الراصد القديم

2014/09/01

رئيس بلدية بيروت لعب دوراً حيوياً في الحرب العالمية الأولى وتسلّم تمثيل أول حكومة عربية في بيروت عام 1918




  حسان حلاق

على أثر سريان الكهرباء في أسلاك التنوير في بيروت إبان العقد الأول من سنوات القرن العشرين، اتجهت همّة بعض أعيان البيارتة للحصول على "امتياز خط ترامواي للطرق الأكثر مناسبة في أحياء بيروت".

وفي ما يأتي نصّ الخبر كما جاء في جريدة "ثمرات الفنون" عدد (853) الصادر في بيروت يوم 2 ربيع الأول سنة 1309هـ الموافق 5 تشرين الأول سنة 1891م: 

"رفع عزتلو بشارة أفندي سر مهندس نافعة ولاية بيروت وعزتلو يوسف أفندي عرمان رياشي كاتب مجلس بلدية بيروت إلى مقام الولاية الجليلة، الاستدعاء بطلب امتياز خط ترامواي للطرق الأكثر مناسبة في محلات (أحياء) بيروت". 

وكان الوالي على بيروت يومئذ، عطوفتلو إسماعيل كمال بك أفندي، وبتاريخ 26 ربيع الآخر سنة 1324هـ (1906) نشرت الجريدة نفسها بشرى موافقة الباب العالي على إعطاء امتياز خط الترامواي باسم سليم رعد. وفي ما يأتي نصّ هذه البشرى كما جاء في الجريدة المذكورة تحت عنوان: الترامواي الكهربائي في بيروت وإنارتها بالكهرباء: "نبشر القراء بصدور الإرادة السنِيّة، مانحة حضرة سليم أفندي امتيازاً بتسيير ترامواي كهربائي في مدينتنا "بيروت" وإنارتها بالكهرباء لمدة تسع وتسعين سنة. ويستفاد مما ذكرته جرائد دار السعادة (اسطمبول) من شروط الامتياز ومقاولته أن للترامواي سبع نقاط وهي:

أولاً: من خان فخري بك ماراً بشارع المجيدية فطريق المستشفى العسكري (قصر العدل القديم – مجلس الإنماء والإعمار حالياً) إلى السور (ساحة رياض الصلح اليوم).
ثانياً: من دار الحكومة (السراي الصغير في ساحة البرج الذي هدم سنة 1951)، إلى طريق الشام حتى حدود جبل لبنان (أي فرن الشباك حيث كانت الحدود بين ولاية بيروت ومتصرفية جبل لبنان).
ثالثاً: يتفرع من الخط الأول شعبة من بوابة إدريس ماراً بالشارع الجديد (شارع ويغان حالياً) (الفشخة) بشرط أن تتمّ البلدية فتحه.
رابعاً: من محلة السور إلى نهاية الباشورة (البسطة التحتا).
خامساً: من المستشفى العسكري إلى المصيطبة.
سادساً: من مينا القمح إلى رأس بيروت.
سابعاً: من خان أنطون بك إلى المنارة على أن يكون له ثلاث شُعب اختيارية.
وقد شرط على صاحب الامتياز بأن يعطي عشر في المائة من صافي الواردات إعانة للسكة الحديدية الحجازية، وبأن يودع مبلغ الكفالة في البنك العثماني، وبأن يؤلّف لذلك شركة أنونيم عثمانية".
وفي شعبان سنة 1325هـ (أيلول سنة 1907م)، جرى الاحتفال بتدشين خط الترامواي في بيروت بمناسبة المولد السلطاني للعام الثامن والستين، وكان ذلك في عهد الوالي إبراهيم خليل باشا كما ذكرت جريدة "الإقبال" لعبد الباسط الأنسي في عددها (182).
وفي ذلك الحين، أصدرت الشركة المذكورة التي كانت تسمى "شركة الترامواي والتنوير العثمانية في بيروت" 36 ألف سهم قيمة كل منها 100 فرنك وقيدتها رسمياً في بورصة دار السعادة (اسطمبول).

 
دور رئيس بلدية بيروت في الحرب العالمية الأولى
 
عمر بك الداعوق (1874-1949) من وجهاء بيروت وأعيانها، كان عضواً في مجلس بلدية بيروت عام 1908، ثم أصبح رئيساً للمجلس البلدي في حقبة الحرب العالمية الأولى، من أصعب حقبات التاريخ البيروتي واللبناني. ونظراً الى الأوضاع الصعبة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، فقد قام عمر بك الداعوق مع بعض أعضاء المجلس البلدي، ومع بعض وجهاء بيروت بدور رئيسي في تخفيف حدة المجاعة التي عرفتها بيروت خلال الحرب، وذلك بشراء كميات من الطحين عن طريق التجار السوريين وتوزيعها على الناس بسعر التكلفة. كما افتتح مطاعم مجانية للبيارتة وللنازحين من جبل لبنان من دون تمييز في مناطقهم وطوائفهم، وأقنع والي بيروت بضرورة إنشاء 6  دور للأيتام في بيروت في المنطقتين الشرقية والغربية، وقد أوكلت إليه مهمة الرئاسة العامة والإشراف العام للمطاعم الخيرية، ولدور الأيتام.

لقد استمر عمر بك الداعوق وخلال الحرب العالمية الأولى 1916-1918، يقدم جميع التسهيلات الى البيارتة واللبنانيين في جميع الميادين الاقتصادية والغذائية والاجتماعية، وسخّر جميع إمكاناته وإمكانات بلدية بيروت المحروسة من أجل تخفيف الأعباء عن كاهل السكان، مما خفف من أعباء المجاعة والمرض والفقر والعوز.

ونظراً الى عطاءات عمر بك الداعوق وتضحياته في مرحلة الحرب العالمية الأولى، فقد منحته الدولة العثمانية:
1- ميدالية الحرب.
2- ميدالية الصنائع.
3- ميدالية المعارف.
4- ميداليات تكريمية أخرى.

أول ممثل  لأول حكومة عربية في بيروت عام 1918
تأسست في دمشق الحكومة العربية الأولى في 28 أيلول 1918، قبل دخول الأمير فيصل الشام، وذلك برئاسة الأمير سعيد الجزائري الذي أرسل بدوره برقية إلى رئيس بلدية بيروت المحروسة عمر بك الداعوق يخبره عن تأسيس الحكومة العربية في دمشق، وطلب منه إعلان قيام الحكومة العربية في بيروت.
وذكر سليم سلام في مذكراته أن عمر الداعوق تسلم هذه البرقية  مساء 30 أيلول  1918.
وبعد أن تسلم عمر الداعوق هذه البرقية، توجه الى منزل سليم سلام "ليطلعني عليها وأخذ رأيي بالواجب عمله، فصادف أن كان عندي المرحومين أحمد مختار بيهم وألفرد سرسق، وكنا نتذاكر بالحالة الحرجة التي وصلت إليها البلاد، وعما يلزم أخذه من احتياطات. فبعد اطلاعنا على البرقية والمداولة، ذهبنا حوالى العاشرة ليلاً إلى منزل والي الولاية إسماعيل حقي لإبلاغه مضمون البرقية، ومطالبته بمغادرة بيروت حالاً مع كل المأمورين الأتراك، لأننا نرغب في إعلان الحكومة العربية".
ويصف سليم سلام تفصيلات هذا الحادث بقوله: كان لدى الوالي حرس تركي "مما اضطرنا أن نصطحب معنا قوة للحرس من الوجيه عمر بيهم والسيد أمين بيهم وأولادي علي سلام ومحمد سلام ومصباح سلام ومختار ناصر". وقد أعطوا أمراً لاقتحام منزل الوالي عنوة عند الحاجة وإطلاق الرصاص على أي كان في حال المقاومة، "فدخلنا على الوالي وقد دامت المباحثات والمجادلات معه عدة ساعات وحتى الصباح كان خلالها الصراخ يعلو تارة بالتهديد، وتارة بالوعيد، مما دعا الوالي بعد كل ذلك لطلب قائد موقع بيروت العسكري وقومندان الجندرمة ومدير البوليس ووالي إزمير المتقاعد حسين كاظم لأخذ رأيهم ومشورتهم، فنصحوه بالتسليم لنا". وأضاف سلام أنه على أثر ذلك، خرج أحمد مختار بيهم، وكانت الساعة حوالى الرابعة صباح أول تشرين الأول 1918 ليطمئن من بالخارج، الى أن الوالي يكتب وثيقة التسليم وأنه سيغادر بيروت، موصياً الجميع بالمحافظة على الأمن وعلى أرواح الأتراك.
وبالفعل، ففي السادسة صباح اليوم نفسه، غادر الوالي إسماعيل حقّي بك بيروت متجهاً إلى رياق "ورافقه ولدي مصباح على جواده من منزله إلى فرن الشباك آخر حدود الولاية للمحافظة عليه". وبعد ذلك عاد الجميع إلى منزل سليم سلام في المصيطبة بعد دعوة سليم بك الطيارة، ومحمد أفندي فاخوري وجان بك فريج، وبعد التداول جرى الإعلان عن تأليف الحكومة العربية في بيروت برئاسة رئيس البلدية عمر بك الداعوق الذي أصدر بياناً في هذا الشأن.
وعلى أثر هذه التغييرات، أصدر عمر بك بيهم قراراً عين بموجبه أحمد مختار بيهم مديراً للأمن العام، وعين له سليم الطيارة وجان فريج معاونين. كما عيَّن محمد فاخوري ويوسف عودة لإدارة المؤسسات الخيرية، وعيّن لإدارة الأعاشة كل من حسن أفندي قرنفل ونسيم أفندي مطر ومخايل طراد، وعين السيد عارف دياب رئيساً للميناء. وفي المناسبة، فقد أصدر أحمد مختار بيهم بلاغاً إلى الأهلين والمأمورين ورجال الجندرمة والبوليس طلب منهم متابعة أعمالهم، كما حذر الأهالي من حمل السلاح أو التظاهر والتجمع، أو إلقاء الخطب، وطلب منهم عدم الاعتداء على المأمورين الأتراك وعيالهم.
وذكر سليم سلام أن المطابع رفضت طبع هذا البيان إلى أن وفقوا أخيراً في طبعه في مطبعة صحيفة "الإقبال". وأضاف أنه عندما ذهب وصحبه إلى السراي الكبير تسلموا إدارة الحكومة. كما تسلموا إدارة البنك الزراعي الكائن في السراي، وكان فيه من أموال نقدية 200 ألف ليرة ذهبية ومليون وربع مليون ليرة تركية. وبما أن محمد سلام وصلاح عثمان بيهم لم يتسلما هذه المبالغ بإيصالات لتعذر التسليم والتسلم، فقد بقيا طوال ثلاثة أيام بلياليها للمحافظة عليها كي لا يسرقها أحد، إلى أن حضرت لجنة حكومية وتسلمتها مطابقة تماماً لقيود السجلات، "كما أن ولدي علي سلام ومختار ناصر تسلما مستودع الأسلحة والذخيرة المودعة في أقبية السراي، وسهرا كل المدة للمحافظة عليها كي لا يسرقها أحد. وكذلك ولدي مصباح فقد كان شاباً حينما أوقف مساء الثالث من تشرين الأول 1918 – بينما كان يراقب التحركات في الضواحي على طريق الشياح – الحدت – قائد فرقة تركية في طريقها من الدامور لدخول البلدة، وطلب استسلامه. ولما سأله واستفسر منه عما في بيروت أخبره أن هناك عشرة آلاف مسلح ينتظرون إشارة للفتك بهم إذا ما تمردوا، ولم يستسلموا وإذا ظهرت منهم أي بادرة مغايرة".
وبعد التشاور مع بقية القادة، قرر القائد التركي الاستسلام وفرقته المؤلفة من (400) جندي بكامل تجهيزاتهم وذخيرتهم وخيولهم. ثم قادهم مصباح سلام إلى مخفر فرن الشباك واتصل هاتفياً بوالده وبأحمد مختار بيهم اللذين أرسلا إليه سليم الطيارة مدير الشرطة، وذلك لتسلم القائد التركي مع قوته العسكرية الذين نقلوا إلى السراي الكبير، حيث تجمهر الأهلون للتفرج على أول قوة تركية تستسلم للحكومة العربية في بيروت برئاسة رئيس البلدية عمر بك الداعوق.
وفي 6 تشرين الأول 1918، قررت الحكومة العربية رفع العلم العربي على دار الحكومة في بيروت في السراي الكبير، فدعت الرؤساء الروحيين وكبار الشخصيات والموظفين، وكان من خطباء الحفل: الشيخ مصطفى الغلاييني، والأب يوسف أسطفان، والسيدة فاطمة المحمصاني أخت الشهيدين محمد ومحمود المحمصاني لترفع العلم. وكان من المقرر أن يحضر الحفل رئيس وأعضاء الحكومة غير أن عمر بك الداعوق اعتذر فجأة، فترأس سليم سلام الحفل، في وقت اتجه فيه أحمد مختار بيهم ويوسف عودة إلى صيدا لمفاوضة القوات البريطانية التي أشيع عن قرب وصولها إلى بيروت.
وفي الوقت نفسه من يوم 6 تشرين الأول 1918 وصل اللواء شكري باشا الأيوبي إلى بيروت مبعوثاً من الأمير فيصل حاكماً عاماً على بيروت ولبنان، وكان معه مئة جندي، فاستقبله سليم سلام في صحراء الشويفات مع جمع غفير مؤلف من رتل من الفرسان، ولما وصلوا إلى السراي الكبير ألقى الأب يوسف أسطفان كلمة أشاد فيها بحكم العرب وعدلهم حتى أسماهم "أعدل الفاتحين". وبسبب كلمته، صرح شكري الأيوبي أمام الجماهير المحتشدة بأنه يخلع على هذا الأب الماروني وباسم الأمير فيصل لقب "خطيب العرب".
وفي اليوم التالي، اجتمع الأيوبي بعمر بك الداعوق وسليم سلام في منزل الأخير، في حضور حشد من الأعيان والوجهاء وبعض القوى الوحدوية. وفي هذا الاجتماع، طلب سلام من اللواء الأيوبي تعيين حبيب باشا السعد حاكماً على جبل لبنان باسم الحكومة العربية، وقد استجيبت توصيته. وعلى الأثر، توجه الأيوبي وسلام وبعض الشخصيات البيروتية إلى سراي بعبدا حيث تلي أمر التعيين وأداء قسم الولاء للحكومة العربية. ومن ثم رفع الأيوبي العلم العربي على سراي بعبدا بعد أن كان قد رفعه على سراي بيروت. وبذلك أعلن أن البلاد دخلت تحت ظل الحكم الفيصلي. وبعد ذلك، نظّم عمر بك الداعوق وسليم سلام وأحمد مختار بيهم دار المعتمدية العربية في بيروت، وأصبحوا صلة الوصل بين المعتمد العربي وبين المعارضين للسيطرة الفرنسية.
وقد استمرت الحكومة العربية في بيروت برئاسة الداعوق تقوم بمهماتها، إلى أن احتلت القوات الفرنسية بيروت في تشرين الأول 1918.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر