الراصد القديم

2014/08/01

علي شمخاني مدمر المعارضة الإيرانية لمهمة تدمير الشرق الأوسط……..عربيّ يخلف سليماني على ملفات بغداد ودمشق وبيروت


إبراهيم الجبين

"التزام شمخاني تماماً بالرؤية الاستراتيجية الإيرانية ومشروعها، يجعل منه أكثر الشخصيات جرأة على خوض غمار السياسة والأمن والحروب في الوقت ذاته".

عرف أهل البصرة أسرة شمخاني، التي استقرت في الأهواز، وبرز منها تجار وأعيان كانت لهم مكانتهم في مناخاتها، ولكنّ فصل الأهواز وضمّها لإيران قطّع تلك الوشائج بين شطر من العرب وإخوتهم في الضفة الأخرى، حيث عملت إيران على تدجين كثيرين منهم، ضمن مشاريعها الطائفية والعرقية، ليخرج من بينهم من قدّم خدمات هائلة عجز الفرس أنفسهم عن تقديمها لطهران، فبرز اسم علي شمخاني أحد الرجال الأكثر شراسة وخطورة في دولة الولي الفقيه.

مرحلة العمل السري لشمخاني

اليوم يخلف شمخاني الجنرال قاسم سليماني الذي أحال الشرق الأوسط إلى بركة من الدماء، بعد أن مرّ في صعوده بمراحل لا تقل خطورة عمّا يستعد لإكماله في المرحلة التالية، وبعد أن عيّنه روحاني أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ليبعد به منافسه في الانتخابات سعيد جليلي.

ولد علي صالح شمخاني في الأهواز في عربستان، ليدرس الهندسة الزراعية، ويحصل على الماجستير في الإدارة والشؤون العسكرية بعد قيام حركة الخميني.

في مرحلة الشاه، نسج شمخاني علاقات قوية مع منتظري الذي كان منفياً في الأهواز، وانخرط معه في جمعية دينية سريّة مسلحة، نفذت عمليات ضد قوات الشاه، وبعد سقوط الشاه، تم تكليف شمخاني بقيادة قوات لجان الثورة الإسلامية في عربستان، بهدف سحق الحركتين القومية العربية والمعارضة المدنية في الأهواز، وفي العام 1979 يروي أهل الأهواز كيف اختلف شمخاني مع الأدميرال أحمد مدني قائد القوات البحرية ومحافظ المنطقة، حين أصرّ شمخاني على المزيد من القمع ضد أهل الأهواز وحين لم يوافق مدني رفع شمخاني شكوى ضدّه إلى الخميني شخصياً ليكسب ثقة الولي الفقيه.

دوره في بناء الحرس الثوري

أعطت تلك الثقة شمخاني جرعة قوية من الاندفاع ليساهم في تأسيس الحرس الثوري الإيراني ويرأس فصيله في الأهواز، ثم تم تكليفه بقيادة القوات البرية التي تتبع الحرس الثوري، ثم صعد ليصبح نائباً للقائد العام للحرس الثوري ولكن الفرصة الحقيقية جاءته على طبق من ذهب باندلاع الحرب العراقية الإيرانية، حيث قاتل شمخاني بشراسة ضد العراقيين، وفقد اثنين من إخوته في الحرب التي لم تنته قبل أن يصبح وزيراً لقوات الحرس الثوري في عهد مير حسين موسوي، ثم رفسنجاني، ثم تولى مهمة قيادة القوات الإيرانية المشرفة على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 598 المتعلق بوقف إطلاق النار بين إيران والعراق، ليقوم خامنئي بتعيينه قائداً عاماً للقوات المسلحة الإيرانية وقائداً للقوات البحرية.

العربي الذي تثق به طهران

كلّف خاتمي شمخاني بحقيبة وزارة الدفاع، وتحمّل الأخير مسؤولياتها لثمانية أعوام متواصلة، قبل أن يعزل ويختار عضوا في المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية ورئيسا للمركز الاستراتيجي للقوات المسلحة الإيرانية، وقد عمل أثناء توليه الوزارة على بناء القوة الصاروخية الإيرانية والبنية التحتية للمؤسسة العسكرية، وظهر أن إيران استراحت لوجود عربي كرأس حربة في تهديد جوارها ودول الخليج، فتم تكليفه بإزالة الحساسيات مع السعودية، وتطمين الدول العربية بأن إيران لا تحاول توسيع نفوذها على حساب العرب، فوقّع شمخاني كوزير للدفاع اتفاقية أمنية إيرانية مع السعودية في الرياض، ولكن الجرح الذي لم يلتئم عند شمخاني كان خسارته لبيئته الأصلية في الأهواز، فلم يعد أهلها يستقبلونه سوى بالحجارة حين يزور المنطقة في محاولات طهران تبريد الموقف المتأزم في شرق الخليج العربي.

في عهد خامنئي، ونتيجة لقربه من المشروع الإصلاحي للرئيس وفريقه، تمكّن شمخاني من كسب ثقة الغرب، وصار يعتبر أملاً أميركياً في تغيير النهج الإيراني، ولكن شمخاني في الواقع لم يقطع الحبل المتين الذي يربطه مع المرشد خامنئي، فبقي رجل خامنئي في حكومة خامنئي طيلة الوقت، حتى أنه رشّح نفسه للانتخابات الرئاسة في بداية الألفية، ولكنه كان قد تجاوز الحدود، فتراجع خطوة على الفور.
تهمة الواقعية السياسية

كثيراً ما وصف شمخاني بالواقعي السياسي، خلافاً للشخصيات الإيرانية التي تحيط بخامنئي ورؤساء إيران منذ مرحلة الخميني وحتى اليوم، ولكن أداء شمخاني الملتزم تماماً بالرؤية الاستراتيجية الإيرانية ومشروعها، يجعل منه أكثر الشخصيات جرأة على خوض غمار السياسة والأمن والحروب في الوقت ذاته، وهو خط الدفاع الأخطر بعد خط النار الذي مثله قاسم سليماني، والوقائع تقول إن شمخاني مستمر في حربه ضد المعارضة الإيرانية والقوميات المختلفة فيها، فقد تفاخر الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني بأنه ألقى القبض على خمسة رهائن من جيش العدل البلوشي، وأكّد أن إيران حافظت وتحافظ على استقرارها بكل ما أوتيت من قوة خلال خمسة وثلاثين عاماً.

دور شمخاني عشية سقوط بغداد

شهدت السفارة الإيرانية في دمشق لقاءات سرية لشمخاني مع أطياف تتبع إيران من المعارضة العراقية، في الأعوام 2001 و2002 و2003، وكان شمخاني يريد معرفة من يمكن أن يعتمد عليه في مرحلة ما بعد غزو العراق، وقام بأخذ تعهدات خطية من كثير من هؤلاء تلزمهم بالامتثال لما يتم الاتفاق عليه، فصنع شمخاني مستقبل العراق بعد سقوط نظام صدام حسين بهندسة نادرة جمّعت لطهران التكتلات التي تلزمها لإحكام القبضة على بغداد.

شمخاني والدور الجديد

الدمار الذي يشهده المحور الممتد من حدود إيران شرقاً إلى البحر المتوسط مروراً ببغداد ودمشق وبيروت، والعطالة السياسية والاستعصاء القائم محلياً ودولياً، عكس الفشل الذريع لخطة قاسم سليماني في إطفاء موجة التغيير التي وصلت إلى الشام والعراق في الأعوام الثلاثة الماضية، وكان البديل عن تغيير الأنظمة تدمير البلاد وإشاعة الفوضى والقتال حتى آخر رجل، وحتى آخر دولار، الأمر الذي أنهك الاقتصاد الإيراني، حسب رؤية الرئيس الأميركي أوباما الذي يصرّ على أن إطالة عمر الصراع ستصب في صالح الولايات المتحدة لأن هذا الصراع يستنزف إيران تماماً، وانفجار العراق بعد الزج بداعش لتحطيم الحدود على حد تعبيرها كانت نتائجها كارثية على وكلاء إيران في بغداد، وكذلك في دمشق وضاحية بيروت الجنوبية، فقد انفتح الصراع اليوم على حواشي داعش، فيما تبدو هي المهيمنة، إلا أن ثورة العشائر واستعادة القوات المعارضة السورية لتوازنها وتجمعها في المناطق الاستراتيجية تمهيداً للحرب على ما سمّيت بدولة الخلافة، جعل الأمر يفلت من قبضة سليماني تماماً، ويهدّد بانفجار أوسع، هنا يبدأ دور شمخاني، الذي سارع إلى التدخل بتكليف مباشر من خامنئي لتولي المهمة.

استقبل شمخاني في طهران رئيس حكومة إقليم كردستان نيجرفان بارزاني، وبرّر ما يحدث في العراق بأنه من فعل أعدائه الإقليميين والدوليين، وأن تدمير إرادة العراقيين هو هدف “بعض المتشدقين بالسلام والأمن في العالم، وحماتهم الإقليميين، ما يشكل تهديداً كبيراً للمبادئ والقيم الإنسانية والأخلاقية".

وتذكّر شمخاني في هذا الوقت فقط أن هناك مكونات أخرى في العراق غير أتباع طهران، فقال للبارزاني: “إن المرحلة الحالية تتطلب اتحاد وتضامن الأكراد والشيعة والسنة، ووقوفهم جنباً إلى جنب، لإعادة الأمن والاستقرار إلي العراق، ومواجهة خطر الإرهاب وانتشاره في المنطقة".

استدعاء الجميع إلى طهران

يستقبل شمخاني في طهران حلفاء إيران ويزودهم بالتعليمات التنفيذية، ويطلق من هناك تصريحاته عن المرحلة القادمة التي يحلم بأن تكون مرحلة استثمار وإعادة إعمار، فخلال لقائه رئيس مجلس الشعب محمد جهاد اللحام هنّأ شمخاني الأسد بإجراء الانتخابات الرئاسية بشكل ناجح، مؤكداً أن المشاركة الواسعة للشعب السوري فيها مؤشر واضح على معارضة هذا الشعب للتدخل الأجنبي والإرهاب والتوجهات المتطرفة. وقال شمخاني “إن استمرار التوجهات الاستراتيجية لسوريا في دعم تيار المقاومة أظهر بأن الضغوط التي مارسها الأعداء ضد هذا البلد لم تترك أثراً على إرادة الشعب والحكومة السورية وعزمها الوقوف أمام الصهاينة الغاصبين وحماتهم”، وأكد استمرار دعم إيران لسوريا حكومة وشعباً في مواجهة الإرهاب وإعادة إعمار سوريا.

طيران إلى بغداد والنجف

ووسط الاستعصاء السياسي في العراق، وتمترس المالكي وتمسّكه بولاية جديدة، حلّقت طائرة شمخاني متوجهة إلى بغداد والنجف لإعادة ترتيب الأوراق، والتقى هناك بالمالكي، والمراجع الأربعة الكبار في النجف، ونقلت وكالة “أنباء فارس″ أن المراجع الأربعة في النجف، أكدوا خلال لقائهم شمخاني “ضرورة الحفاظ على وحدة الشعب العراقي وتلاحمه في مواجهة الإرهاب وبناء المؤسسات السياسية والقانونية وفقا لتطلعاته”. فقد حرص شمخاني على لقاء المرجع الأعلى علي السيستاني، كما التقى محمد سعيد الحكيم وإسحق الفياض وبشير النجفي. وأشاد بالدور المهم والفريد للمرجعية في الحفاظ على الوحدة الوطنية، وبفتاوى المرجع السيستاني في تعبئة الشعب ضد الإرهاب، كما أكد المالكي لشمخاني في هذه الزيارة “انتصار الشعب والحكومة في مواجهة العناصر التكفيرية والإرهابية ".

مشروع شمخاني

عقيدة الولاء التي سار عليها شمخاني، والتي نجحت في إيران وسهّلت له الطريق إلى القمة، لا تنفع في مواجهة الحروب الدائرة في المنطقة، فهي حروب غير تقليدية، اضطرت إيران فيها إلى استخدام كل أوراقها، بما فيها الشحن الطائفي والاحتراب على الثأر المذهبي وحتى مشروعها النووي، وغامرت بمحيطها وعلاقاتها في العالم بهدف الحفاظ على نفوذها وهيمنتها على العراق وسوريا ولبنان، رغماً عن إرادة شعوبها، مكرّسةً ذاتها كقوة احتلال، الأمر الذي يحوّل إيران تدريجياً إلى قوة موازية لإسرائيل تأخذ شرعيتها بقوة الأمر الواقع، وهو ما لا يمكن ضبطه على طول الخط، إن فكّر الإيرانيون باستنساخ النموذج الإسرائيلي بحذافيره، فالمساحة أكبر وعدد السكان أكبر والتنوع العرقي والديني أكبر، ومجمل المعطيات لا تسمح باستمرار النزاع إلى الأبد.
.
مشروع شمخاني يتركّز في تحويل العسكري والأمني إلى سياسي من جديد، معيدا إلى الأذهان التطمينات التي كان يمنحها للدول العربية في الماضي، ولكن تلك الورقة فرّطت بها إيران في مرحلة سليماني، وتجاوزت الأوضاع التطمينات والمعاهدات وبات على أحد الطرفين أن يحسم الأمر لصالحه، والسؤال: هل حقّاً تستطيع إيران حسم الأوضاع في الشرق الاوسط لصالحها؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر