الراصد القديم

2014/05/01

قانون الإيجارات: البدل العادل أم هدم المباني القديمة؟


زينب ياغي
إذا زرت أحياء بيروت التي فيها مبانٍ قديمة، فسيحدثك سكان عن رجال الأعمال الذين يشترون تلك المباني، من أجل هدمها وبناء مبانٍ حديثة غيرها، وسيحدثونك عمّن «يقفون خلف إقرار قانون الإيجارات في مجلس النواب».
لم تكن المسألة في إيجاد بدل عادل للسكن، يريده المالك وله الحق به، بل ساهمت في إقرار القانون مجموعة عوامل وأهداف، يمكن أن تتضح تباعاً إذا كُتب للقانون النور. من بينها تغيير النمط العمراني لبيروت، عبر هدم المباني القديمة، بما في ذلك المصنف تراثياً، وتغيير نوعية السكان، عبر إجراء فرز طائفي وطبقي واضح في المناطق التي تشهد خليطاً، وهي مناطق محيطة بوسط بيروت.
وقد قالها أحد النواب في إحدى الجلسات: «نريد إخلاء غير المناسب لنا من زقاق البلاط والبسطة والأشرفية». وقال النائب نفسه أمام إحدى المهندسات منذ تسعة أشهر تقريبا: «سنقر القانون في مجلس النواب، ومن لا يستطيع استئجار منزل عن طريق الاستثمار، فليتخلَّ عن المدارس الجيدة لأولاده».
ويدل السكان في زقاق البلاط والبسطة إلى العقارات التي يشتريها أبناء أحد الزعماء السياسيين ويبنون عليها بالشراكة مع رجال أعمال، ومن بينها مبانٍ تبنى حالياً مكان مخفر البسطة القديم. كما يدلّون إلى قيام رجلي أعمال كرديين بشراء مبان قديمة في المنطقة نفسها.
وفي الشياح، يشتري أبناء زعيم سياسي ورجال أعمال من الجنوب عقارات ومباني قديمة. بالإضافة إلى وجود شركات عقارية مساهمة تبني في الأشرفية.
ووفقا لإحصاءات الأمم المتحدة ووزارة الشؤون الاجتماعية، بلغت نسبة المستأجرين في لبنان 22.75 في المئة من عدد السكان حتى العام 1997، أي بعد صدور قانون العقود الحرة بخمس سنوات، وبالتالي فإن غالبية المستأجرين من القدامى. أما عدد العائلات المستأجرة قديما فقد بلغ، وفقاً لإحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مئة وثمانين ألف عائلة في كل لبنان تم توثيقها لدى البلديات.
سكان في عمر التقاعد
أهملت السلطات المتعاقبة في لبنان المستأجرين والخطط الإسكانية، وتمديد الإيجارات القديمة منذ عهد الانتداب الفرنسي حتى اليوم، الأمر الذي حدا بالمستأجرين إلى الركون في منازلهم، وعدم شراء شقق سكنية. والذي يجري مقابلات معهم يجد أن فئاتهم العمرية وأوضاعهم الاقتصادية لا تسمح لهم باستئجار منازل جديدة، فقد وصلت غالبيتهم أو على وشك الوصول إلى سن التقاعد، كما أنهم من أصحاب المداخيل المتدنية، مع وجود فئة قليلة من الميسورين الذين بقوا في المنازل القديمة طمعاً في الحصول على تعويض.
تقول عايدة إنها استأجرت منزلها في منطقة الصنوبرة في الحمرا منذ خمسة وأربعين عاماً، وهو عبارة عن غرفة ودار، تدفع بدل إيجاره سنوياً خمسمئة ألف ليرة سنوياً، لكنها تدفع مئة دولار بدل خدمات شهرياً، بينما يبلغ دخلها الشهري مليوناً ومئتي ألف ليرة. وصلت عايدة إلى سن الرابعة والخمسين، وبعد تسع سنوات، أي لدى انتهاء المهلة المعطاة للمستأجرين لإخلاء المنازل، تصل عايدة إلى سن الثالثة والستين، ويترتب عليها حينها دفع بدل إيجار مرتفع، أو تُرمى في الشارع.
وتوضح سيدة فضلت عدم ذكر اسمها أنها تقيم في منزل مستأجر قرب «الجامعة الأميركية»، تدفع بدل إيجار سنوي بقيمة ألف دولار، وتبلغ من العمر حالياً اثنين وستين عاماً، وبعد تسع سنوات ستكون في الواحدة والسبعين، ولا تزال السيدة تقيم في المنزل على الرغم من أن دار الفتوى اشترت المبنى وفتحته على مسجد ملاصق بنته في المنطقة.
في برج ابو حيدر يقول علي فاضل إنه يستأجر منزله منذ ثمانية وثلاثين عاماً، وهو عبارة عن أربع غرف، يدفع بدل إيجاره مئة وسبعة آلاف ليرة شهرياً. يعمل علي خياطاً ويتقاضى راتباً بقيمة سبعمئة دولار شهرياً، وقد بلغ الرابعة والستين حالياً، وبعد تسع سنوات سيكون في الثالثة والسبعين. وفي الشياح يقول مستأجر إن والده أقام في المنزل منذ واحد وخمسين عاماً، ثم استمر هو في الاقامة فيه بعد زواجه، وأنجب ثلاثة أولاد. يدفع خمسة وثمانين ألف ليرة شهرياً بدل الإيجار، بينما يبلغ دخله الشهري مليوناً ومئتي ألف ليرة. يبلغ من العمر حالياً ثمانية وخمسين عاماً، وبعد تسع سنوات سيكون في السابعة والستين من العمر.
وتؤكد سيدة في منطقة المتحف أن استئجار منزل من طريق الاستثمار سيكسر ظهرها، لقد استأجر أهلها المنزل ثم عادت هي واستأجرته باسمها، وتعتبر أنها دفعت ثمن الشقة ثلاث وأربع مرات، بينما ترى أن الذين استولوا على أملاك الناس في وسط بيروت، وهجروهم، يريدون تهجيرهم من المناطق المحيطة بالوسط.
وفي الأشرفية تدفع ليليان بدل إيجار المنزل ألف دولار سنوياً، وتقول إن بدل إيجار الشقة في المبنى المقابل لمنزلها ألفا دولار شهرياً، فلم يستأجرها أحد من اللبنانيين، لذلك يؤجرها أصحابها للأجانب.
في زقاق البلاط جاءت إحدى السيدات إلى منزلها عروساً وأصبحت حالياً طاعنة في السن، تزوجت وأنجبت أولادها في منزل يتألف من غرفة ودار، تدفع بدل إيجاره مليوناً وأربعمئة ألف ليرة شهرياً، بينما تدفع جارتها في المبنى المجاور بدل إيجار منزلها مليوناً وثمانمئة الف ليرة سنوياً، وقد اشترى أحد رجال الأعمال المبنيين، لكي يضمهما إلى مبنى قديم يملكه، ثم يهدمها جميعاً ويبني بدلاً منها مبنى كبيراً أو مجمعاً تجارياً، وبين المباني الثلاثة واحد مصنف تراثياً وهو منزل جميل أبيض اللون. ويقول أبو قاسم من زقاق البلاط أيضاً إنه استأجر منزله منذ أربعين عاماً، لكنه لن يخرج منه قبل حصوله على تعويض يناسبه.. وإلا يا قاتل يا مقتول.
في المقابل، يقول المهندس روبير رياشي من الأشرفية إنه يملك مع أشقائه مبنى من خمس عشرة شقة، فيه مستأجرون قدامى يدفعون بدل إيجار الشقة سنوياً سبعمئة وخمسين ألف ليرة. ويوضح أن غالبية سكان المبنى من الميسورين، لكنهم يقيمون في الشقق فقط من أجل الحصول على تعويض. ويقول إن إحدى السيدات المستأجرات طاعنة في السن وقد ورثت عن زوجها مبلغ ثلاثة ملايين دولار، وكانت تنوي ترك الشقة، لكنها غيّرت رأيها.
لا إحصاءات ولا ترميم
يرى رئيس لجنة الدفاع عن المالكين القدامى جورج رباحية أن الدولة التي أرجأت تعديل قانون الايجارات وضعتنا في هذا المأزق نحن والمستأجرون، وعندما كان يتم إعطاء نسبة غلاء معيشة بنسبة عشرين في المئة يعطى المالك نسبة عشرة في المئة على الإيجار السنوي: طالبناً مراراً بإعطائنا نسبة الغلاء نفسها لكن لم يتم الاستماع إلى أصواتنا.
ويرد الناشط في الدفاع عن المستأجرين المهندس أنطون كرم بالقول إن الدولة رفعت نسب الزيادة على الايجارت، لكنها لم تقدم الحلول الإسكانية، إلى أن فجرت القنبلة في وجه المالكين والمستأجرين لكي تجعلهم أعداء بعضهم البعض. وقال إن غالبية المستأجرين غير قادرين حالياً على استئجار منازل من طريق الاستثمار، ولا الحصول على قروض إسكانية لشراء منازل بسبب قدراتهم الشرائية المتدنية، وأعمارهم المتقدمة.
ويعتبر رباحية أن ما يقال عن هدم الأبنية القديمة قصداً غير دقيق لأنها ستتلف أصلاً بعد اثنتي عشرة سنة، فنحن لسنا في أوروبا حيث تعطي الدولة المالك حقه عندما يتم ترميم منزله، عدا أن المنازل بُنيت بحجارة غير قادرة على الصمود طويلاً. لكنه يردف: على كلٍّ نحن لسنا من حيتان المال.
لكن كرم يعتبر ذلك الكلام غير صحيح، إذ في أوروبا مبان أكثر قدماً من مباني بيروت، لكن تجري صيانتها وترميمها دوماً، من أجل الحفاظ على بقائها، وإلا لكان برج إيفل قد سقط في باريس، كما يمكن أن يسقط كل من برجي رزق والمر في بيروت.
يريد رباحية إبقاء المستأجرين في منازلهم، مع دفع البدل العادل. ويقول: أنا أستثمر في القطاع التأجيري مثلما يستثمر غيري في قطاعات أخرى، وحر بما سأفعله بملكي بعد تسع سنوات أو اثنتي عشرة سنة، ولكني سأؤجره مع بدل عادل. ويبدي ثقته بأن الحكومة ستنفذ صندوق المساعدات الذي أقر في قانون الإيجارات.
ويعيد كرم التأكيد أن الصندوق وهمي، معتبراً الحل في مكان آخر: «لنفرض أن عدد العائلات المستأجِرة حسب الإحصاء المتداول مئة وثمانين ألف عائلة، وعدد الأبنية ثمانية عشر ألفاً كمعدل وسطي، يجب في تلك الحالة على الدولة إجراء إحصاء بعدد المالكين المظلومين، ودفع الفارق في بدلات الإيجار، بدل الحديث عن صندوق لن يرى النور لمساعدة المستأجرين». ويقول إن الحكومة التي لا تستطيع تأمين موارد من أجل سلسلة الرتب والرواتب لن تجد حتماً الموارد لصندوق المساعدات. لكن الهدف ليس الحل بل تفريغ تلك المناطق لمصلحة الشركات العقارية. ويؤكد أنهم لن يستطيعوا الوصول إلى تلك المرحلة، يمكن قطع المياه والكهرباء عن الإنسان، ولكن لا يمكن تشريده، يتحول عندها إلى مجرم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر