الراصد القديم

2014/03/01

التهجير والقدس


نادية سعد الدين 

لازمت معادلة «التهجير/ الإحلال»، المتأصلة في الفكر الصهيوني، مفاعيل السياسة الإسرائيلية ضدّ القدس المحتلة، بشقها الشرقي، منذ عدوان العام 1967 حتى اليوم، غداة استلاب شطرها الغربي، تحت مزاعم «العاصمة الأبدية والموحدة لدولة إسرائيل»، بعيداً عن أي تسوية سلمية تسعى الإدارة الأمريكية للتوصل إليها لاحقاً.
ينفذ الاحتلال مخططه بأساليب متنوعة، ولكنها متقاطرة حول أسّي التطهير العرقي والإغراق الاستيطاني للمدينة المحتلة، بهدف تفريغها تدريجياً من مواطنيها المقدسيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ومنع إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها القدس.
لم تصبّ إجراءات فرض الحقائق المغايرة في القدس المحتلة المكان فقط، بأرضه ومقدساته الدينية وأحيائه ومنازله، وإنما استهدفت البعد الإنساني أيضاً، بصفته غاية الاحتلال النهائية، عبر سياسات تطال حياة المواطنين المعيشية، بهدف تهجيرهم من مدينتهم وخلق واقع سياسي اجتماعي اقتصادي ديمغرافي جديد، تنفيذاً لمخطط 2020 الإسرائيلي الذي يرسم مشهداً مفترضاً لا يتجاوز عدد المواطنين الفلسطينيين العرب فيه عن 12%، بينما يصل عددهم اليوم إلى نحو 300 ألف، مقابل مليون مستوطن يهودي في القدس المحتلة، بجانبيها الغربي والشرقي معاً.


إجراءات التمهيد «للسطو»

سنتّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ احتلال القدس، بشقها الشرقي، في العام 1967، ومن ثم إصدار قرار ضمّها، جملة من الإجراءات السياسية والإدارية التي تمس بوضع المدينة المقدسة، الوطني والقانوني والديمغرافي، وبمعالمها الدينية والتاريخية والحضارية والثقافية.
فقد أدى تطبيق قانون أملاك الغائبين العنصري، الذي صدر عام 1950، على اللاجئين من أهالي المدينة المقدسة الذين هُجّروا بفعل عدوان 1967، والمقدر عددهم حينها بأكثر من 60 ألف مقدسي، إلى وضع يدّ الاحتلال على جميع الأموال المنقولة وغير المنقولة لممتلكاتهم من العقارات والأراضي المقدرة آنذاك بنحو 80%.
فيما سارع الاحتلال إلى مصادرة 116 دونماً داخل البلدة القديمة وهدم مبانيها وتشريد سكانها مقابل توطين اليهود مكانهم، تزامناً مع مصادرة حوالي 21 ألف دونم من أراضي القدس خلال السنوات الخمس الممتدة بين عامي 1968 1972.
أعقب ذلك إعلان الاحتلال عن مشروع «القدس الكبرى»؛ عبر توسيع حدود المدينة لاستيعاب 70% من إجمالي عدد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة ضمن مساحة تقدر بنحو 279,46 دونماً، يشمل 49 مدينة وقرية وسبعة مخيمات للاجئين الفلسطينيين، ومصادرة، قبل حلول عام 1997، حوالي 73% من مساحتها ليسكن العرب ضمن 10% منها وإخضاع 7% منها للمصادرة، مقابل إبقاء 4% من مساحتها الخارجة عن يدّ الاحتلال تحت سطوّة قضايا الصراع المؤجل، وذلك نتيجة معاول التغيير الإسرائيلية التي أحدثتها عبر سنوات لجغرافية المدينة المحتلة.
تزامن ذلك مع قيام سلطات الاحتلال بإلغاء القوانين الأردنية التي كانت مطبقة في المدينة المحتلة آنذاك، وإغلاق المحاكم والبنوك العربية، وإلغاء مجلس الأوقاف والاستيلاء على أملاك الأوقاف أيضاً.


الاستيطان

يشكل الاستيطان الحلقة الثالثة المتممة لقطبي التهجير والتهويد في مشروع الاحتلال الإسرائيلي للقدس المحتلة، بهدف الاستيلاء على أكبر قدر من الأراضي الفلسطينية بأقل ما يمكن من السكان الفلسطينيين، سواء داخل المدينة أو في محيطها، والحد من التوسع العمراني للتجمعات الفلسطينية المحيطة بالمدينة، وفصل أحياء عديدة في المدينة عن بعضها.
أقام الاحتلال 14 مستوطنة كبرى، تضم زهاء 200 ألف مستوطن، ممتدة على ثلث مساحة الأراضي التي تمت مصادرتها منذ العام 1967، تزامناً مع إقامة 8 بؤر استيطانية في أحياء المدينة المقدسة، تضم ألفي مستوطن يتوزعون بين منازل المواطنين المقدسيين، ويعتدون عليهم بدعم من الجمعيات الصهيونية وقوات الاحتلال، ليشكل ذلك عامل ضغط إضافي على المواطنين لدفعهم لبيع عقاراتهم وتهجيرهم خارج المدينة. ومن شأن ضمّ الكتل الاستيطانية الكبرى إلى الكيان الإسرائيلي واستكمال تطويق الجدار العنصري حول القدس المحتلة، أن يفصلها عن الضفة الغربية المحتلة ويعزلها عن محيطها الفلسطيني.
بينما يقود تنفيذ الاحتلال لمشروع «E1»، الذي أعلن عنه في العام 1994، ضمن مساحة 12,443 دونماً من أراضي قرى «أبو ديس، العيزرية، الطور، عناتا»، إلى إغلاق القدس من الشرق بشكل كامل ومنع أي فرص للتوسع المستقبلي للفلسطينيين باتجاهه، وربط جميع المستعمرات الواقعة في المنطقة الشرقية وخارج حدود بلدية الاحتلال مع المستعمرات داخلها، ومنع إقامة القدس كعاصمة للفلسطينيين.


سياسة التهجير «القسرّي»

تنفذ سلطات الاحتلال سياسة «التهجير» عبر إجراءات هدم المنازل وسحب الهويات وفرض القيود على رخص البناء، المصحوبة بالتبعية الاقتصادية الإسرائيلية وضرب الحركة التجارية للقدس المحتلة وعزلها عن محيطها.
فقد قدر عدد المنازل المهدمة منذ عدوان العام 1967 بنحو 3 آلاف منزل مقدسي، تضاعف خلال الفترة الممتدة منذ عام 2000 بهدم 1120 منزلاً، فيما يوجد الآن 15 ألف منزل مهدد بالهدم، بما يرافقه من تشريد مواطنيها ودفعهم للرحيل خارج مدينتهم.
تزامن ذلك مع فرض سلطات الاحتلال قيوداً صارمة على البناء، عبر السماح للفلسطينيين بالبناء على ما مساحته 13% فقط في حدود ما يسمى بلدية الاحتلال، شريطة نيل الموافقة المسبقة، أما الجزء المتبقي، المقدر بنحو 87%، فقد تم تخصيصه لأغراض المستوطنات أو كمناطق أمنية أو مناطق خضراء.
في ظل ما تخصصه بلدية الاحتلال من ميزانية للقدس لا تتعدى 5% فقط، فإن حوالي 60% من المساكن الفلسطينية غير مربوطة بشبكة الصرف الصحي، بينما تحتاج 50% من شبكة المياه تقريباً للتأهيل، فضلاً عن ما يعتري قطاع الخدمات العامة للمدينة الكثير من النقص. وبسبب سياسة الاحتلال الصارمة في مسألة الحصول على رخص البناء، وسياسة هدم المنازل، فإن المدينة المحتلة بحاجة إلى حوالي 20 ألف وحدة سكنية لسد العجز المتراكم خلال السنوات السابقة، بينما أسهم ندرة الأراضي الناجمة عن المصادرة والسرقة وتفتيت الملكية وشبح حارس أملاك الغائبين، إلى قيام المواطنين ببناء منازلهم بدون ترخيص، فتكون النتيجة الهدم ودفع الغرامات الباهظة.
قد بلغت جرائم الاحتلال حدّ إجبار المقدسي على هدم منزله بيده أو مراقبته لمشهد تحويل معاول الجرافات البناء إلى أنقاض، فيما يجبي من أهالي المدينة المحتلة أكثر من 40 ألف دولار لرخصة البناء وقرابة 100 ألف لترميمه، بعدما صنف الأراضي إلى مسميات «ملوّنة»، أي إلى أصفر وأحمر، والتي تمنع المواطن من البناء في وطنه وأرضه، مما يضطره إما إلى البناء حسب تعليمات الاحتلال أو السكن في مناطق قريبة من المدينة المقدسة.
تعزيزاً لعدوانها؛ أصدرت سلطات الاحتلال قراراً بتفعيل قانون صادر عام 1965 يقضي بحق البلدية في هدم المنازل الفلسطينية دون إبداء الأسباب أو الاعتراض، أعقبته بتفعيل قانون أملاك الغائبين والعمل على تطويب الحي اليهودي بأسماء يهودية وتقليص الكثافة السكانية داخل البلدة القديمة ورفع الحماية عن المباني والحوانيت للتصرف فيها.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر