الراصد القديم

2014/04/01

47 دقيقة هزّت العالم

طاهر محيي الدين

من على منصّة في قاعة سان جورج في مبنى الكرملين، ألقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كلمة اعتبرها العالم الأقوى والأكثر جرأة على مستوى الخطب التي يقدمها الرؤساء، إذ استغرقت الكلمة 47 دقيقة وقاطعها الحضور بالتصفيق ثلاثين مرة على الأقل، وأظهر القيصر بوتين خلالها قوة، ليس روسيا الاتحادية إنما الاتحاد السوفياتي، وبدا كأنه يعيد رسم الخرائط العالمية الجدية ويعلن انتهاء حالة القطب الواحد ويعيد أوروبا إلى حجمها الطبيعي الذي آلت إليه إبان الحرب العالمية الثانية مدمرة واهنة، وكان من أهم نتائجها ظهور الولايات المتحدة قطباً عالمياً جديداً. وأراد بوتين في خطابه هذا أن يحطم الوهم الأميركي والغربي معاً، وإبلاغه علانية بأن زمن القطبية الأحادية قد ولّى وبأن روسيا عائدة بقوة، موجهاً إليه الضربة القاضية التي اعتبرها البعض إعلان بداية الحرب الباردة الجديدة، ولربما رأى فيها كثر إعلان حرب عالمية إذا ما اقتضى الأمر ذلك، إذ قال «يفضل شركاؤنا الغربيون وعلى رأسهم الولايات المتحدة ألاّ يملي القانون الدولي سياساتهم العملية بل أن يمليها حكم السلاح»، وأضاف: «يعتقدون أنهم يتمتعون بمكانة استثنائية ويشعرون بأنهم المختارون وبإمكانهم تقرير مصائر العالم وبأنهم وحدهم على حق».

في هذا الخطاب استحضر بوتين فكرتين أساسيتين غالباً ما استخدمهما لحشد الناس والالتفاف حوله، هما:

 1 ـ التذكير بسقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991 وكيف كان الأمر صدمة وكارثة على الجمهور الروسي، وكيف أن الروس ناموا ذات ليلة كانوا فيها في الاتحاد السوفياتي، وكيف أصبحوا على جمهوريات مجزأة بل أكثر شعوب العالم تقسيماً، قائلاً: «ما كان يبدو غير متصوّر أصبح ويا للأسف حقيقة واقعة: الاتحاد السوفياتي انهار».

 2 ـ استطاع القيصر بوتين أن يخلق «فكرته الكبرى» في جمع الناس معاً تحت شعار «إعادة الوحدة الوطنية للروس» وإعادة جمعهم تحت ما يسمى بالاتحاد السوفياتي، مبدياً تحدياً وهجوماً قويين غير مسبوقين بالخطب الرئاسية، إذ أعلن صراحة: إن أردتموها حرباً فاهلاً وسهلاً بالحرب، موجهاً انتقادات حادة ولاذعة إلى من أسماهم بشركائه الغربيين إذ قال: «لسبب غير معروف، ما يسمح به لألبانيين كوسوفو ونحن نحترمهم يحرم على الروس والأوكرانيين والتتار في القرم! عندما استهدفت بلغراد بالقنابل والصواريخ، الأمر الذي أعقبه تدخل حقيقي، هل كان هناك قرار من مجلس الأمن في هذا الشأن يجيز مثل هذه الأعمال؟ لا شيء من ذلك. ثم كانت أفغانستان والعراق وقرارات مجلس الأمن التي انتهكت صراحة في ليبيا حيث بدلاً من تأمين منطقة تسمى حظراً جوياً بدأ أيضاً في القصف. إنها ليست حتى سياسة الكيل بمكيالين، بل هي وقاحة مثيرة للدهشة».

تنافخ الغرب الاستعماري شرفاً وبدأ يصرخ صوناً لعرضه الذي هتكت بكارته على أيدي جنود القيصر بوتين الذي حسم الموقعة بأسرع مما كان يتوقع الناتو وأزلامه، وبدأ محاولة لملمة ماء وجهه الذي أريق بإطلاق فقاعات صابونية لا ترتقي إلى التفاهة، حتى بفرض عقوبات مالية مصرفية على مجموعة من الروس ومساعدي القيصر بوتين، ما استدعى سخرية أحد المساعدين الذي أدرج اسمه في هذه القوائم مخاطباً أوباما: «سيدي الرئيس وماذا عن أولئك الذين لا حسابات مصرفية لهم في البنوك الأميركية؟!».

حوّل أوباما أميركا فعلاً إلى إحدى جمهوريات الموز، بحسب ما قال له ذلك السيئ الذكر جون بولتون أو «العم شنبو» كما سماه سماحة الأمين العام حسن نصرالله في إحدى خطبه المشهورة، فأوباما خسر جميع الحروب التي خاضها على الصعد الديبلوماسية والسياسية والعسكرية وعن بعد، أي وفق نظام الحروب بالوكالة، فهو مدحور في العراق ومسحوق في أفغانستان ومحطم سياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً في سورية التي أسقطت بصمودها وتحالفها المتين مع محور المقاومة والاتحاد الروسي أدوات أوباما كلها في المنطقة من حَمَدَي قطر إلى «إخوان» مصر إلى أردوغان اللص وأخيراً وليس آخراً التهاوي الداخلي المتسارع بسبب الصراعات على كراسي الملكية في مملكة الرمال وأذنابها في شبه جزيرة العرب. وبسبب الهزائم المدوية التي منيت بها هذه المشايخ والمعاهر الخليجية بنعال أسود الجيش العربي السوري وراجمات رجال الله في القلمون وريف حمص الغربي وبركة العتيبة من قبلهما، استكمالاً لتطهير الغوطة الدمشقية من عهر الوهابيين وأدواتهم الإرهابية، لجأوا إلى ما أسموه معادلة تسخين الجبهة الجنوبية فقلب حلف المقاومة الطاولة على رؤوس الجميع وغير اتجاه ريح التسخين لمصلحته فأضحى المستهدف في التسخين هو كيان العدو نفسه، فهو من تسخن جبهتاه الشمالية والشمالية الشرقية إذ أرسل حزب الله والاستخبارات السورية الرسائل الأقوى بعمليات نوعية مثل زرع العبوات الناسفة التي استهدفت ضابط الكيان وجنوده، ما أفقد «الإسرائيلي» صوابه فرد بعملية جوية وقصف ما يسمى باللواء 90 للجيش السوري، وللمرة الثانية يتلقى الضربة المدوية على رأسه من خلال بيان أصدره الجيش العربي السوري يفيد بأن مثل هذا العدوان لن يتوقف عند إصدار بيان وربما ستكون نتائجه حرباً إقليمية وربما أكبر من ذلك، وتلك الرسالة تناولها بعض الأغبياء «المعارضين» بكونها الرسالة الدائمة التي تشي بعدم القدرة على الرد، وبكونها مجرد كلام لحفظ بعض ماء الوجه. لكن المهم في الأمر أن الصهيوني والأميركي تلقّفا الرسالة جيداً، ويثبت صحة ما نقول الاستنفار الإعلامي والعسكري والمناورات العسكرية في الجولان التي أقامها كيان العدو والتي تحاكي هجوماً كبيراً من عدة محاور ويشارك فيها حزب الله والجيش العربي السوري والصواريخ الإيرانية. وكشفت دراسات عسكرية «إسرائيلية» أن من المؤكد تعرّض الأرض المحتلة على الأقل إلى 5000 صاروخ يومياً، وهذا لا يمكن للقبة الحديدية أن تصدّ أكثر من 1000 صاروخ منها، وستحظى البقية بأهدافها في أرض فلسطين المحتلة. ويؤكد بعض الضباط والاستخباريين الصهاينة بأن الرئيس الأسد سيقصف تل أبيب بالصواريخ إذا تعرضت سورية أو حزب الله لهجوم «إسرائيلي» محتمل، إضافة إلى الرسالة الواضحة التي بعثت بها العملية النوعية لحزب الله بزرع العبوة الناسفة، وتفيد بأن الحزب جاهز على جميع الجبهات وبأن المقاتلين الذين يشاركون الجيش العربي السوري في حربه على الإرهاب هم جزء منفصل عن أولئك المرابطين على الحدود الجنوبية والمنوطة بهم العمليات في الأراضي المحتلة ومحاربة العدو الصهيوني، كذلك الجيش العربي السوري، فجيشه المخصص للحرب الخارجية على أهبة الاستعداد وجميع الفرق والمقاتلين المعدين لحرب الكيان الصهيوني لم تتأثر معنوياتهم ولا قدراتهم العسكرية البتة، وهم على مسافة أمتار من منصات الانطلاق.

سلسلة الهزائم المدوية في القلمون وريفي حمص واللاذقية وغوطة دمشق مهدت الطريق الأكبر للقيصر في القرم وزادته منعة وقوة وثباتاً، وربما أضحى أشرس من ذي قبل بتثبيت حلفه ودعمه سورية في حربها على الإرهاب، فأطلق بالأمس تصريحاً ليفهمه القاصي والداني، خاصة رعاة الإرهاب في مملكة الرمال بأن «الإرهاب لا بد من أن يقضى عليه في مهده».
تلك السلسلة من الهزائم كوت ظهر ذلك القاطن في البيت الأبيض وأجنابه ودفعته إلى إلغاء القمة مع قوّادي دول مجلس التعاون الخليجي قبل يوم من موعدها. وهي نفسها أرغمت عملاء «إسرائيل» وأميركا في لبنان على قبول البيان الوزاري وتشكيل الحكومة صاغرين، رغم نباحهم الذي علا في مسرح البيال، وهي نفسها التي جعلت الحريري يبلع لسانه عن الكلام الذي كان مفترضاً أن يتأتئ به في ذلك النهار.

السلسلة نفسها دفعت التركي الأردوغاني إلى الدخول بجسده العفن في الهجوم الأخير على منطقة كسب الحدودية ودعمه الناري لتغطية الهجوم الإرهابي، علّه يجد ضالته هناك، هذا التركي المتورط حتى الثمالة في الدم السوري، والذي فقد أكثر من 250 ضابطاً وعسكرياً في الأزمة السورية وللمرة المئة يتلقى هذا اللص الصفعات والنعال التي تدوس رأسه في سورية والتي قضت على عصابته «الإخوانية» أولاً وأحرقت كل خيط أمل له في الاستمرار بالحياة السياسية إلى أبد الآبدين.

إذ بدأنا الحديث بكلام القيصر، فلا بد لنا من ختامه بمسك مما قاله، وهي الفكرة الرئيسية التي تحدد مسار ولايته وطريقة حكمه وخطة عمله. تأملوا فيها كثيراً: «من لا يَحنّ إلى الاتحاد السوفياتي إنسان بلا قلب، ومن يحلم بعودته إنسان بلا عقل».

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر