الراصد القديم

2014/09/01

”حماس” تستعيد لياقتها الوطنية وتتخفف من ارتباطاتها الاخوانية

فهد الريماوي

”قل اعوذ برب الناس” من شر اوباما الخناس، ومن شر الصهاينة الانجاس، ومن شر العربان المتربصين بحركة حماس، فهم يعتبرونها عدوهم اللدود اكثر من اليهود، ويجهدون سراً لنصرة نتنياهو على خالد مشعل، ويحرضون وزير الحرب موشيه يعلون على قائد كتائب القسام محمد الضيف، ويتميزون غيظاً ويتصببون غضباً على غزة لانها ترفض ان تفرط بمقاومتها، وتأبى ان تأكل بثدييها وتجثو على ركبتيها وتسمح للغزاة والزناة بانتهاك عفتها وطهارتها.

ففي غزة انقلبت، على مدى شهر، كل المعادلات والرهانات والحسابات، حيث تحول العجز الى معجزة، والضعف الى قوة، والعُسر الى نصر تحقق فعلياً ومعنوياً حين تصدى الكف للمخرز، وصمد الفدائي في وجه الغازي، وشبعت المقابر من لحم الطفولة، واطبقت اصابع القتيل على عنق القاتل، ورسبت ”الميركافا” في امتحان الكمائن والانفاق، وارغمت صواريخ بدائية شعب نتنياهو وليبرمان على السهر في عز الظهر، والنوم تحت طائلة الكوابيس المرعبة.

في غزة وجد ”الجهاد” مفهومه الاسلامي السليم، وبوصلته السياسية الصائبة، وتاريخيته القادمة من حطين وسيف صلاح الدين.. فشتان بين جهاد كفاحي تنهض به دينياً ووطنياً فصائل المقاومة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني الغاصب لاولى القبلتين، وبين جهاد نكاحي تقترفه الدواعش والجماعات الارهابية والوهابية المجرمة داخل البيت العربي، وبحق ابناء الوطن الواحد، تحت دعاوي وفتاوي ومزاعم طائفية ومذهبية وجاهلية بغيضة ومريضة.

وعليه، فلا شغل لعلامات التعجب والاستغراب هذا الاوان، غير متابعة ردود الافعال السلبية والتشكيكية – وحتى العدائية – التي صدرت عن بعض النخب والمنابر والاقلام العربية – وتحديداً المصرية – بخصوص جولات العصف المسلح التي دارت بضراوة بالغة فوق بطاح غزة بين العدو الصهيوني وفصائل المقاومة الفلسطينية وفي طليعتها حركة حماس.

ولان التاريخ يمهل ولا يهمل.. يصبر ولا يغفر.. يتساهل ولا يصفح او يتسامح، فاننا نتوجه لكل هذه الاصوات والاقلام البائسة بنصيحة تحذيرية مبكرة، ان يتداركوا انفسهم، وينظفوا اعماقهم، ويجففوا منابع احقادهم، ويطهروا قلوبهم من رجس مرض صهيوني خبيث وحالك السواد.. ليس مراعاة لخاطر الشعب الفلسطيني المشرد، ولا اكراماً لفصائل المقاومة الباسلة، ولا احتراماً لارواح الشهداء الابرار.. بل صوناً لمكانتهم وكرامتهم ومصداقيتهم، وحفاظاً على ذواتهم من الانزلاق الى درك الفضيحة وقاع الخيانة، وتجنباً لما ستجره عليهم ضغائنهم واحقادهم من نكسات وخيبات، فالحقد سلاح مرتد كثيراً ما يؤذي مطلقيه وليس المستهدفين به.

ليس المهم- في ظني – البحث والتحري والتنقيب عن الاجندات السرية، او المحاور الاقليمية، او الحسابات الفئوية الخاصة التي دفعت حركة حماس لاستئناف نهج المقاومة واستكمال مشوار الكفاح المسلح بعد طول انقطاع.. المهم الذي يستحق التوقف عنده الآن، ان حماس قد تخلت عن اوهام الحكم في غزة، وتخففت من اعباء حكومة هنية واثقالها ورواتب موظفيها، وعادت من جديد الى سابق عهدها، واستعادت الوجه المضيء من تاريخها، واعادت وضع المشروع الوطني الفلسطيني – وليس الاخواني – على قمة اولوياتها ورأس جدول اعمالها.

هب ان قيادة حماس قد اخطأت في قراءة المتغيرات الدرامية العربية قبل ثلاث سنوات، وان بوصلتها قد تاهت مؤقتاً في فيافي ”الربيع العربي” المزعوم، وان هويتها الدينية الاخوانية قد تقدمت، بتأثير انتصارات الاسلام السياسي يومذاك، على هويتها الوطنية الفلسطينية.. فهل هناك ما يمنع هذه القيادة الحمساوية من مراجعة حساباتها، وتصويب اخطائها، وترتيب اوراقها، وتوفيق اوضاعها في ضوء الدروس المستخلصة من تجربتها ؟؟ وهل هناك ما يعيبها او ينتقص من قدرها او يؤخذ عليها، ان تثوب الى سابق عهدها بعدما مارست عملية ”نقد ذاتي” واعادة نظر في مجمل سياساتها وممارساتها وتحالفاتها خلال السنوات الثلاث الاخيرة؟؟
هب ان حركة حماس قد جددت اشتباكها المسلح مع العدو الصهيوني لغاية في نفسها، ولغرض انهاء عزلتها واستعادة شعبيتها ودفع المختلفين معها للانفتاح عليها وفتح ابواب الحوار معها.. فيا ليت كل الحكومات الرسمية والحركات الشعبية العربية تحذو حذوها، وتقتدي بها، وتدرك ان مقاتلة اليهود تشكل اقصر الطرق لنيل الشعبية والاهمية والمكانة العالية لدى الرأي العام العربي والاسلامي.. يا ليت داعش ورابش وباقي الحركات ”الجهادية” المزورة التي تستأسد على ابناء جلدتها، تكف عن مذابحها وحروبها الاهلية والمذهبية، وتوجه سلاحها نحو مغتصبي القدس ومستوطني ارض الاسراء والمعراج، وتقتنع بان هزيمة المشروع الصهيوني في فلسطين، هي المقدمة الاولى والضرورية لنصرة الاسلام وقيام دولة الخلافة، وليس العكس.
هب ان حركة حماس قد اختلفت – ولا تزال تختلف – سياسياً وايدلوجياً مع عدد من الانظمة الرسمية والتنظيمات الشعبية العربية والاسلامية، وان اجتهاداتها النظرية وجهودها العملية قد تباينت، او حتى تناقضت، مع جهود واجتهادات القوى والاحزاب والفصائل العربية الاخرى.. فهل المطلوب تحويل الخلاف الى عداوة لدودة وقطيعة دائمة، ام المسارعة الى احتوائه وتضييق مساحته عبر اوسع حلقات التحاور والتشاور والتفاهم المتبادل ؟؟ هل يتعين النفخ في الحبة لتصبح قبة، وتضخيم هذا التناقض الثانوي مع فصيل فلسطيني ليطغى على التناقض الاساسي مع العدو الصهيوني، ام يتوجب على كل الاطراف الاحتكام الى العقل والضمير، والمبادرة لحل هذا التناقض الجزئي والطارئ سريعاً حتى لا يتقدم على التناقض الجوهري والتناحري والتاريخي مع العدو الاسرائيلي ؟؟
لا نستسيغ لغة الاتهام او التخوين فقد استهلكت نفسها حد الابتذال، ولا نحبذ اطلاق التسميات جزافاً شأن ما يجري تداوله تحت مسمى ”الصهيونية العربية”.. غير ان روحاً كتائبية وريحاً عنصرية بغيضة باتت تنتشر بسرعة وتتفشى باطراد في اوساط النخب السياسية والاعلامية المصرية الموتورة والمأجورة، ليس ضد حركة حماس وحدها، او فصائل المقاومة الفلسطينية بمجموعها، بل ضد الشعب العربي الفلسطيني بأسره، وضد قضيته العادلة ونضاله التاريخي المشرف والمجيد.

هذه الكتائبية النخبوية المصرية الجديدة، التي سبقتها كتائبية لبنانية جللت اصحابها بالعار وقادتهم الى احضان اسرائيل، لا يجوز ان تُحسب على الشعب المصري الشقيق والعريق، ولا يصح ان تُنسب الى نظام الرئيس السيسي الذي تقدم من المصريين والعرب باوراق اعتماد ناصرية.. بل تنسب لاصحابها وتحسب عليهم وحدهم، باعتبارهم حفنات محدودة من الحاقدين او المارقين او المخدوعين الذين لا نملك لهم الا النصح بالتروي والدعاء بالهداية والرشاد.

ليس في صالح حركة حماس ان تدخل في مساجلة مع هذه الاشكال الساقطة، او تأخذ نظام الحكم المصري بجريرتهم وتحمله مسؤولية نباحهم.. بل عليها تفويت الفرصة عليهم، وافشال مساعيهم الخبيثة في توسيع شقة الخلاف بينها وبين نظام السيسي الذي لا بد ان يدرك بدوره ان هذه الزمر والاشكال الكتائبية الخاسئة لا تضمر له الخير، بل تريد له الشر والضرر عبر حفزه على التقارب مع تل ابيب، والتباعد عن العرب والعروبة، والتشبه بالسادات وليس بعبد الناصر، والتنصل بالكامل من قضية فلسطين التي ما لبث الاخوان المسلمون ان سارعوا، في معرض النكاية والمزايدة، الى اعلان التمسك بها والتظاهر بالحرص عليها، والادعاء بان اطاحة حكمهم ناجمة عن اخلاصهم لها ولشعبها.

يتعين على الرئيس السيسي ان يتلفت حوله يمنه حيث يقف الكتائبيون المصريون، ويسرة حيث يقف الاخوان المسلمون، ليدرك ان الفريقين يتربصان به وبسمعته ومكانته، وان جهودهما – على اختلافها – تصب في خانة واحدة، وتهدف الى محاصرته وحشره في الزاوية الحرجة واخراجه من طوره ونهجه ودوره القومي المأمول.

في سياق مكالمة هاتفية قصيرة على هامش عيد الفطر الماضي، سألت الاخ خالد مشعل، زعيم حركة حماس ان كانوا سينسبون اي انجاز او انتصار تحققه معركة غزة للشعب الفلسطيني والامة العربية، ام لجماعة الاخوان وتحالفاتها التركية والقطرية، فاكد لي بحسم انهم سوف ينسبونه للشعب الفلسطيني والامة العربية وليس خلاف ذلك.. فقلت له على الفور : اذن فلتعلنوا ذلك بصراحة وعلى رؤوس الاشهاد، وستلمسون مدى تعاظم الدعم الشعبي الفلسطيني والعربي والاسلامي لكم ولسائر فصائل المقاومة الباسلة في غزة، ذلك لان الكثيرين ما زالوا يتهيبون اعلان الدعم والمؤازرة لكم ولجهادكم مخافة ان يتم تجيير ذلك لصالح المحور الاخواني – التركي – القطري، وليس لحساب قضية فلسطين وعموم شعبها وابناء امتها.

اخي ”ابو الوليد” كان مدهشاً ومثيراً للاعجاب وجديراً بالاحترام، حين اشترط نزع سلاح اسرائيل مقابل نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وكان بذلك اول قائد فلسطيني، وربما عربي، يتخذ مثل هذا الموقف الجريء ويشترط مثل هذا الشرط المتكافئ، وقد حفزني هذا الخطاب على سؤاله : ما دام العدو يطالبكم بالقاء السلاح، فلماذا لا ترفعون انتم سقف اهدافكم وتطالبون الامم المتحدة بتطبيق قراري مجلس الامن رقم 242 ورقم 338 حتى يصار الى توفير حل دائم ومقبول للمعضلة الفلسطينية، وهو ما يُفقد سلاح المقاومة تلقائياً مبرر وجوده، ذلك لان المقاومة هي النقيض الذي اوجده الاحتلال وفقاً للنظرية المعروفة في ان الاشياء تخلق نقائضها، وبزوال الاحتلال سوف تزول المقاومة وسلاحها، وليس العكس.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر