الراصد القديم

2014/05/01

معاهدة ‘كامب ديفيد’ ونشأة العنف المسلح ضد التطبيع




محمد عبد الحكم دياب






ها نحن ما زلنا مع ملف العنف المسلحفي مصر، ورائدنا الابتعاد عن التهوين أو التهويل، قدر الإمكان، خاصة أنه أعقد مما يتصور البعض، لكونه موزع بين تقاليد وعقائد وتجارة وارتزاق، إلى أن صار امتلاك السلاح مشاعا بين السواد الأعظم من الناس. وقد حدثت نقلة نوعية لسوق السلاح، خلال السنوات الثلاث الماضية؛ تمثلت في تضاعف كمياته وتغير نوعياته وأحجامه، وانتقالها من السلاح الخفيف إلى المدافع الثقيلة والمضادة للطائرات والمركبات والمجنزرات، وكذلك الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، فضلاً عن قذائف الـآر بي جيالمضادة للدبابات!وارتباط السلاح بالأيديولوجيا أدى إلى اتساع مجال المواجهة بين جماعات جهاديةوبين القوات المسلحة والشرطة، وامتد إلى خارج الحدود مع ظهور جماعات تصف نفسها بأنها سلفية جهاديةتقوم بهجمات ضد الدولة الصهيونية، وتعلن مسؤوليتها عن الهجوم على ميناء إيلات، وتدمير خط الغاز الواصل إلى داخل فلسطين المحتلة، في نفس الوقت تستهدف تجمعات وأفراد القوات المسلحة والشرطة

وذلك بالمخالفة لجماعات سلفية جهاديةأخرى تحجم عن استهداف المصريين والفلسطينيين، رغم أنها جماعات تكفر سلطات الحكم لأنها لا تطبق الشريعة، وجماعات تتحفظ على تكفير عموم الناس، واعتبارهم مستضعفين ومغلوبين على أمرهم، فضلاً عن حرصهم على التركيز وعدم التشتيت بين جبهات قتال متعددة.

وظاهرة العنف المسلح قائمة وموجودة في مصر بدرجات متفاوتة، وأخذت معالمها الوطنية تتضح تاريخيا منذ اندلاع المقاومة الشعبية ضد الحملة الفرنسية في آخر سنوات القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، وكانت بداية فعلية لتجاوز الاقتتال، المستمر بين المماليكطلبا لحكم الدول والأقاليم، وبين الفتواتالساعين للنفوذ والجاه في المدن والأحياء، ومع المقاومة نمت بذرة الوعي الوطني والاجتماعي، ومنذ ذلك الحين ساد نمطان في التعامل مع السلاح، يمكن وصف الأول بـالتعامل المشروعدفاعا عن النفس وحماية للوطن من العدوان والحفاظ على الأرض من الاغتصاب، ويُنعت الآخر بـالتعامل المدانويوجه إلى صدور المواطنين وممتلكاتهم العامة والخاصة، وكما نقول في مصر عدو منه فيه؛ بالتكفير أو بالخيانة؛ على قاعدة دود المش منه فيه’!!.

ونجد أن التعامل المشروعبدأ فرديا، من عملية استشهاد سعد إدريس حلاوة في شباط/فبراير 1980، وكان حلاوة من مواليد الثاني من آذار/مارس 1947؛ لأسرة ريفية متوسطة الحال، تمتلك بعض الأفدنة الزراعية بقرية أجهور الكبرىالقريبة من القاهرة، وتابعة لمركز طوخبمحافظة القليوبية. وكان شقيقا لأربعة إخوة وأخت واحدة، تخرجوا جميعا من الجامعات، واكتفى هو بشهادة الثانوية العامة ليزامل والده في فلاحة الأرض. وهو أول شهيدضد التطبيع في مصر، واختار يوم استقبال السادات لأول سفير لتل أبيب بالقاهرة لتنفيذ عمليته.

وكان طرفا موقعة أجهور الكبرىمحتج يحتجز اثنين من موظفي المجلس المحليللقرية، ويطالب بطرد السفير الصهيوني، وإذاعة بيان خلال 24 ساعة يفيد تنفيذ مطالبه، وإلا سيضحي بنفسه وبالرهائن ببندقيته الآلية التي حملها. والطرف الثاني قوات خاصةمدججة بالسلاح، بقيادة وزير الداخلية أنذاك النبوي اسماعيل؛ حاصرت المجلس المحليوسيطرت عليه، وقد جعل مكبر الصوت يذيع آيات من القرآن الكريم بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وأغاني وطنية لعبد الحليم حافظ، وخطب للزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ونداءات بقطع العلاقات مع تل أبيب، واستمرت الموقعة لمدة ثلاثة أيام متواصلة؛ انتهز فيها النبوي إسماعيل فرصة إصابة سعد حلاوة والإعياء الذي حل به، ودمه النازف دون إسعاف، فعاجله بزخات من الرصاص الحي أودت بحياته. وسجل الكاتب الصحافي شفيق أحمد علي تفاصيل تلك الموقعةفي كتاب صدر في 1986. وشغلت قصته العالم آنذاك. ورثاه الشاعر الراحل نزار قباني بقصيدة عنوانها: ‘صديقي المجنون سعد حلاوة’!. 

وجاء الشهيد الثاني، ولم يكن هذه المرة مزارعا؛ كان جنديا، ألقت به المقادير في المنطقة (ج) المنزوعة السلاح في سيناء، وذلك بموجب اتفاق سلامهدفه تأمين المستوطنين الصهاينة، ذلك الجندي هو سليمان محمد عبد الحميد خاطر. ولم تكن سنه قد تعدت التاسعة عشر عاما بعد، وكان طالبا منتسبا لكلية الحقوق، ومن مواليد 1966م، في قرية أكياد البحرية، التابعة لمركز فاقوس، بمحافظة الشرقية، وكان أصغر إخوته؛ يكبُرُه ولدان وبنتان.

وكما ورد على لسانه، أنه أثناء تأدية واجبه على الحدود مع الدولة الصهيونية؛ في الخامس من تشرين الاول/أكتوبر 1985، لمح متسللين يتقدمون من نقطة حراسته ويهينون العلم المصري، فحذرهم من التقدم لكنهم سخروا، وكرر التحذير وتمادوا في السخرية، وبعد إنذاره الأخير، لم يعبأوا، وتجاوزوا خط الحدود، فأطلق عليهم الرصاص فقتل سبعة منهم.

وأعد حمدي كسكين، زميل وصديق الشهيد كتابا بعنوان رصاصات في قلب كامب ديفيد، رصد فيه قصة الحياة القصيرة للشهيد، وأرجع سبب تأخر نشر الكتاب إلى وجود مستندات أرسلها سليمان خاطر عن طريق أحد حراسه، وكان من الصعب نشرها في ظل حسني مبارك، تجنبا للمحاكمة بتهمة إفشاء أسرار عسكرية’!!.

وأشار كسكين في حواره مع برنامج الحدث المصريعلى شاشة العربية الحدثفي شباط/فبراير الماضي، انه يمتلك مستندات تثبت انتهاك الصهاينة للحدود المصرية آنذاك

وذكر أن آخر ما قاله سليمان خاطر أثناء محاكمته: ‘أنا لا أخشى الموت ولا أرهبه، إنه قضاء الله وقدره، لكنني أخشى أن يكون للحكم الذي سوف يصدر ضدي آثار سيئة على زملائي، تصيبهم بالخوف وتقتل فيهم الوطنية، ووصف الحكم الذي يصدر ضده: بأنه حكم ضد مصر، لأنني جندي مصري أدى واجبه، وقال لحراس زنزانته: ‘روحوا احرسوا سينا، سليمان مش عايز حراسة’!!.

وروجت صحف الحكومة أن سليمان خاطر مختل عقليا، وادعت وقتها إنه انتحر؛ رغم وجود براهين دامغة تشير بأنه قتل داخل زنزانته، وارتفعت أصوات تطلب إعادة فتح التحقيق فى قضية قتله!!.

ودعه الناس بهتاف سليمان خاطر مش مجنون.. مات علشان مقدرش يخون’. وما زال الملف مفتوحا، وقد نتعرف من خلاله على ظروف انتقال العنف من فعل فرد إلى عمل جماعي، سواء تمثل في صيغة ثورة مصروتصديها بالسلاح للاختراق الصهيوني للبلاد، أو في شكل ما عرف بـالتنظيم الناصري المسلح، في نفس فترة منتصف ثمانينات القرن الماضي، حتى الوصول إلى عنف ما بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير، وظهور ما يطلق عليه البعض عنف ليبراليمصاحب للعنف المذهبي والطائفي، وظهور جماعات الكتل السوداءأو البلاك بلوك. وعليه يستمر الملف مفتوحا.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر