الراصد القديم

2014/06/01

مدى مشروعية محاسبة من يتصدى للعدو ويأبى التخلي عن المبدأ؟!


محمد عبد الحكم دياب



كان تنظيم ‘ثورة مصر’ سريا، وبدا صعب الاختراق أو الكشف، حتى أن وزير الداخلية وقتها زكي بدر نفى وجود مثل ذلك التنظيم، وكانت مفاجأة السقوط بغدر وطمع الشقيق الأصغر لمحمود نور الدين قائد التنظيم، وذهابه للسفارة الأمريكية بالقاهرة طمعا في مكافأة النصف مليون دولار؛ المرصودة لمن يكشف عن التنظيم اللغز.
وأثناء وجود خالد عبد الناصر خارج مصر لمدة 33 شهرا؛ تدخل رؤساء وقادة عرب؛ منهم الرئيس الجزائري الراحل احمد بن بيلا، والرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد، ومعمر القذافي وصدام حسين والشيخ زايد بن سلطان؛ تدخلوا لدى حسني مبارك، وقيل أنه طلب خالد عبد الناصر وقال له: إذا أردت العمل في ‘البيزنس′ فالبلد أمامك واسعة، ولاداعي للعمل المسلح. ورد خالد أنه لا يتطلع إلى ‘البيزنس′، وكل ما فعله هو أنه تعاطف مع عمليات التنظيم مثل أي مصري وطني.
لا يمكن التأريخ لتنظيم ‘ثورة مصر’ بمعزل عن خالد عبد الناصر ودوره، رغم عدم انخراطه في العمل السياسي المباشر، إلا أنه دخله عبر البوابة الوطنية والقومية والثورية الواسعة، وعلى سبيل المثال فقد قاد في عام 1985 وهو أستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة مظاهرة شارك فيها ،شيخ المجاهدين فتحي رضوان رحمه الله، وبرفقته زعيم حزب العمل الراحل إبراهيم شكري، وكان ذلك احتجاجا على محاكمة سليمان خاطر بتهمة قتل وإصابة سبعة صهاينة اخترقوا الحدود المصرية في سيناء ذلك العام. ولما فشلت أجهزة الأمن في منعه طلبت من رئيس الجامعة آنذاك حلمي نَمَّر أن يثنيه عن عزمه، ويقترح عليه نشر مقال صحافي يعبر من خلاله عن غضبه، وأصر عبد الناصر الابن على موقفه، ولم يتراجع عن مشاركة مئات الطلاب والشباب؛ من مختلف الألوان والتوجهات الوطنية والقومية والثورية.
وزُهد خالد عبد الناصر في السياسة كان التزاما منه بوصية والده لوالدته؛ السيدة تحية، وطلبه منها إبعاء الأبناء عن السياسة، ولهم أن يشاركوا في قضايا وطنهم وأمتهم، وسئل خالد مرة، أثناء مروره بمطار حلب، وهو في طريقه إلى دمشق للمشاركة في ذكرى مرور أربعين يوما على وفاة الرئيس الراحل حافظ الأسد عن رأيه في الانتخابات الرئاسية؛ ‘ولماذا لا يرشح نفسه منافسا لمبارك، ولديه شعبية تمكنه من ذلك’ فرد: ‘ الرئاسة ليست عقارا يورث أو يباع أو يشترى، والشعب إذا انتخب سينتخب عبد الناصر ولن ينتخبني’!!.
ورغم ذلك الإحجام وجد نفسه مطلوبا للمحاكمة، وترتيبه الثاني في قائمة المقدمين أما المحكمة بتهمة تمويل تنظيم ‘ثورة مصر’ وتزويده بالسلاح، كان المطلوبون حسب الترتيب هم: محمود نور الدين السيد علي سليمان (شهرته نور السيد)، وخالد جمال عبد الناصر حسين، ، ومحيي الدين عدلي رجب، وأحمد علي محمد علي، ونظمي حسين سيد أحمد (شهرته نظمي شاهين)، ومحمد علي شرف الدين (شهرته حمادة)، وسامي عبد الفتاح ترك (شهرته سامي فيشة)، وجمال عبد الحفيظ عبد الرحمن، وحامد محمد إبراهيم مصطفى، وأسامة أحمد محمد خليل، وممدوح عدلي محمد رجب، واسماعيل عبد المنعم اسماعيل معوض (شهرته اسماعيل الجيزاوي)، وأحمد إبراهيم أحمد محمد، واسماعيل جمال الدين عزام، وحمدي عبد الغفار علي المراغي، ومختار عبد الحميد محمد يوسف، وجمال شوقي عبد الناصر حسين، وشريف حسين الشافعي، ومحمود محمد يوسف جمعة. وكان خالد هدفا للاغتيال والملاحقة والتشويه. وكشف الصحافي الراحل عادل الجوجري في ايلول/سبتمبر 2011 عن محاولتي اغتيال له.. كانت الأولى في مقتبل حياته العملية، وتحديدا فور تخرجه من الجامعة عام 1971. وفي أثناء زيارة قام بها لبيروت ابلغه الزعيم اللبناني الكبير كمال جنبلاط؛ رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" أن حزبه ألقى القبض على عنصرين من "الموساد" في إحدى الشقق يستعدان لاغتياله.
وتكررت المحاولة عام 1988 حين ضبطت سلطات الأمن اليوغوسلافية فريق اغتيال صهيوني جاء لاصطياده، وكانت الحكومة اليوغوسلافية قد فرضت إجراءات أمنية مشددة على المقر الذي يقيم فيه، ورصدت وجود سيارة تحوم حول المقر، وعند التضييق عليها بادرت إلى الهرب، وطاردتها قوات الأمن اليوغوسلافية حتى ألقت القبض على من فيها.
وامتد الأمر من محاولات الاغتيال الجسدي إلى الاغتيال المعنوي والأدبي، وشاركت في ذلك صحف عربية، بما فيها صحف مصرية؛ فبركت مجلة لبنانية عام 1974 خبرا عن عرض اكبر أبناء جمال عبد الناصر الذكور بيع قطعة من الماس النادرة في لندن، وادعت المجلة أن من فحص القطعة وجدها مُنتزعة من التاج الإيراني، وادعت بأن من قام بالفحص اتصل بالسفارة الإيرانية في لندن، التي اخطرت طهران على الفور، وجاءها الرد أن قطعة الماس كانت مهدِاة للأمبراطورة فوزية – شقيقة الملك فاروق – من طليقها شاه إيران، وبالتالي فهي ملك لمصر، وتتواصل الأكاذيب بأن الخبير المعني بالموضوع اتصل بالسفارة المصرية والشرطة البريطانية، وتم ‘حفظ التحقيق منعا للإحراج’!!، ويعلق المصدر بقوله: ‘الطريف في هذه القصة الملفقة أنها نشرت في صحيفة’الحياة’ اللبنانية عام 1955′ وكان خالد عبد الناصر وقتها في السادسة من عمره!!.
كان فريق الدفاع في تلك القضية من كبار الفقهاء وأساتذة القانون والمحامين أمثال عصمت سيف الدولة، ونبيل الهلالي، وفريد عبد الكريم، وصبري مبدي، ونبيل نجم، وطلب محمود نور الدين المفكر القومي والفقيه القانوني عصمت سيف الدولة محاميا عنه، ونُشرت مرافعته في كتاب اثناء المحاكمة، وكانت بمثابة محاكمة للصهيونية والهيمنة الاستعمارية الأمريكية، وألحق بملف القضية ‘الوثيقة الصهيونية’ لتفتيت الأمة العربية؛ الصادرة في ثمانينات القرن الماضي، وأكدت مرافعة سيف الدولة على أن ما قام به نور الدين وزملاؤه، ليس جرما بل عمل وطني نبيل يستحق الاجلال والتقدير’.
وصدر الحكم على ‘نور’ بالسجن المؤبد (28 عاما)، وكان حكما بالموت البطيء، حتى مُنع عنه العلاج بعد إصابته بالحمى وارتفاع درجة الحرارة وضغط الدم العالي، ولم يُسمح له بالنقل إلى مستشفى متخصص، واستمر يعاني حتى فاضت روحه إلى بارئها، وخرج المشيعون يودعونه عشية الذكرى العشرين لأتفاقية ‘كامب ديفيد’؛ يهتفون بسقوطها وسقوط حكم مبارك، وإحرقوا العلم الصهيوني.
وحصل خالد عبد الناصر على البراءة هو وثلاثة آخرين، وبعد أن كان في كامل صحته ولياقته البدنية الكاملة؛ تغيرت أحواله، وبدأت معاناته منذ زيارة بغداد في 1988، ووصل للحالة التي رأيته عليها، وذكرتها السبت الماضي، وشيعت جنازته في 16 ايلول/سبتمبر 2011 وهو نفس تاريخ رحيل محمود نور الدين 1998. لهما الرحمة الواسعة، فكانا مثالا للصلابة والعزم في زمن التفريط وطلب الحماية من الأعداء!.
وقال الراحل نبيل الهلالي في مرافعته عن ناصر الإبن: ‘كان مدى عمق العداء لاسرائيل هو معيار الوطنية طوال الخمسينات والستينات وبدايات السبعينات.. الى ان جاء من غير اتجاه الريح.. ومسخ حقائق التاريخ.. وصور الاعداء في صورة ابناء العم ..وتنكر للاشقاء في الدم.. فهل نحاسب اهل القفص لانهم ابوا ان يتخلوا عن المبدأ’

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر