الراصد القديم

2014/05/01

اردوغان يقدم هدية ثمينة للاسد باعلانه التطبيع الكامل مع اسرائيل خلال ايام.. الاسباب كثيرة وابرزها محاولة تحييد اللوبي اليهودي في امريكا


عبد الباري عطوان
شاركت الاسبوع الماضي في اعمال “مؤتمر فلسطين الدولي للاعلام والاتصال” الذي انعقد في اسطنبول لمدة ثلاثة ايام وشارك فيه العديد من الشخصيات السياسية والفكرية والاعلامية من فلسطين المحتلة الدول العربية واوروبا، وكان الانطباع السائد في اروقة المؤتمر ان السيد احمد داوود اوغلو، وزير الخارجية التركي، سيلقي خطاب الافتتاح باعتباره يمثل الدولة المضيفة، وذهب البعض الى ما هو ابعد من ذلك عندما همس بأن السيد رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء ربما يفاجيء المؤتمر الذي غلبت عليه النكهة الاسلامية، بحضوره، السيد داوود اوغلو لم يشارك، ولم يلق الكلمة الافتتاحية بالتالي، ورئيسه اردوغان خيب امل المتفائلين ولم يحضر بدوره، ولم يقم المضيف التركي حفل عشاء او استقبال للضيوف مثلما جرت العادة.
بدأت بهذه المقدمة ليس للتنويه بالمؤتمر وهو يستحق ذلك، وانما لمحاولة ايجاد علاقة بين هذا الغياب الرسمي التركي غير المتوقع و”المفاجأة” التي اعلنها السيد اردوغان ظهر اليوم وتمثلت في تأكيده بأن العلاقات بين بلاده واسرائيل يمكن ان تدخل حيز التطبيع الكامل خلال الايام او الاسابيع المقبلة بعد اربع سنوات على المجزرة الاسرائيلية على نشطاء سفينة مرمرة التي كانت، مع سفن اخرى، في طريقها الى قطاع غزة لكسر الحصار الاسرائيلي الخانق المفروض عليه.

السيد اردوغان قال في حديث لشبكة “بي بي اس″ الامريكية اتفقنا على التعويض المالي، اما ارسال المساعدات الانسانية الى الفلسطينيين عبر تركيا هو المرحلة الثانية من المفاوضات وبعدها قد نمضي قدما نحو عملية التطبيع وارسال السفراء”.
شخصيا شعرت بحالة من الصدمة بعد سماع هذه الانباء، وانا الذي اشدت بالموقف التركي، سواء الشق المتعلق منه بكسر الحصار على قطاع غزة الذي وضع مليوني فلسطيني على حافة الموت جوعا ومرضا لنقص الطعام والدواء وابسط الاحتياجات الانسانية، او الآخر الذي تمثل في اجبار الحكومة الاسرائيلية، ولاول مرة في تاريخها، على تقديم اعتذار واضح وصريح للحكومة والشعب التركي، ودفع تعويضات لاسر شهداء هذه المجزرة.
كنت اعتقد ان رفض حكومة السيد اردوغان للتطبيع مع اسرائيل، والتجاوب مع ضغوطها المكثفة في هذا الصدد، يعود الى موقف تضامني مع القضية الفلسطينية والمحاصرين في قطاع غزة وليس بسبب الخلاف حول حجم التعويضات المالية لاسر ضحايا السفينة مرمرة، مثلما تبين لاحقا.
ولا نجادل مطلقا بأن شخصية السيد اردوغان تتسم بالكثير من “البراغماتية”، في نظر الكثيرين، وان مواقفه كسياسي تتغير وتتبدل حسب مصالحه الحزبية ومصالح بلاده الاستراتيجية، ولكن كنا نتوقع، وفي ظل انهيار عملية السلام، وتحميل امريكا والغرب مسؤولية هذا الانهيار لاسرائيل، وتزايد حملات المقاطعة في الغرب لها، ان يتريث السيد اردوغان قليلا، ولا يقدم طوق نجاة لحكومة اسرائيلية هي الاكثر تطرفا وعنصرية.
السيد اردوغان يتعرض هذه الايام لضغوط داخلية وخارجية متعاظمة، لعبت اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية دورا في تصعيدها، فعلى الصعيد الداخلي كانت هناك ازمة فضائح الفساد التي طالت العديد من الوزراء في حكومة حزب العدالة والتنمية، ثم تلتها ازمة التسجيلات المسربة حول فبركة اسباب للتدخل في الازمة السورية عسكريا، مثل تزويد بعض الجماعات الاسلامية المتشددة اسلحة كيماوية، اما على الصعيد الخارجي فقد جرى تحريك “ازمة المجازر” مع ارمينيا من قبل اللوبي الارمني المدعوم من اللوبي اليهودي في امريكا، ضد تركيا اردوغان لاحراجه وتأزيم علاقته مع الغرب، وامريكا بالذات.
ولعل فشل رهان السيد اردوغان في اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد في سورية ودخول الازمة السورية عامها الرابع، وتغيير سلم الاولويات الامريكي بالتركيز على ما يسمى بخط الجماعات الاسلامية المتشددة، وكيفية القضاء عليها، وتأجيل مسألة اسقاط النظام، هو احد العوامل الحاسمة في توجهه الجديد للتطبيع مع اسرائيل، تماما مثلما اتخذ خطوات مماثلة لاعادة العلاقات مع كل من ايران والعراق وروسيا الدول الداعمة للنظام السوري، في اطار حنينه للعودة الى سياسة “صفر مشاكل مع الجوار” التي هندسها السيد داوود اوغلو.
ولم يكن من قبيل المصادفة ان يتزامن اعلان السيد اردوغان عن مفاجأة التطبيع الكامل مع اسرائيل مع اعلان آخر مفاجيء ايضا، اي اتخاذ الاجراءات القانونية لتسليم خصمه اللدود فتح الله غولن الملياردير التركي المقيم في الولايات المتحدة، فربما اراد بخطوة التطبيع مع اسرائيل ان يحيد اللوبي اليهودي القوي اذا لم يستطع كسبه الى جانبه في خطواته هذه.

السيد اردوغان تربع داخل قلوب الملايين من العرب والمسلمين ناهيك عن الاتراك، ليس بسبب نموذجه الاقتصادي المشرف، وتحقيق معجزة التزاوج بين الاسلام والديمقراطية فقط، وانما لانه انتفض غاضبا في وجه شمعون بيريس في احد ندوات منتدى دافوس الاقتصادي السويسري قبل سنوات، وتصدى بشجاعة لاكاذيبه وانسحب من القاعة، ولانه كان الوحيد من الزعماء العرب والمسلمين الذي قرر كسر الحصار الاسرائيلي الظالم لقطاع غزة، السماح بانطلاق السفن من موانيء بلاده في تحد شرس للاسرائيليين.
التطبيع مع اسرائيل، وفي مثل هذا التوقيت، ورغم كل الاعذار والمبررات، سيؤثر سلبا على مكانته ورصيده الكبير في قلوب الملايين من العرب والمسلمين، وسيعطي حتما ذخيرة قوية وفاعلة لرافضي تدخله اللوجستي العسكري والسياسي والمالي في الازمة السورية لصالح المعارضة المسلحة، وما اكثر هؤلاء الذين يبحثون عن هذه الذخيرة هذه الايام.
مواقف السيد اردوغان الاخيرة باتت تثير العديد من علامات الاستفهام وتأتي في معظمها كرد فعل بسبب الضغوط الداخلية والخارجية عليه وعلى حزبه، مثل اغلاق وسائل التواصل الاجتماعي (التويتر الفيسبوك واليوتيوب)، ولكن اكثرها خطورة هو التطبيع الكامل مع اسرائيل وفي التوقيت الخطأ، وكأنه “مثل الذي يذهب الى الحج والناس راجعة”.
الرئيس بشار الاسد، وانصاره، واعلامه، سيكونون الاكثر سعادة بهذه الهدية الاردوغانية المفاجئة وغير المتوقعة التي هبطت اليهم من السماء، ومتى.. في وقت الانتخابات الرئاسية!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر