الراصد القديم

2014/10/02

28 سبتمبر (أيلول ) من خلال طوفان البشر وبحر الدموع

محمود كامل الكومى

أعتاد جمال عبد الناصر فى السنوات التى تلت نكسه يونيو ,أن يكون الأحتفال بأعياد ثوره 23 يوليو من خلال أنعقاد المؤتمر القومى العام للأتحاد الأشتراكى العربى - وهو التنظيم السياسى الذى يجمع تحالف قوى الشعب العامل من (عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين ,جنود ,وراسماليه وطنيه غير مستغله )- حيث يبدأ المؤتمر أنعقاده فى المده من 23 :26 يوليو (تموز) ومابين التاريخ الأول فجر الثوره ..والثانى أستمرارها بطرد الملك وتأميم قناه السويس - حيث يبدأ المؤتمر أعماله بخطاب شامل للرئيس (ناصر), وينتهى بتقرير عن الوضعين العسكرى والسياسى لوزيرى الدفاع والخارجيه , وينهى المؤتمر أعماله بخطاب لجمال عبد الناصر , - ويجمع كل الذين حضروا أعمال المؤتمر العام للأتحاد الأشتراكى العربى فى الأحتفال بالذكرى ال 18 لثوره يوليو عام 1970 على أن خطاب جمال عبد الناصر فى ختام أعمال المؤتمر كان بمثابه خطبه الوداع .

كان المفترض أن ينهى المؤتمر أعماله بتقريرين عن الأوضاع العسكريه والسياسيه لوزيرى الدفاع والخارجيه , لكن الرئيس طلب تعديل المنصه ,وأمر عمال القاعه بأنزال المكاتب التى كانت معده لألقاء الوزيرين تقريريهما , وطلب من المحيطين أن يكون اللقاء مع أعضاء المؤتمر من القلب الى القلب بعيدا عن الأذاعه والتليفزيون , وعلى السجيه أسترسل الرئيس وأفاض وأستفاض , وأثنى على دور الشهيد عبد المنعم رياض فى بناء القوات المسلحه ,وطمأن القواعد الشعبيه من خلال ممثليهم على جهوزيه قواتنا المسلحه لخوض حرب تحرير الأرض , وكذلك على الموقف السياسى الصاعد والمتقدم لخدمه معركه التحرير , وطالب الجميع بأن يكونوا على مستوى المسئوليه وأن يلبوا طلبات شعبنا الذى تحمل المسئوليه وكان الدافع دوما لما وصلت اليه القوات المسلحه من قوه ردع تفاقمت الى قدره عاليه على الهجوم -وواصل عبد الناصر اللقاء وقلبه يعتصر الما من كل المؤامرات التى تحيكها الرجعيه العربيه لأسقاطه , وبدى متأثرا الى أبعد حد وهو يقول " أن جسدى لايوجد به مكان الا وبه طعنه من معظم الحكام العرب" , وحكى فى جو اسرى ما يتعرض له من هجوم غادر وحاقد ومؤامرات دنيئه , مقررا أنه لو كانت المشكله شخصه لغادر الرئاسه ونعم بالراحه والهدوء , لكنهم يريدون تدمير الأمه العربيه وتسليمها لقوى الأستعمار العالمى والصهيونيه فريسه لينهبوها ولينهوا حلم شعبنا فى وحدته العربيه واستقلال ارادته- وأهاب بالجميع أن تكون مصر وشعبها أمانه فى أعناقهم ,وحثهم على التواصل والنضال من اجل التلاحم والأنصهار فى شعوب الأمه العربيه حتى تحقق أملها فى الوحده الشامله .خرج الحضور من المؤتمر وقد انعقدت السنتهم عن التعليق من وقع انبهارهم بعمق الشفافيه والصراحه التى بدت فى حديث القلب الذى ينبض عشقا بالوطن والشعب وبالأمه العربيه من خليجها الى محيطها والذى تجلى على لسان جمال عبد الناصر.

خاضت الرجعيه العربيه كل مؤامراتها ضد جمال عبد الناصر من اجل أنهاك قلبه وتجلى ذلك فيما قام به الملك حسين ومحاولاته المضنيه لأباده المقاومه الفلسطينيه فى أيلول الأسود , وواصل عبد الناصر الليل بالنهار من اجل المحافظه على ما تبقى من قوى المقاومه الفلسطينيه , فكان مؤتمر القمه العربيه فى القاهره, وجيىء بالملك حسين الى المؤتمر , وكان ياسر عرفات على شفا أن يقتل بالأردن لكن عبد الناصر أرسل أفراد مخابراته أخرجته من هناك مع وفد القمه العربيه , ويحكى أن الجلسه الختاميه شهدت تلاسن بين الملك حسين الذى كان يضع مسدسه بين جنباته وياسر عرفات القابع مسدسه حول خصره والعقيد معمر القذافى المرتدى زيه العسكرى دوما متدليا منه سلاحه , ووصل الأمر بين ثلاثتهم الى حد اطلاق الرصاص , وطلب الحضور من الملك فيصل أن يقوم بمحاوله نزع سلاح الاطراف , لكنه أشار الى الزعيم جمال عبد الناصر لحظه دخوله قاعه الأجتماع , صائحا " أنه ليس هناك من هو أقدر من فخامه الرئيس لفعل ذلك " نظر جمال عبد الناصر الى ملك الاردن وعرفات ومعمر بنظرات حاده على أثرها طأطأ الجميع الرؤوس , ووقع الكل على أتفاق القاهره الذى حمى المقاومه الفلسطينيه مما كان يدبر لها من أباده .
خلد جمال عبد الناصر الى النوم فى غرفه بمقر الأجتماع ,بعد أن ودع كل الحكام العرب , ولم يبق الا أمير الكويت ,ونصحه الحاضرين , بأن يودعه نائب الرئيس , الا أنه رفض وصحى من غفوته ,الى المطار مودعا أمير الكويت , وبعدها طلب أن تأتيه سيارته داخل المطار - على غير العاده - وقد لاحظ الحضور أن الرئيس تبدى عليه علامات الاعياء , كان القلب المفعم بكل الصفاء والحب والعشق للوطن والشعب ,قد أعياه التعب والهم من أفعال الصغار والعربان من حكام الرجعيه العربيه المتآمرين مع الأستعمار والصهيونيه , حاول الأطباء ضد العلم وضد ناموس الحياه , لكنهم تركوه لرفيقه عمره ودربه (السيده الجليله تحيه كاظم ), بعد أن توسلت اليهم ,ليتركوه لها بعد أن اخذوه منها طيله الحياه , وأحتضنته وحدثته مناجيه اياه , غير مدركه أنه فى رحاب الله , الا عندما آتت لنقله سياره سوداء الى مقر الرئاسه بكوبرى القبه ,ليسجى جثمانه هناك حتى ميعاد الوداع , فكانت صرخه (أم خالد )" أخذتوه منى حيا , وميتا كمان ".

أنضمت موجات الأذاعه المصريه وقنوات التليفزيون , تذيع آيات بينات من آى الذكر الحكيم ,وبدى للشعب أن حادثا جلل على الأبواب , وصار الكل يضع يده على قلبه مما يخبئه القدر , ونزل وقع الخبر كالصاعقه على شعبنا العربى , حينما أعلن نائب رئيس الجمهوريه أن مصر والأمه العربيه والأنسانيه كلها فقدت رجلا من أشجع الرجال واشرف الرجال , وأن عبد الناصر فى رحاب الله .
كانت مياه النيل هادئه وبدت للعيان أن صفحتها راكده ,وأن الخريف قد حول ماء النيل الى لوح من جليد , وبعثت نسمات الخريف الحزينه والمحمله بذرات الغبار ريحها تعبث بأوراق الأشجار والزهور على أستحياء لتقتلعها من أغصانها بعد أن ذبلت حين سمعت خبر الوفاه .
هامت جماهير الشعب على وجهها فى كل مكان وهى تتلاقى فى موجات وموجات غير مباليه الى أين المنتهى ؟ لكنها وقد علمت أن الجثمان الطاهر مسجى فى قصر القبه , فكان الهتاف حول القصر "أفتحوا لنا القبه خلينا نشوفه حبه ".
وحين سرى النبأ كالبرق فى كل أنحاء المعموره , كان نيكسون يعتلى سقينه القياده حيث يجرى الأسطول السادس الأمريكى مناوراته فى البحر المتوسط والهدف جمال عبد الناصر , وحين وصله النبأ أمر بأن تطأطأ مدافع الأسطول فوهاتها وتلغى المناورات البحريه , أحتراما لعدو , أشرف من الصديق (حسب تعبير نيكسون ).

كان يوم الخميس الفاتح من أكتوبر 1970 موعدا للوداع , صار اللحن حزينا وبدى الكل فى أنهيار , وعلى وقع النفير خرج الجثمان المسجى ملفوفا بعلم دوله الوحده من مجلس قياده الثوره بالجزيره على نيل القاهره , معلنا عن الوداع الرسمى وسط ملوك ورؤساء الدنيا كلها , وماهى الا لحظات وغدت الجنازه شعبيه بأمتياز , وصار طوفان البشر الممتد من نيل القاهره فى الجزيره حتى مسجد جمال عبد الناصر فى منشيه البكرى عبر أمتداد عشرات الكيلو مترات ,يحيط بالجثمان المسجى على عربه مدفع تطير به أكثر من عشره خيول وسط طوفان البشر وبحر من الدموع تذرفه الملايين وهى تنشد نشيد الوداع فى ترنيمه عشق الهى تجلت فى تلك الكلمات .
الوداع ياجمال .. ياحبيب الملايين .. الوداع
ثورتك .. ثوره كفاح عشتها طول السنين .. الوداع .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر