الراصد القديم

2014/03/31

كفر قاسم الينبوع الصافي للصهيونية

محمود درويش

طفل عمره ثماني سنوات، اسمه طلال شاكر عيسى. هربت عنزة من ساحة داره الى الشارع. لا الطفل ولا العنزة يفهمان أن أمر منع التجول قد أصبح ساري المفعول في القرية منذ دقائق معدودة. ركض الطفل وراء العنزة، فانهمر رصاص بندقية وارداه قتيلاً.
لحق به أبوه، فاستأنفت البندقية مهمتها.
ركضت الأم نحو زوجها وابنها، فاستأنفت البندقية مهمتها. لحقت الابنة نورة بوالديها وأخيها، فاستأنفت البندقية مهمتها.
عشية الهجوم الثلاثي على مصر عام 1956، دعا اللواء شدمي الرائد مالينكي الى مقر قيادته، وابلغه بالمهمات الملقاة على الوحدة الخاضعة له. كانت احدى هذه المهمات التي ألقيت على عاتق حرس الحدود في المنطقة الوسطى فرض منع التجول وبقاء السكان داخل بيوتهم في قرية كفر قاسم والقرى المجاورة لها، ابتداء من الساعة الخامسة مساء حتى السادسة صباحاً. ودار بين القائدين الحوار التالي كما ثبت في قرارات المحكمة المركزية في ما بعد:
شدمي: يجب أن يكون منع التجول حازما جدا، وتتم المحافظة عليه بيد قوية، لا بواسطة اعتقال المخالفين، وإنما بإطلاق النار عليهم. ومن الأفضل قتلهم بدلاً من تعقيدات الاعتقالات.
مالينكي: وما هو مصير المواطن الذي يعود من عمله خارج القرية، دون ان يعلم بأمر منع التجول، ومن المحتمل ان يقابل في مدخل القرية وحدات من حرس الحدود؟
شدمي: لا أريد عواطف. الله يرحمه!
وبانتهاء الحوار السريع والحازم، قدم مالينكي الى ضابط قوات الاحتياط التابع لفرقته أمراً يتضمن العبارة التالية: «لا يسمح لأي ساكن ان يترك بيته خلال منع التجول. والذي يترك بيته تطلق عليه النار. ولا تكون اعتقالات».
ودار الحوار التالي بين مالينكي وبين جنوده، كما ثبت في قرارات المحكمة المركزية في ما بعد:
جندي: ماذا نفعل بالمصابين؟
مالينكي: يجب عدم الاهتمام بهم. او يجب عدم نقلهم. او لن يكون هناك جرحى (بحسب الشهادات التي وردت في المحكمة).
قائد أحد الأقسام: وماذا بشأن النساء والأطفال؟
مالينكي: بدون عواطف.
القائد نفسه: وماذا بشأن العائدين من العمل؟
مالينكي: حكمهم كحكم الجميع. الله يرحمهم. هكذا قال القائد.
في اليوم ذاته، وفي الساعة الرابعة والنصف، أي قبل سريان مفعول منع التجول بنصف ساعة فقط، كان رقيب من حرس الحدود يبلغ مختار قرية كفر قاسم بفرض منع التجول ابتداء من الساعة الخامسة مساء وحتى السادسة صباحا. وحذره من أن منع التجول سيكون حازماً ويتضمن خطر الموت. وطلب منه ان يعلن ذلك في القرية. فأخبره المختار ان أربعمئة عامل من كفر قاسم موجودون، في هذه اللحظة، في أماكن عملهم خارج القرية. قسم منهم في أماكن قريبة. وقسم آخر في أماكن بعيدة مثل يافا واللد. وانه من المتعذر عليه إبلاغهم بأمر منع التجول في مثل هذه الفترة القصيرة. بعد المناقشة وعد الرقيب المختار بأنه سيسمح للعائدين من العمل بالمرور على عاتقه وعلى عاتق الحكومة!
وعلى عاتقه... وعلى عاتق الحكومة، تم في الساعة الأولى من منع التجول... بين الخامسة والسادسة مساء قتل سبعة وأربعون مواطناً عربياً من قرية كفر قاسم على أيدي حرس الحدود. ومن بين القتلى سبعة أولاد وبنات وتسع نساء.
بعد عشر سنين من المذبحة التي روت عطش الإسرائيلي الى الدم العربي الأعزل روى احد الذين نجوا من المذبحة بأعجوبة (صالح خليل عيسى) للشاعر توفيق زياد شهادته على المجزرة:
«في ذلك اليوم كنت أعمل في بيارة مع اثنين من ابناء عمي. انهينا العمل بعد الساعة الرابعة بقليل، وركبنا دراجاتنا عائدين الى القرية. في الطريق التقينا بعمال آخرين قالوا لنا ان في القرية منع تجول واطلاق رصاص ولا احد يعرف لماذا. هكذا سمعوا. بعد تردد قررنا مواصلة الطريق. كان عددنا يزداد حتى اصبح خمسة عشر عاملاً. صرنا على بعد كيلومتر من القرية. لم تكن لدينا مخاوف جدية. احتمال واحد كنت افكر به... هو ان يتعرض لنا ضابط قوة الحدود «بلوم». ربما سيشتمنا ويضربنا قليلاً كعادة. ولم أفكر بشيء آخر.
بعد قليل سمعنا صوت اطلاق رصاص. بدأت أحس ان المسألة خطيرة. قلت لابن عمي: فلنرجع. راح يشجعني. وكان معنا شيخ في حوالى الستين راح يشجعنا بآيات قرآنية. واقتربنا حتى صرنا على بعد مئة متر عن اقرب بيت في القرية.
فجأة... ظهر رجل من حرس الحدود واعترض طريقنا: قفوا! وحتى تلك اللحظة، فإن ما كنت اتصوره هو الضرب... لا الموت.
نزلنا عن الدراجات. وأمرنا الجندي بالوقوف في صف:
ـ من أين أنتم؟
ـ من كفر قاسم. صحنا بصوت واحد.
ـ وأين كنتم؟
ـ في العمل.
ابتعد عنا نحو خمسة أمتار، حيث كان اثنان من زملائه يحمل كل واحد منهما مدفعا رشاشاً وصاح:
ـ احصدوهم!
ولم أصدق إلا عندما راح الرصاص ينهمر في اتجاهنا. الرشة الاولى على ارجلنا. والثانية أعلى قليلا. وسقطت مع الآخرين. كانت بجانبي عربة خيل كانوا قد احتجزوا صاحبها واطلقوا عليه الرصاص معنا. سقطت خلف العربة، لا اعرف كيف. شعرت انني ما زلت حياً فقط بعدما سقطت. وهذا كل شيء. وابتعد عنا الجنود الثلاثة نحو عشرة أمتار.
وجاءت، بعد لحظات، سيارة شحن. اوقفوها. أمروا ركابها بالنزول. كان فيها كثيرون (عرفت في ما بعد ان عددهم كان ثلاثة وعشرين) من عمال شركة أساميا للزراعة.
تقدم منهم الآمر نفسه الذي اصدر الأمر بإطلاق الرصاص علينا، وأمرهم بالنزول والاصطفاف خلف السيارة. وبعد ان اصطفوا خلف السيارة ملتصقين، ابتعد عنهم ذلك الآمر ثم صرخ:
ـ احصدوهم!
هرب البعض. وسقطت الأكثرية.
وعاد القتلة الثلاثة حيث كنت وبقية ركاب الدراجات القتلى، واخذوا يكومونهم في كومة واحدة على بعد ثلاثة أمتار مني. كانوا يستعملون بطاريات ويطلقون الرصاص، انهم يجهزون على الجرحى.
واقتربوا مني. سحبوا العربة بعيداً. دولابها الحديدي مشى بكل ثقله على قدمي. كنت أصر بأسناني حتى لا أصرخ. تظاهرت بأني ميت. سحبوني ووضعوني على الكوم... وابتعدوا».
خلاصة القول ان الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد السكان العرب المدنيين والتي تمثل مذبحة كفر قاسم تجسيداً صارخاً لها، ليست ناشئة عن تطبيق «رديء» للتراث الصهيوني «الجيد»، لكنها تطبيق جيد للتراث الصهيوني الرديء. وهذه النقطة بالذات هي التي تشكل صخرة صماء وعقدة مستعصية الحل امام الذين يدافعون عن مبادئ الصهيونية «النظيفة» ويعترضون على التطبيق الإسرائيلي القذر لهذه المبادئ، او الذين يعترضون على «الانتهاكات» الإسرائيلية «لقداسة» التعاليم الصهيونية. إن الاعتراض على الممارسة الإسرائيلية سيبقى محاولة لاجتراح المستحيل إذا بقي أسير الالتزام بفكرة الدفاع عن سلامة الايديولوجية الصهيونية، وضرباً من ضروب خداع النفس وخداع الآخرين.
إن تراث الصهيونية وينبوعها «الصافي» هما الامر الذي حلل العنف والجريمة. كان جابوتنسكي واضحاً مع نفسه حين قال لمستشار الطلبة اليهود في فيينا: «تستطيع ان تلغي كل شيء: القبعات، والأحزمة، والألوان، والإفراط في الشراب، والأغاني. أما السيف فلا يمكن إلغاؤه. عليكم ان تحتفظوا بالسيف، لان الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانيا، بل هو ملك لأجدادنا الاوائل. إن السيف والتوراة أنزلا علينا من السماء».
لم تكن كفر قاسم قرية ذات شأن في تاريخ فلسطين. ولا تستطيع الرؤيا الشعرية ان تستخرج منها لوحة جميلة. لكن ذلك الغروب الواقف على حافة الدم جعل كفر قاسم المجهولة ملحمة شعب صابر. وحين وقفنا على مدخلها، ذات مساء، أحسسنا بضراوة الفرح المكبوت فينا. وعرفنا الجريمة التي ننال عليها كل هذا العقاب. وأدركنا ان الحجارة هي الوقت، فجلسنا عليها نغني للوطن.
المصدر: يوميات الحزن العادي، بيروت: مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، 1973.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر