الراصد القديم

2014/06/01

تآمـــر الســـادات علـى الناصـــريــة


محمد فؤاد المغازي

كانت الثـــورة المضادة هي جحر الثعبان أطـــل علينا منه أنور السادات. فهل تكون الحالة القلقة التي تعيشها مصر الآن تشكل المناخ الذي يسمح بتكاثر الثعابين والجرذان؟
في هذا المقال سأتحدث كيف لُـدِغَ الناصريون من جحر عاش فيه السادات طوال وجود القائد الخالد جمال عبد الناصر متخفيا. وعندما أصبح في مأمن أطل.. ليلدغ وينفث بسمومه في جسد مصر...وفي جسد كل ناصري من المغرب حتى تخوم العراق. لهذا .. علينا أن لا تخدعنا صياح الديوك فنعتقد أن بزوغ الفجر قد اقترب ضيائه.

وليسمح لي القارئ أن يشاركني في جولة لن أثقل عليه.. لنسمع معا صياح الديك الفصيح أنور السادات. ولنبدأ من مجلس الأمة يوم 7/10/1970.
المشهد الدرامي الأول...يظهر فيه أنور السادات وهو ينحني أمام تمثاللجمال عبد الناصر جري وضعه في بهو مجلس الأمة بعد وفاته.

مشهد يلفظه كل ناصري كالمضغة. فقد تعلمنا من تراثنا العربي والديني الاسلامي والمسيحي ومن تراثنا الناصري أن لا انحناء لغير الله وما زالت وستظل مقولة عبد الناصر الخالدة " أرفع رأسك يا أخي " تستنهض المقهورين من البشر؟

القي السادات خطابه أمام مجلس الأمة بعد ترشيحه لمنصب الرئيس وكانت القيادات الناصرية هي التي وافقت على ترشيح السادات نتيجة للمتغير النوعي الذي ظهر برحيل جمال عبد الناصر، وليس هرولة منهم تلبي مطلب ومقترح الأستاذ هيكل...كما يعتقد البعض.

تعهد أنور السادات أمام العرب والعالم أن يلتزم بالناصرية عقيدة وسلوك لمرحلة ما بعد عبد الناصر .. وجاء تعهده في إطار صياغة 6 نقاط تمثل الثوابت الناصرية وهي على النحو التالي:
النقطة الأولى: مواصلة النضال من أجل تحرير كل الأرض العربية المحتلة نتيجة لعدوان 5 يونيو 1967.
النقطة الثانية: الاستمرار بمواصلة النضال من أجل وحدة الأمة العربية، التي عمل من أجلها جمال عبد الناصر.
النقطة الثالثة: تحديد أعداء الأمة العربية، وهم إسرائيل، الصهيونية العالمية، الاستعمار العالمي.
النقطة الرابعة: التمسك بسياسة عدم الانحياز كما علمنا عبد الناصر.
النقطة الخامسة: أننا جزء من حركة التحرر الوطني في الاتجاه التقدمي الاشتراكي.
النقطة السادسة: الحفاظ على المكاسب التي تحققت لجماهير الشعب العامل بالمعنى الذي رسمه وحدده قائدنا عبد الناصر. ()

وتضمن خطابه الموجه للرأي العام محليا وإقليميا ودوليا .. ونقلا عن النص: " لقد جئت إليكم على طريق عبد الناصر وأعتبر ترشيحكم لي بتولي رئاسة الجمهورية، هو توجيه بالسير على طريق عبد الناصر، وإذا أدت جماهير شعبنا رأيها في الاستفتاء العام "بنعم" فأنني سوف أعتبر ذلك ( أمْـــرَّا ) بالسير على طريق جمال عبد الناصر، الذي أعلن أمامكم ( بشرف )، أنني سأواصل السير فيه على أية حال، ومن أي موقع.

ثم واصل صياحه: "…لقد وضعت لتفكيري ( كله قاعدة واحدة ) : هي أن أبدأ كل تصرف بسؤال محدد هو: ( ماذا كان يطلب منا لو أنه كان ما زال بيننا)!!! وكنت على ضوء معرفتي به، رفقة ثلاثين سنة، وزمالة نضال ومعركة وراء معركة، وفهم صديق لصديق." ()

وكم من مرة ردد على مسامعنا صياحه في وصف العلاقة التي تربطه بالقائد الخالد جمال عبد الناصر. نقلا عن النص:" ( أخي / وصديقي / وأستاذي / ومعلمي ) .. فخريطة الشرق الأوسط وما تغير فيها تتحدث عنه، صلاتنا بالدنيا وبالعصر تتحدث عنه، أهداف نضالنا وشعارات كفاحنا والأعلام التي نرفعها فوق المسيرة العربية في كل قطر تتحدث عنه.
بل أقول أن مواجهتنا للظروف التي داهمتنا برحيله عنا فجأة تتحدث عنه ( لقد كان من أعظم منجزاته أنه لم يفتح الطريق فحسب، وإنما رسم مساره نحو الهدف )…وهذه شهادة أخري لجمال عبد الناصر.. ( لقد كان في وجوده إلهاما لأمته وهو بعد رحيله إلهاما لأمته ).
ذلك شأن قادة مراحل التطور الحاسم عبر مسار التاريخ. لا تضيع مبادئهم بذهابهم ولكن تزداد قوة.. ولا تسقط أعلامهم برحيلهم ولكن تزداد علوا. ولا ينفض الناس بعدهم وإنما يزدادون تضامنا واقترابا لأن إحساسهم بأهمية المبدأ يزداد بعد ابتعاد القائد الذي كان وجوده في حد ذاته تجسيدا لهذا المبدأ." ()

ويواصل الديك صياحه تعظيما لعبد الناصر.. ونقلا عن النص:  
" هو البطل التاريخي الذي أيقظ أمة بأسرها، وواضع البذرة الأولى لكل فكر جديد والملهم لكل الثورات على الأرض العربية، قبله لم تكن هناك حقوق اجتماعية لجماهير الشعب ولا كان للعمال والفلاحين دورا وهم الأغلبية.
.." لقد تركنا عبد الناصر وترك في أعناقنا مسئولية.. إنها ليست مسئوليتي وحدي وإنما هي مسئولية كل واحد منكم. وعليكم أن تحافظوا على الأمانة. حتى نحافظ على المكانة التي أوصلنا إليها جمال عبد الناصر." ()

بعدها أعلن السادات أن بيان 30 مارس الذي طرحه القائد الخالد جمال عبد الناصر وجرى الاستفتاء عليه .. هو بيانه وترك منه نسخة في مجلس الأمة.

أخذت مبالغات السادات في مدح جمال عبد الناصر في تصاعدها إلى أن أوصلته إلي ارتكاب تجاوزات تمس تاريخ وكرامة ومنزلة الشعب المصري ونضاله، وتسئ لعبد الناصر نفسه... وما كان للقائد أن يقبلها منه.
تأملوا معي هذه الجملة راجعوا قراءتها مرات ومرات .. فقد توقفت أمامها كثيرا كثيرا وفي كل مرة كنت أستخلص معاني مضافة ومغايرة للمعني السابق الذي انتهيت إليه. وكنت أتعجب من انقلاب السادات على مواقفه بهذه الخسة.

هذه هي صياغة الجملة المهينة كما جاءت في النص:

" قبل جمال عبد الناصر لم نكن نقــــاوم. بل حتى لم نكن نتألــــــــــــم." ()

ما أوردته قليل من كثير. وما ذكرته نماذج محدودة لصياح السادات بالوفاء وبالانتماء لثورة يوليو ولجمال عبد الناصر وللناصرية. وعندما واتته الفرصة انقلب من ديك صياح إلي حية رقطاء.

يصفه جان لاكوتير بقوله: "نجح فرد أسمه محمد أنور السادات ظل طوال عشرين سنة يرفع عقيرته بالوفاء للناصرية وعبد الناصر. رجلا ظل عشرون عاما يكيل المديح لناصر دون أن يخجل. وكانت من بعض صفاته المعروفة عند الشعب المصري أنه الشخص الوحيد الذي لم يقل كلمة ( لا ) لعبد الناصر." ()

في الفترة ما بين انقلابه في 13 مايو 1971 حتى صدور قانون 43 لسنة 1974، الذي بموجبه قَـنَّــنَ به السادات بيع مصر بثرواتها ومكانتها، وأودعها رَهْـنـَّا لدي الدائنين أيا كانت جنسيتهم، يشاركهم في النهب نخب من الخونة المصريين وفي المقدمة منهم أسرة السادات نفسه فأثروا ثراء فاحش ...انتزعوا اللقمة من فم الملايين الفقراء بغير وازع من ضمير يذكرهم أنهم كانوا يوما من المصريين.

ثم جاء نصر حرب أكتوبر العظيمة وهي نتاج ملحمة تاريخية لشعب عظيم. عناصرها ثلاثة .. شعب قبل أن يدفع تكاليفها من دمه ومن قوته ومن عرقه. وجيش تحدد هدفه الاستراتيجي كما عرف بكسر نظرية الأمن الإسرائيلي. وقائد يقاتل على جبهتين .. جبهة المواجهة مع العدو وحلفائه، وجبهة المرض الذي أصابه وأصبنا في أعز وأغلي ما جاد به التاريخ لمصر وللناصريين.. وهو جمال عبد الناصر.
هذه العناصر الثلاثة جيرت بأكملها لصالح السادات.. فنسب إليه ما لا يستحقه. حاول التآمر والتلاعب بقرار الحرب لكن مصر لم تمكنه من هذا. وأرغم على اتخاذ قرار الحرب لأنه لم يكن له اختيارا آخر.

فُـتـِـحَ الطريق أمام السادات ليستكمل انقلابه فشمل كل علاقات الدولة المصرية ونظامها السياسي الذي أسسته ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر، وبتأييد كامل من الشعب العربي في مصر.
وعندما تحققت أهداف الثورة المضادة، تغيرت مفردات خطاب السادات فلم يعد في حاجة أن يواصل صياحه، أو أن يقبل من يذكره بتعهداته المتعلقة بانتمائه لمشروع النهضة الناصري.
لم يعد جمال عبد الناصر في رؤية السادات الجديدة غير شخصية مليئة بالعقد، لا تعرف الوفاء في علاقاتها مع الآخرين. كما لم يعد يروق للسادات أن يعتقد الناس أن أسلوب إدارته للحكم هو امتداد لنهج عبد الناصر.. يقول السادات نقلا عن النص:" إن الناس ينظرون إلى على أنني خليفة لجمال عبد الناصر، وذلك ليس صحيحا، فأنا لا أحكم مصر طبقا لأسلوبه، ولكن أحكمها طبقا لأسلوب رمسيس الثاني. ذلك ما يفهمه الشعب المصري وما يريده." ()
صورة أخري من صياح الديك الفصيح تتعلق بالعلاقة مع الأمريكان. فمن التنديد المفرط بالولايات المتحدة الأمريكية بوصفها السند الرئيسي لإسرائيل...وبأنها العدو الأول والأساسي للأمة العربية، لأن سياساتها نقلا عن المصدر: " تستهدف القضاء على مصر بعدها يصبح من السهل القضاء على قوى التحرر في المنطقة." ()
والسؤال: ألم يتحقق هذا؟؟
هل كان الانتقال من العداء السافر إلي دفئ الصداقة نتيجة لمتغيرات نوعية شملت العلاقات المصرية بالولايات المتحدة الأمريكية؟ لم يتغير موقف الأمريكان ولو بمقدار خطوة نحو حقوق العرب، بينما ألقي (العراب اللقيط) بنفسه ومعه كل العرب في المجهول.

أما فلسطين (قرة عيني) وعين كل ناصري فيكفيني أن أنقل للقارئ نص ما قاله (العراب اللقيط) أمام المؤتمر الوطني الفلسطيني المنعقد بالقاهرة " أريدكم أن تعرفوا بوضوح أنه ليس هناك شيء أسمه حل مصري، أو حل فلسطيني، أو حل سوري، أو حل أردني. وإنما هناك حل واحد وهو الحل العربي، وفيما يتعلق بنا فإننا رفضنا الحل السياسي."
ثم أضاف هناك استراتيجية مركزية تحكم كل توجهات الاستراتيجيات الفرعية:" فمن الضروري والحتمي أن تكون هذه الاستراتيجيات المتعددة كلها صادرة ونابعة من استراتيجية واحدة عظمي تكفل تحقيق الإرادة العربية." ()
وحذر السادات القوات المسلحة من إسرائيل بوصفها عدوا "...لابد أن تتخذ كافة الإجراءات لمواجهة عدو خائن وسافل وغادر لا يتورع عن أي شيء." ()
أعتمد السادات الخطاب التضليلي في تعامله مع الرأي العام، وضَـمَّ إليه نخبة وظفت كفاءتها وقدرتها الفذة على التلون السياسي، والانتقال من النقيض إلي النقيض، لم يروا غضاضة أن يكونوا عبيد السلطان او الرئيس المؤمن، فأطاعوا أوامره بغير مناقشة أو اعتراض. المهم مقدار الأجر في النهاية!!!
تغيرت مواقف السادات 180 درجة، تحول من مشارك في ثورة يوليو 1952...إلي خائن بكل ما يعنيه التوصيف بالمدلول السياسي، وبالتعبير القانوني الدستوري.

ولسنوات امتدت 11 عاما حتى يوم اغتياله كان يتحرك ليس كرجل دولة وإنما ممثل يتقمص شخصية رجل الدولة. أما زوجته فتحولت من وصيفه في القصر الملكي .. إلي ملكة في القصر الجمهوري.

والسؤال الآن: هل يعود الناصريون لتكرار تجربة خداع النفس بالاستماع لصياح الديوك؟
الجواب بالنفي.
ولكي نتحصن... فليس أمامنا غير الاحتكام إلي قاعدة نختبر عليها اختياراتنا ومواقفنا ونهج أداءنا مع أنفسنا ومع الآخرين. وليس هناك غير قاعدة واحدة نختبر عليها ونقيس. هذه القاعدة هي:
مشروع النهضة الناصري... مشروع النهضة الناصري.
هو قاعدة القياس الوحيدة التي يحتكم إليها التيار الناصري والحركات الناصرية في كل بقعة من وطننا العربي.
فمن اقترب من المشروع الناصري اقتربنا منه بمقدار ما اقترب.
ومن عداه فلا لقاء مع عدو. مشروع النهضة الناصري سيوفر للناصريين وحدتهم ويبعد عنهم الانقسامات.
سيصبح مشروع النهضة الناصري بمثابة فرازة دائمة للأفراد والأحزاب، تلفظ كل من انحرف. قاعدة احتكام وانضباط لا تسمح أن يتخطاها فرد أو أي جماعة منا. ومن لم لا يلتزم.. عليه أن يرحل.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر