الواقع هو قوة إيجابية من أجل الخير فى المجتمع- لكن نظاماً سياسياً قائماً على الدين وحده فى عالمنا الحديث، سيجد صعوبة فى تحقيق العدالة بين جميع المواطنين، هذا هو مشكلة الإخوان الأساسية. وبالإضافة إلى ذلك، بطبيعة الحال، هناك مشاكل أخرى، ليست الجماعة مسئولة عنها جميعا؛ فالإخوان جماعة عاشت تحت الأرض لفترة طويلة، ما جعلها تتبنى توجهات غير صحية، مثل السرية والإغراق فى نظرية المؤامرة، ولست واثقا إذا كانت جماعة بهذا الشكل هى الأفضل لحكم مصر. الإخوان مثل جماعات ثورية كثيرة كان لها دور تاريخى فى مصر لكنها ليست مناسبة لإدارة شئون البلاد، وربما تستحق منا التكريم والثناء عليها، ومطالبتها بأدب أن تحل نفسها بنفسها!
* كيف بدأت ظاهرة الإسلام السياسى؟ وما حجم دور الإخوان فى هذه الظاهرة؟
- أعتقد أن الإسلام السياسى بدأ فى القرن التاسع عشر كرد فعل على «الحداثة» التى فرضتها الدول الغربية المحتلة على المصريين والعالم العربى. وكانت عملية التحديث وحشية فى جميع البلدان وقاسية حتى على الدول الغربية نفسها، لكنها أكثر قسوة على العرب لأنها فرضت عليهم ولم يختاروها طائعين، ما أدى إلى رد فعل عنيف، وكان الإسلام السياسى وجماعاته المتشددة أحد مظاهر رد الفعل. وبالمناسبة رفض الحداثة والثورة عليها موجود فى دول أخرى، منها الصين على سبيل المثال، فهناك رفض من جانب قطاعات كبيرة للنظام السياسى والاقتصادى المفروض عليها.
أما فيما يتعلق بالجزء الثانى من السؤال، فالإخوان هى الجماعة الأكثر تنظيما وفعالية بين كل جماعات الإسلام السياسى فى العالم، وقد استلهمت فى تنظيمها الأحزاب الفاشية والتنظيمات الشيوعية (التى أسسها تحديدا لينين)، وأحد نقاط قوتها قدرتها على البقاء تحت الأرض لفترات طويلة، كما تمكنت من تكوين خلايا وجماعات كثيرة خارج مصر. وأكثر ما يميز الإخوان عن غيرها من الجماعات الإسلامية قدرتها على التنظيم.
* فى كتابك ذكرت أن القيادى الإخوانى سعيد رمضان كان يتلقى راتباً من الـ
CIA
 نظير خدماته لهم. هل هذا استنتاج أم حقيقة لديك دليل عليها؟
- لا! أنا لم أقل إنه كان بالتأكيد على جدول رواتب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أنا قلت إن هذا ما قالته عنه وثائق مخابرات سويسرا وألمانيا، وليس لدىّ دليل على ما قالوه سوى أنهم قالوه. لكن هناك أدلة على أن الجانبين على الأقل تعاونا معاً، فقد كان لديهما نفس العدو وهو جمال عبدالناصر. وفى بعض الأحيان ضم مجلس إدارة مسجد ميونخ (المركز الإسلامى فى جنيف، الذى ساعده الأمريكان فى بنائه عام 1961) عدداً من أبرز رموز الحركات الإسلامية الدولية، من الإخوان فى مصر والجماعة الإسلامية فى باكستان وغيرهم، وكل هذا ثابت فى محاضر وأوراق مكتب ميونخ للوثائق والسجلات.
* قلت فى كتابك إن النازيين كونوا شبكة من المسلمين تحت قيادة شخص يدعى «جيرهارد فون مندى» لمواجهة الروس، وإن الأمريكان سرقوا تفاصيل هذه الشبكة وسلموها لسعيد رمضان. فكيف استفاد «رمضان» من تلك الشبكة؟
- وكالة الاستخبارات المركزية لم تسلم هذه القائمة له، لكنها قامت بـ«بناء» رمضان ومساعدته فى تكوين مؤسسة تستحوذ وتستفيد من شبكة «فون مندى»، وبالفعل قام «رمضان» بالاستحواذ على مشروع «مندى» وقام ببناء مسجد فى ميونخ، حوله إلى المقر الرئيسى لجماعة الإخوان فى الخارج لأكثر من 20 سنة.
* هل العالِم الإسلامى المعروف الدكتور طارق رمضان حفيد البنا المقيم فى سويسرا على صلة أيضاً - مثل والده - بوكالات الاستخبارات الغربية؟
- ليس لدىّ دليل على ذلك، ولا أعتقد أن هذا أمر وارد، فالدكتور «رمضان» من مشاهير الفكر فى أوروبا، ويحظى بشعبية كبيرة بين اليساريين الغربيين، لتوجهاته الظاهرية الداعمة لاحترام تعدد الثقافات ومناهضة الاستعمار. لكن ما يغيب عن الأوروبيين المعجبين به أن أفكاره «رجعية إلى حد كبير
* تحدثت مراراً عن أن الحكومات الغربية وأجهزتها الأمنية، خاصة البريطانيين والأمريكيين، قد ساعدت فى تمويل ودعم الجماعات الإسلامية المختلفة حتى يكونوا أدوات لها فى محاربة خصومهم. هل هذا يعنى أن الأمريكان اخترقوا هذه الجماعات؟
- أنا لا أعرف إذا كان قد تم اختراقها أم لا. مشكلة البحث عن مثل هذه المعلومات أن أرشيف الـ
CIA
 شبه مغلق أمام الباحثين عن إجابات محددة لهذه الأسئلة، ومع ذلك فطبقاً للوثائق المفرج عنها والوثائق المتاحة لدى وكالات استخبارات أخرى أكثر انفتاحا فى فتح أرشيفها، نستطيع أن نستنتج أن الاثنين عملا معا ضد عدو مشترك. وأعتقد أن الـ
CIA
 ساعدت فى تمويل بعض الأنشطة والمؤتمرات والاجتماعات التى نظمتها هذه الجماعات لترويج أفكارها. وفى كتابى ذكرت مؤتمرين لسعيد رمضان
 قامت الـ
CIA
بتمويلهما على وجه اليقين، كما أنه شارك فى مؤتمر فى الولايات المتحدة عام 1953، كان هدفه دعائياً للحكومة الأمريكية، وليس واضح لى إن كان قد علم بذلك، لكنه كان بالتأكيد مستعدا ومرحبا بقبول التمويل.

* يغضب قادة الإخوان والسلفيين حين نذكر اتصالاتهم بالغرب، فضلاً عن التعاون مع أجهزته الأمنية. هل تعتقد أن القادة الحاليين لا يعرفون هذه الحقائق أم يعرفون ويكذبون؟
- أعتقد أن معظمهم لا يريد أن يفكر فى الماضى، ومشكلة كثير من الإسلاميين أنهم دائما يطلبون منا أن ننسى الماضى ونفكر فى الحاضر والمستقبل، وبالتالى ننسى الجماعات الإرهابية التى استلهمت أفكارها من قادتهم ورموزهم، و«رجاء اعتبرونا كمؤسسات ديمقراطية حديثة».. نظرياً يبدو مطلبهم عادلا، فالمؤسسات يمكن أن تتغير، ويجب علينا أن نقبل هذا، لكنهم سيكونون أكثر مصداقية لو تحلوا بالصراحة وقالوا: حسنا، ما فعله بعض آبائنا المؤسسين سيئ لكننا غيرنا هذا، بعبارة أخرى: نحن انفصلنا عنهم. لكن أعتقد أن لديهم صعوبة فى القيام بذلك، ولكن لأنهم يرغبون فى مغازلة قواعدهم ودوائرهم الانتخابية المتشددة المسحورة بهم وبرموزهم من أمثال سيد قطب.
* كيف ترى علاقة الإخوان بـ«واشنطن» مؤخراً؟
- يمكن أن نرى بوضوح أن وزارة الخارجية كانت داعمة جدا للإخوان، وتجنبت دائما أى نقد واضح لسياساتهم. أعتقد أنها تشعر بأن جماعة الإخوان هى القوة الوحيدة -بجانب الجيش- التى يمكن الاعتماد عليها، وبالتالى فهى غير راغبة فى انتقادها. بعض الساسة الأمريكان يرون فى هذا التوجه برجماتية، لكننى متشائم من ذلك، ولا أنتظر خيراً من الإخوان.
الإخوان استفادوا كثيراً من تنظيم القاعدة وهناك من يدافع بقوة عن الإخوان فى واشنطن
* يعتقد الكثيرون أن اهتمام «واشنطن» بالإسلاميين قد تلاشى إلى حد كبير مع نهاية الحرب الباردة فى التسعينات، وأن الربيع العربى جدد هذا الاهتمام. هل تتفق مع هذا التصور؟
- تجدد اهتمام «واشنطن» بالإسلاميين بدأ مبكرا قبل الربيع العربى، فإرهاب القاعدة ساعد الإسلاميين -خصوصا الإخوان-كثيرا، فخلال الولاية الثانية للرئيس جورج بوش الابن (من 2005 إلى 2009) أصيبت الولايات المتحدة بالإحباط من حروبها فى الشرق الأوسط، والنتيجة أنها بدأت تصنف الإسلاميين نوعين؛ القاعدة، وهؤلاء يجب تدميرهم، وإن لم يكن قاعدة يمكن العمل معهم «مهما كان خطرهم». هذا يعنى أن الكثير من الجماعات، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، تحولت إلى تنظيمات مقبولة للحكومة الأمريكية، يمكنك أن ترى هذا بوضوح فى الغرب، حيث رعت إدارة «بوش» مؤتمرات لشخصيات وجماعات إسلامية، على سبيل المثال فى بروكسل، هذا مفصل فى كتابى، ووجدنا مسئولين فى الخارجية الأمريكية، مثل روبرت لايكن، يدافع عن الإخوان ويدعو لدعمهم.
* كيف تحاول «واشنطن» أن تؤثر على مستقبل الشرق الأوسط، خصوصا مصر، من خلال دعمها للسلفيين والإخوان؟ وأيهما أقرب لواشنطن؟
- الإخوان أقرب كثيرا لقلب «واشنطن»، فالسلفيون ما زالت لديهم نزعة للعنف، ولا يتحدثون -ولو بسطحية- بلغة يفهمها العالم الحديث.. أما الإخوان فيرتدون بدلاً أنيقة ويتحدثون عن حقوق الإنسان وحرية التعبير، وبالتالى يبدون شركاء جيدين. مشكلة الأمريكان أنهم لا ينظرون إليهم بعمق أو أنهم سعداء بالإخوان كحل مؤقت لتحقيق استقرار واهٍ فى المنطقة، ولا يريدون أن يعرفوا أو يروا أى جوانب أخرى لهذه الجماعة.
إيان جونسون» فى سطور
• أحد أهم صحفيى التحقيقات الاستقصائية فى العالم.
• حصل على عدد كبير من الجوائز العالمية على تحقيقاته وكتبه، ومنها جائزة «بوليتزر» فى عام 2001.
• انتقل للعمل فى صحيفة «وول ستريت» بداية من 1997 ولمدة 13 عاما، واحتل فيها عدة مناصب تحريرية قيادية قبل أن يتركها ليتفرغ للكتابة.
• بعد 11 سبتمبر قاد فريقاً من 12 صحفياً متخصصاً فى قضايا الإرهاب، وأجروا سلسلة تحقيقات أهلتهم للفوز بجائزة «صندوق مارشال بيتر سيتز» الألمانية.
• وفى عام 2005 كتب سلسلة تحقيقات عن جذور الإسلام السياسى فى أوروبا، تحولت إلى كتابه الشهير «مسجد فى ميونخ» عام 2010.
• اختير زميلاً لمؤسسة «نايمن للصحافة» بجامعة هارفارد، بين عامى 2006 و2007.
• حالياً يقيم فى عاصمة الصين «بكين» كاتباً متفرغاً بعد اعتزاله الصحافة.
• حاصل على بكالوريوس فى الدراسات الآسيوية، ثم ماجستير فى الدراسات الصينية.
• ولد «جونسون» فى مونتريال بكندا. يجيد الألمانية والصينية والفرنسية. وله عدة مؤلفات، أشهرها بعد «مسجد فى ميونخ»: «العشب البرى»، عن المجتمع المدنى فى الصين.
جامع في ميونيخ


عرض/ زياد منى

الموضوع الأساس للكتاب هو النقاش اللانهاية له الذي اندلع في أعقاب هجمات سبتمبر/أيلول عن الموقف الذي على الولايات المتحدة الأميركية اتخاذه إزاء حركات الإسلام السياسي أو الأحزاب الإسلامية.

المؤلِّف، إيَانْ جَنسُن صحفي كاتب ومراسل لصحيفة وول ستريت جورنال حاز على جائزة البولِتزر، قضى خمس سنوات من البحث في موضوع هذا الكتاب المثير بما يحويه من معلومات أولية وتاريخية تنشر للمرة الأولى.

المقصود بعنوان الكتاب الجامع الذي بني في مدينة ميونيخ الألمانية (الأحرى: البافارية، أي في ولاية بافاريا الألمانية الكاثوليكية. هذه الإشارة مهمة لأن الحزب الحاكم في ألمانيا "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" بروتستانتي، ولا ينشط في بافاريا المتروكة تمامًا لشقيقه اللدود "الاتحاد الاجتماعي المسيحي").


-الكتاب: جامع في ميونيخ: النازيون ووكالة الاستخبارات المركزية وصعود الإخوان المسلمين في الغرب
-الكاتب: إيان جَنسُن
-عدد الصفحات: 320
-الناشر: مرينر بوكس. بوسطن، نيويورك
-الطبعة: الأولى 2011

المؤلف يذكر أن أحد محاوريه، إبراهيم الزيات، الذي تسلم مسؤولية إدارة جامع ميونيخ اتهمه في حديث مباشر بأنه من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية (ص 232)، المؤلف أجاب بأن رئيسه يتهمه بالتهمة نفسها!. هذه المسألة لا تأثير لها في موضوع الكتاب، لكن من الأمور المثيرة للانتباه حرص الكاتب على وضعها في كتابه. فكون المؤلف من كتّاب صحيفة النيويورك تايمز المعروفة كافٍ لمعرفة نواياه وعواطفه وميكانيكية تفكيره.

على أي حال، الكتاب يضم 16 فصلاً، إضافة إلى مدخل وخاتمة وقائمة بأسماء الشخصيات الرئيسة في الكتاب، الأميركيين والألمان وقيادات الإخوان المسلمين.

ومن المفيد هنا ذكر أسماء الشخصيات الإسلامية ذات العلاقة التي ترد في الكتاب على نحو أو آخر. الأسماء هي: سعيد رمضان [(1926-1995) زوج ابنة حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر وسكرتيره الشخصي]، مهدي عاكف، غالب همَّت، الحاج أمين الحسيني[!]، يوسف ندا، يوسف القرضاوي وإبراهيم الزيات. يضاف إليهم مجموعة أخرى من أسماء شخصيات عربية من المفيد ملاحظتها، منهم: إبراهيم كاغا أوغلو، وأحمد كمال، وروسي نصّار، وسعيد شامل، وغالب سلطان وبياميرزا هايت، وعلي قنطمير، وحسان كساجب، ووالي قيوم ونور الدين نمنجاني [نعتذر عن أي غلط في نقل الأسماء غير العربية لأن المؤلف لم يكتبها علميًا].

يضاف إليهم أسماء شخصيات ألمانية وأميركية ليس من الضروري المرور عليها في هذه المراجعة.

حروب ساخنة
المؤلف قسم كتابه إلى ثلاثة أجزاء أولها "حروب ساخنة"، ويضم الفصول: "الجبهة الشرقية"، "المتخصص في التاريخ التركي"، و"الأنموذج النازي الأصلي". هذا القسم تاريخي ويبحث بتفاصيل مهمة بدء علاقة الغرب بالحركات الإسلامية، حيث يتتبع الكاتب تاريخ نشوئها أو ولادتها إلى الحرب العالمية الثانية ورغبة ألمانيا في كسب مسلمي الاتحاد السوفياتي إلى جانبها بعد أن رصدت استياءهم من معاملة حقبة ستالين لهم ولدينهم.

ومن الجدير بالذكر أن مسلمين من ولايات الاتحاد السوفياتي الآسيوية "الفيلق الشرقي" لم يكونوا الوحيدين الذين حاربوا إلى جانب الألمان في تلك الحرب، حيث وقفت قوات من أوكرانيا وفنلندا، على سبيل المثال، إلى جانب القوات الألمانية، مع أن الأخيرة كانت تحتل بلادهم. وقد قدر المؤلف عدد قوات "الفيلق الشرقي" بنحو ربع مليون فرد.

"
اشتكى المؤلف من تجنب الولايات المتحدة الإفراج عن سرية وثائقها ذات العلاقة بتعاون وكالاتها الاستخبارية بالحركات الإسلامية و"الإخوان المسلمين" تحديدًا، على عكس ما فعلت بالعلاقة مع تعاونها مع نازيي ألمانيا
"
على أي حال، اشتكى المؤلف من تجنب الولايات المتحدة الإفراج عن سرية وثائقها ذات العلاقة بتعاون وكالاتها الاستخبارية بالحركات الإسلامية و"الإخوان المسلمين" تحديدًا، على عكس ما فعلت بالعلاقة مع تعاونها مع نازيي ألمانيا قبل الحرب وبعدها، وتوظيفهم في مؤسساتها في حربها ضد الشيوعية، وكل من اتبع سياسة مستقلة عنها، حيث يذكر المؤلف رؤساء دول مؤتمر باندونغ "الزعماء الأسطوريين: جمال عبد الناصر، وأحمد سوكارنو، وجواهر لال نهرو، وجوزيب بروز تيتو"، ويضاف إليهم في مرحلة لاحقة شو آن لاي الذي كان رئيس وزراء جمهورية الصين الشعبية [الشيوعية حينذاك].

مع هذا فقد تمكن المؤلف من جمع معلومات كبيرة ومهمة عن تلك المرحلة التاريخية حيث أفلح في كشف بدء العلاقة بين الطرفين، قادة الحركات الإسلامية و"الإخوان المسلمين" في أوروبا من جهة، ومن جهة أخرى الاستخبارات الغربية وفي مقدمتها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) والاستخبارات الألمانية "الغربية حينذاك" والاستخبارات السويسرية، وغيرها.

حروب باردة
الجزء الثاني "حروب باردة" يضم تسعة فصول عناوين بعضها دالة، ومنها على سبيل المثال: "إحياء وزارة الشرق/الفصل الرابع" [الإشارة هنا إلى وزارة الشرق الألمانية في العهد النازي التي كانت مسؤولة عن إدارة شؤون وسكان جمهوريات الاتحاد السوفياتي الآسيوية الإسلامية]، "مفتاح العالم الثالث/الفصل الخامس"، "تعلم دروسهم/الفصل السادس"، "تصرف سياسي حذق، إقرار الجامع/الفصل السابع"، "وصول د. سعيد رمضان/الفصل الثامن"، "زواج مصلحي/الفصل التاسع"، "فقدان السيطرة/الفصل الثاني عشر".

هذا الجزء خصصه المؤلف لتتبع مسار بدء علاقة وكالة الاستخبارات المركزية بحركات الإخوان المسلمين العربية وغير العربية، والتركية تحديدًا، مع التركيز على الأولى حيث رأت في جمال عبد الناصر خطرًا كبيرًا على مصالحها، حتى في ظل رئاسة الجنرال آيزنهاور الذي كثيرًا ما يزعم البعض أنه كان العامل الحاسم في إجبار كل من بريطانيا وفرنسا والعدو الصهيوني على إنهاء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

لقد استفادت وكالة الاستخبارات الأميركية كثيرًا من ملاحقة مصر لجماعة الإخوان المسلمين [ومن بعد في سوريا] بعد اتهامهم بمحاولة اغتيال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي بدوره كان يتهم قادتهم بالعمالة لوكالة الاستخبارات الأميركية.

والكاتب غير المتعاطف إطلاقًا مع الحركة القومية العربية أو الإخوان المسلمين أو مع أي طرف معادٍ للصهيونية، يؤكد، في أكثر من مكان في كتابه قناعته بأن د. سعيد رمضان، وليس هو فقط من قادة الإخوان المسلمين في أوروبا، كان على علاقة مع وكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات الألمانية والسويسرية.

"
المؤلف:
وكالة الاستخبارات المركزية كانت تستغل موسم الحج وترسل مندوبيها، من قادة الحركات الإسلامية المتعاونين معها، لتحريض مسلمي الاتحاد السوفياتي ضد الدولة ومحاولة كسب عملاء جدد منهم
"
المؤلف يتتبع هنا تسلل وكالة الاستخبارات المركزية إلى الحركات الإسلامية وتعاونها معها وتحرشها في حروبها الباردة مع بقية العالم "الثالث" والاتحاد السوفياتي، ليس في أوروبا والولايات المتحدة فقط، وإنما أيضًا استغلالهم في حربها الباردة ضد الشيوعية وضد الحركة القومية العربية، وتعاون بعض الدول العربية -ومنها على سبيل المثال ليبيا الملكية والسعودية- معها في تلك الحروب.

وقد أوضح الكاتب أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تستغل موسم الحج وترسل مندوبيها، من قادة الحركات الإسلامية المتعاونين معها، لتحريض مسلمي الاتحاد السوفياتي ضد الدولة ومحاولة كسب عملاء جدد منهم.

حروب حديثة
في الجزء الثالث والأخير "حروب حديثة"، الذي يحوي أربعة فصول عن المرحلة اللاحقة وتصور الكاتب لنوع العلاقة الواجب عقدها بين الولايات المتحدة/الغرب وحركات الإخوان المسلمين، في العالم العربي، منطلقًا من أن القسم الأكبر من المشاركين في هجمات سبتمبر/أيلول وقبلها على مركز التجارة العالمي، جاؤوا من أوروبا، المتساهلة، دومًا بحسب الكاتب، مع الحركات الإسلامية، وكانوا من المداومين في جامع ميونيخ. وهو يرى أن ذلك الجامع "خرّج"، حتى هجمات سبتمبر/أيلول، كثيرا من "الإرهابيين" المسلمين.

الكاتب، يعترف اعترافًا واضحًا بدور الولايات المتحدة الأميركية ومؤسساتها الاستخبارية التي تحمل أسماء عديدة وتختفي نشاطاتها خلف مؤسسات خيرية أو أكاديمية، حيث يورد تفاصيل مؤتمر إسلامي عقد في الولايات المتحدة الأميركية برعاية مؤسسات "لاسياسية" عديدة، منها جامعة برنستن ومكتبة الكونغرس، حضره العديد من قادة الإخوان المسلمين ومنهم د. سعيد رمضان.

في الوقت نفسه فإنه يؤكد دور الاستخبارات الأميركية في تأسيس القاعدة وطالبان، إضافة إلى دعمها لجماعات الإخوان المسلمين في مراحل محددة. كما يشير إلى دور العدو الصهيوني في ولادة حركة حماس آملاً أن تواجه التيار القومي العِلماني المقاوم في منظمة التحرير الفلسطينية، لكن، كما نعرف، السحر انقلب على الساحر حيث تحولت حماس، كما طالبان، إلى حركة معادية للغرب وإسرائيل.

من الأمور المهمة الأخرى التي يوردها المؤلِّف الصراع بين غالب هِمَّت [السوري] الذي تزوج من ابنة المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا وقتها د. عصام العطار [هو شقيق د. نجاح العطار التي تشغل حاليًا منصب نائب الرئيس السوري للشؤون الثقافية، والتي تسلمت منصب وزيرة الثقافة والإرشاد القومي في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد لمدة ربع قرن تقريبًا]، الذي فر إلى ألمانيا وأقام في مدينة آخن، وسعيد رمضان [المصري] على قيادة الجاليات الإسلامية في ألمانيا، لكنه كان خلافًا عقديًا حيث مال الأول، كما يقول المؤلف، إلى نشر تعاليمه عبر التعليم والتثقيف، بينما كان الأخير، دومًا بحسب الكاتب، ميالاً للعمل السياسي، وقاد المركز الإسلامي في ميونيخ تجاه العنف.

خلاصة
من المهم الإشارة إلى أن بوصلة الكاتب في تقويمه لحركة الإخوان المسلمين وتفرعاتها تنبع من موقفها من العدو الصهيوني ومقاومته. فهو يكثر من ترداد مصطلح "معاداة اليهود/معاداة السامية" و"الإرهاب" و"العمليات الانتحارية" واسم كتيب "بروتوكولات حكماء صهيون" وما إلى ذلك من اللغو الفارغ، متجاهلاً تجاهلاً كاملاً الظلم الكبير الذي ألحقه الغرب، وإسرائيل بالشعب الفلسطيني، وأن معاداة حركات إسلامية (طبعًا معها أحزاب وقوى وشخصيات عِلمانية [العلمانية تعني "غير متدينة"، وليس "ملحدة" كما يتوهم البعض]) للغرب، ناشئة بسبب اغتصاب الغرب لفلسطين وتحويلها إلى كيان عنصري صهيوني.

لو أن الكاتب أهمل هذه المسألة لربما كان أكثر توازنًا في أحكامه ولفهم جذور معاداة العرب والمسلمين الغرب الاستعماري، بدلاً من تكرار السؤال السمج والأبله "لماذا يكرهوننا"، مع أنني لا أكره الغرب وإنما بعض سياساته الظالمة، وأنا على ثقة بأن هذا موقف الغالبية العظمى من العرب والمسلمين.

"
رغم الملاحظات يبقى الكتاب مرجعًا فذًا لتاريخ العلاقة بين الاستخبارات الغربية على نحو عام، والأميركية على نحو خاص، والحركات الإسلامية في الغرب وتفرعاتها التنظيمية
"
إضافة إلى ما سبق، فقد تجاهل المؤلف أن العديد من قادة الإخوان المسلمين الروحيين، أصدروا فتاوى تساعد الغرب في العديد من معاركه الرئيسة في المشرق ومن ذلك على سبيل المثال الحربين على العراق، والحرب على أفغانستان وغير ذلك من المواقف المعروفة تفاصيلها.

إن تجاهل المؤلف لهذه المواقف يوضح انطلاق بعض آرائه وتحليلاته من مواقف مسبقة تبحث عن برهان بهدف إلغاء الدليل المضاد. كما أن تصوير المواقف المعقدة لجماعات أو أحزاب الإخوان المسلمين من مختلف القضايا بمنظور أبيض/أسود غلط وغير علمي، ويقود إلى فهم خاطئ للسياسات.

مع هذا، فإن الكتاب يبقى مرجعًا فذًا لتاريخ العلاقة بين الاستخبارات الغربية على نحو عام، والأميركية على نحو خاص، والحركات الإسلامية في الغرب وتفرعاتها التنظيمية. كما يشكل الكتاب، وفق ما توافر لدينا من معلومات، المرجع الأول عن علاقة الحركات الإسلامية مع ألمانيا النازية، ومن ثم مع الغرب واستخباراته، وكذلك نشاطات بعض قادته الاقتصادية وعلاقاتهم مع بعض الحكام العرب، ويعد مرجعًا لا غنى عنه لدراسة تلك الجماعات ونشاطاتها وتاريخها، مع الحذر الضروري في هذا العمل التاريخي المسيس.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر