الراصد القديم

2014/08/01

محمود الصرخي وثورة الشيعة العرب


















إبراهيم الجبين 

لم يستطع الانتماء إلى مذهب وعقيدة مشتركة دفع العرب والفرس إلى نسيان صراعهما التاريخي، منذ معركة ذي قار ما قبل الإسلام، وحتى قادسية سعد بن أبي وقاص وفتح العراق وسقوط مملكة كسرى على يد المقاتلين القادمين من جزيرة العرب وصولا إلى الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات وما بين كل تلك المفاصل من تضاريس وعرة لم يكن أقلّها النكبة التي أوقعها الخليفة هارون الرشيد بالأسرة البرمكية بعد ظهور ملامح الانقلاب الذي كان كبارها يعدّون له سرّا لاستعادة ملك الفرس العتيق.


وبين حجري رحى ذلك الصراع، كان عرب العراق هم أكثر من يدفع الأثمان، بسنتهم وشيعتهم، فالسنة انخرطوا في مشاريع أكبر من العراق اتساقاً مع البعد المذهبي للأمة، والشيعة انحصرت خياراتهم في بلاد الرافدين، حتى إذا ما تغيّرت جغرافيا العقائد والمذاهب، وصارت إيران دولة شيعية تحت راية الصفويين الذين حكموا فارس (رغم كونهم من غير الفرس)، بدأ الصراع يتخذ شكلاً آخر، بعد أن حرص الصفويون على بناء المدن الفارسية كمراكز إشعاع ومرجعية لشيعة العالم، وتداخل العامل الاقتصادي في تأجيج العلاقة بين الشيعة العرب والشيعة “العجم” حسب التوصيف العربي الشيعي العراقي، فقد قرّر شاهات فارس سحب الخمس والزكاة لتضاف إلى موارد دولتهم، ليستمر هذا حتى الثلث الأول من القرن العشرين، فنمت قم ومراكز إيران على حساب النجف وكربلاء، بعد أن كان كبار علماء ومرجعيات الشيعة الفرس يتقدمون بطلبات ورجاء لدفن موتاهم في التراب المقدس في كربلاء والنجف.


وبمرور الوقت تم دفع كثيرين من عرب العراق عبر موجات التشييع، فتشيع العديد من أبناء العشائر العربية التي استوطنت العراق في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بسبب المشاريع التنموية التي كان من أهمها إنشاء قناة ريٍّ على نهر الفرات لتشجيع البدو على الاستيطان لتوفر الماء والكلأ وافتتحت قناة “الهندية” التي موّلت بمساهمة قدرها 500 ألف روبية من حسن رضا خان وزير دولة أوذة الشيعية التي ظهرت في شمال الهند في الأعوام 1720 – 1856 وأنجزت قناة الهندية بعد عام 1803 م لتروي الأراضي الممتدة حتى النجف، وكانت عاملاً أساسيا في ازدهار منطقة الفرات الأوسط زراعيا واقتصاديا، وشقت بعد ذلك في أواخر القرن التاسع عشر قناة أخرى موّلت من قبل محمد إسماعيل خان حاكم كرمان الإيراني، ويذكر وداد فاخر أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد كثافة كبيرة في عملية التشيع، ولكن تلك العشائر التي تشيّعت بقيت على عروبتها، واحتضنت الفكر الجديد دون أن تتخلى عن قميصها القومي، وعن روابط تجمعها مع أبناء عمومتها من العشائر العربية ذاتها التي بقيت على سنّيتها، وسيكون الدور الإيراني لاحقاً بناء جدار فصلٍ طائفي ما بين تلك العشائر والقبائل العربية على أساس مذهبي.



من سرق راية الحسين


في عهد نظام البعث صار الصدر المرجع الشيعي الأعلى، كحاضن عربي لشيعة العراق، وكان العراق قد حارب ما اعتبره وجودا إيرانيا منذ مطلع الثمانينات وقام بتسفير عشرات الآلاف من “التبعية” وهي الصفة التي أطلقها على العراقيين من أصول إيرانية، وتسببت طبيعة النظام في العراق في تفتيت كل القيادات سواء كانت الشيعية أو السنية الدينية أو العلمانية، فيما صعّدت هيمنة الخميني على الثورة الإيرانية وإسباغ الطابع الديني عليها، من جذب شيعة العالم إلى المرجعية الإيرانية، ثم اندلعت انتفاضة الجنوب التي تم وأدها بقسوة، وصمت الشيعة العرب في العراق طويلاً، حتى سقوط بغداد في العام 2003، لتتم الاستعانة بالسيستاني الإيراني ليكون مرجعاً أعلى للشيعة في العراق، مصدّراً فتاوى تحرّم محاربة القوات الأميركية البريطانية الغازية.


وعاشت العشائر الشيعية العربية بعدها على هامش المشهد السياسي، محاولة رفع رأسها بين الحين والآخر، ليكون الرد عليها شديد العنف والقسوة، وسارعت إيران إلى فرض الوصاية على وريث المكانة الصدرية مقتدى الصدر، بينما بقي بقية علماء الشيعة العرب في الظلال.


ظهر الخالصي وغيره، وواجهتم ما سمّيت بالعملية السياسية في العراق بالإقصاء ذاته الذي مورس على العرب السنة، وعلى هامش الحدث كان أحد ورثة البيت الحسني يتحدّث بصوت جهوري من قلب كربلاء، منتقداً المشروع الإيراني، صارخاً بقوة بأن هوية العراق ورسالة الحسين تتعرض للسرقة والخطف، كان آية الله محمود الصرخي الحسني وهو أحد تلاميذ محمد صادق الصدر، والذي لم يتردّد بالتحريض والدعوة لمقاومة الاحتلال الأميركي.


الصرخي والحوزة


ولد الصرخي في الكاظمية في العام 1964 ودرس الهندسة المدنية في جامعة بغداد حتى أواخر الثمانينات، ليبقى بضعة أعوام بعيداً عن النشاط الديني، حتى دخل الحوزة العلمية في النجف في العام 1994، وكان له دور كبير في جانب التحقيق، عرف الصرخي بموقفه الحاد من الطائفية، ودعوته إلى دولة يعيش فيها الجميع بغض النظر عن المذهب والدين والقومية، ويرى الباحثون أن دور الصرخي العلمي في تحليل التناقض والتوافق بين مدرستي الخوئي والصدر يعدّ الأكبر حتى اللحظة، مما رفع قدر الصرخي لدى جمهور الشيعة العرب،علاوة على نسبه الحسني الذي يعتبره هو شخصياً سبباً في انحيازه لعروبة رسالة التشيع.


الصرخي والعروبة


ومنذ بداياته برز الصرخي مختلفاً في الأسس التي بنى عليها فهمه للدين، وبالأخص ما امتاز به التشيّع تاريخياً في باب الاجتهاد، وهو بانتمائه لمدرسة الصدر، يكون قد قطع شوطاً كبيراً في الموقف من هيمنة قم وإيران معها على الشيعة العرب، فلم يستجب للفتوى التي أصدرها السيستاني حيال الغزو الأميركي للعراق، وقال في إحدى محاضراته إنه لمن “سخف القول أن من يدعي المرجعية يشرعن ويمضي دستوراً وضعه بول بريمر الذي عينته أميركا حاكما مدنيا للعراق في العام 2003″، فشن عليه المتعاونون مع إيران من مرجعيات الشيعة في العراق الحرب ووصفوه بالضال والمضلل.


ولكن الصرخي تمكن في زمن قياسي من توسيع قاعدة أتباعه لتصل إلى عشرات الآلاف في محافظات العراق الجنوبية، مما يدلل على المزاج الشعبي الشيعي العربي في العراق، ولم تمض ثلاث سنوات على سقوط بغداد، حتى هاجم أنصار الصرخي القنصلية الإيرانية في البصرة في العام 2006، احتجاجاً على نفوذ إيران في العراق وابتلاعها لهويته.



ثورة المرجع


ثار غضب الصرخي بعد الاستعصاء السياسي الذي أوصل المالكي إليه العملية السياسية في العراق، وبدأ في ثورته الخاصة عبر سلسة من الخطب والمواقف السياسية والتصريحات النارية من نوع قوله إن “المكر السياسي في العراق وصل إلى الخسة وفاق كلّ مكر العالم”، وقوله إن “أهل السياسة لا دين لهم”.


وتزامن هذا مع احتجاجات محافظات العراق السنية التي لم تلق آذاناً صاغية من قبل المالكي، حتى إذا ما غامر المالكي بورقة داعش وسحب جيشه من الموصل وتأليبه المرجعيات الشيعية المرتبطة بإيران لشن حرب على السنّة بحجة داعش، ليفتي السيستاني بوجوب محاربة “الإرهاب” ويبدأ تشكيل الميليشيات الرديفة التي تتخذ الطابع الطائفي، فوقف الصرخي ضد فتوى السيستاني وأفتى بتحريم محاربة السنة الذين اعتبرهم “مظلومين مهمشينوشبههم بالشعب السوري الذي يتهمه بشار الأسد بالإرهاب.


وهاجمت الميليشيات الطائفية مقر الصرخي، وبدأ إعلام المالكي يصفه بالمجرم، فخرج الصرخي ليتهم المالكي بإعدام ثلاثين من أنصار الصرخي في كربلاء وقصفها بالطيران، الأمر الذي دفعه لأمر أنصاره بحمل السلاح ردّاً للظلم ضد المالكي وجيشه.


جيش الحسين


قصف المالكي كربلاء بالمروحيات، ضارباً قداسة المدينة عرض الحائط، وأعلن الصرخي عن تأسيس وقيادة “جيش الحسين”، الذي قال المالكي إنه قام بطرده من كربلاء، ليتجمع الجيش في الناصرية في ذي قار معيداً رمزية الصراع العربي الفارسي من جديد.

وأصدر المالكي مذكرة باعتقال الصرخي بعد ساعات من قصف منزله بالطائرات، لتتوسع العمليات من كربلاء إلى الديوانية والبصرة، وكانت وفود رسمية عديدة قد زارت الصرخي في محاولة لإقناعه بالعدول عن موقفه، مقابل “امتلاك الحوزة بما فيها”، لكنه رفض ذلك وجدد التأكيد على رفض استخدام القوة في الهجوم على المناطق السنية بدءا من الرمادي والفلوجة في محافظة الأنبار، وعرض وساطته لحل الأزمة في الأنبار، تتوسع حركة الصرخي اليوم وقد بدأت بتأييده عدة مراجع في النجف مثل آية الله بشير النجفي وآية الله فاضل البديري والشيخ قاسم الطائي أحد مؤسسي التيار الصدري، ليتحوّل التمرد الفكري لدى المرجعية إلى حراك شعبي عارم على طريق استعادة العراق، ومن سيشكّل جيش الحسين سيكون هؤلاء الذين همّشوا أيضا لحساب المشروع القومي الإيراني هذه المرة، بعد أن تمرّد الذين همشوا لحساب المشروع الطائفي لإيران ذاتها.


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر