الراصد القديم

2014/10/02

"أبو علي إياد": عمروش فلسطين

 
 نبيل المقدم
 
في مرحلة البدايات، عُرف بلقب "أبو علي إياد". اسمه الحقيقي هو وليد أحمد نمر، ولد في مدينة قلقيليا في العام 1935، وهو منها. علّم في مدارسها لفترةٍ وجيزة قبل أن ينتقل إلى العراق في العام 1954، حيث شارك في دورة لإعداد المعلمين في مدينة بعقوبة. في السعودية التي عمل فيها مدرِّساً منذ العام 1954 حتى العام 1962، طُلبت منه المساهمة في إعداد برامج لتعليم الجنود السعوديين وتثقيفهم. وقد جاء انتصار الثورة الجزائرية في العام 1962 ليحدث نقلة نوعية في حياة وليد أحمد نمر، إذ قدّم استقالته من التدريس في السعودية متخلياً عن الإغراءات المادية التي قدّمت إليه مقابل بقائه فيها، وانتقل إلى بلد المليون شهيد ليساهم في حركة التعريب بعد احتلالٍ فرنسي استمر مئة وثلاثين عاماً، مارس خلالها المستعمر سياسة محو اللغة العربية من ثقافة الشعب الجزائري.
في الجزائر، تعرّف وليد النمر إلى خليل الوزير (أبو جهاد) وصبري صيدم (أبو صبري)، وبدأ معهما المشاركة في مرحلة الإعداد لإنطلاق الثورة الفلسطينية التي أعلنت عن نفسها في 1/1/ 1965.
مع بدء العمليات العسكرية ضد جنود الاحتلال في فلسطين المحتلّة، عاد أبو علي إياد الى الضفّة الغربية ليكون مساهماً رئيسياً فيها. هناك، كان لقاؤه الأول بياسر عرفات، وساهم معه في تجنيد عدد كبير من أبناء الضفّة الغربية في صفوف "حركة فتح"، وإعدادهم للقيام بعمليات عسكرية انطلاقاً من الضفّة.
لم يكتف أبو علي بأن يحصر نضاله في الإعداد للعمليات، إذ أصرَّ على المشاركة في العمليات العسكرية بنفسه، على الرغم من مطالبة قادة الثورة منه - وفي طليعتهم أبو جهاد - بالبقاء بعيداً عن خطوط النار. وقد اعتُبر الهجوم على مستعمرة "بيت يوسف" الذي قاده أبو علي إياد في 25/4/ 1966 من أعنف الهجمات التي تعرضت إسرائيل لها، فثبت في العمل العسكري المباشر.
إجازة "فتح"
بعد عملية مستعمرة "بيت يوسف"، تحوّل أبو علي إياد إلى قائدٍ ميدانيّ يحضّر لدوريات القتال والاستطلاع، يشرف بنفسه على التفاصيل، ويشارك المقاتلين ضرب الأهداف. ولعل أبرز ما قام به في تلك المرحلة هو قيادته للهجمات على مستعمرات "المنارة" و"هونين" و"كفر جلعادي". وقد دفعت انجازاته في الميدان بياسر عرفات إلى أن يطلق عليه لقب "عمروش"، نسبةً إلى "عمروش حمودة"، أحد أبطال الثورة الجزائرية. لقبٌ آخر أطلقه عليه رفاقه وكان محبباً إلى قلبه هو: "بطل الجبل".
في العام 1966، طلبت قيادة قوات "العاصفة" من أبي علي الانتقال إلى سوريا في مهمةٍ جديدة وهي الإشراف على معسكرات تدريب المقاتلين في "حركة فتح"، والإعداد لمخيمات الأشبال والزهرات. هناك، تعرّض لإصابةٍ بالغة في أثناء عمليات التدريب في معسكر "الهامة"، فقد فيها ساقه اليسرى وإحدى عينيه. كان ذلك في العام 1968.
لم تفتت الإصابة عضده، إذ تابع مهامه عبر إقامة قواعد متقدمة لمقاتلي الثورة بالقرب من الجولان المحتلّ، ينطلقون منها لتنفيذ عمليات ضد الجيش الاسرائيلي في الداخل. وقد أضاف في هذه المرحلة إلى عمله العسكري، نشاطات سياسية عدة، فكان يشارك في الوفود الفلسطينية التي زارت الدول العربية والاشتراكية، وكانت آخر زياراته مع وفد حركة "فتح" إلى الصين. يذكر هنا أن العلاقات الودية التي نسجها مع القيادة العراقية أسهمت في تسهيل إمداد الفدائيين في منطقة "الكرامة" الأردنية بالسلاح. كما أسهمت علاقاته الوطيدة بالسوريين في ظهور ما عرف بإجازة "فتح"، وهي الورقة التي كانت الدائرة العسكرية في "فتح" تصدرها لتسهيل التحرّك بين الأقطار العربية.
لم يعرف قائد من قادة الثورة الفلسطينية بالصرامة والانضباط والتواضع في آن، كما عرف بها أبو علي إياد. وقد اعتاد أن يفترش الأرض في معسكرات التدريب وينام بين المقاتلين، ويجالسهم على موائد الطعام. وتروى قصة عن انضباطه مفادها أنه أمر مرةً بمعاقبة احد المقاتلين الفلسطينيين عقاباً شديداً، ومن ثم طرده من صفوف "حركة فتح"، بسب إقدامه على بيع بندقيته. وكان منطقه في ذلك أن "من يبيع سلاحه اليوم، يبيع ثورته غداً".
من سوريا إلى الأردن
صدر قرارٌ عن اللجنة المركزية في "فتح" بوجوب توجه أبي علي إلى الأردن، وتسلّم مسؤولية المقاتلين المرابطين في منطقة "عجلون". نفذ أبو علي القرار على الرغم من عدم اقتناعه به. كان يريد أن يبقى مشرفاً على إعداد المقاتلين وتدريبهم في المعسكرات الموجودة على الأراضي السورية، وكان ذلك قبل مواجهات أيلول الشهيرة بين الثورة الفلسطينية والنظام الأردني في العام 1970.
ولكن، عند وصوله إلى الأردن، تنبّه إلى أن وجوده هناك هو فرصة ثمينة لتكثيف العمليات ضد العدو الإسرائيلي، انطلاقاً من الأراضي الأردنية، مستفيداً من العلاقات الطيبة التي نسجها مع شيوخ العشائر في تلك المنطقة، إذ رحبوا به وشجعوا شبابهم على الانضمام إلى صفوف الثورة. اشتعلت عمليات المقاومة في تلك المنطقة فردّت إسرائيل بقصف مناطق غور الأردن حيث الأراضي الزراعية التي تشكّل مورد رزق أساسي لقسم كبير من الأردنيين. أزعج ذلك السلطات الأردنية الرسمية، فأرسلت أحد ضباط مخابراتها لمقابلته، ومطالبته بوقف نشاطه العسكري ضد العدو في تلك المنطقة. كان جوابه حينها: "أنتم لا تريدوننا في الأراضي الأردنية، وأنا موافق. والحل أن تسمحوا لنا بالدخول إلى فلسطين من خلال الأغوار ونهر الأردن، وأنا سأصدر أوامري لكل الفدائيين بأن يتوجهوا إلى هناك ويتركوا الأراضي الأردنية، وبذلك ترتاحون منا تماماً".
أيلول الأسود
لاحقاً، ومع تطوّر الأمور، أمر الملك الأردني حسين جيشه بتنفيذ عملية عسكرية ضد قواعد الثورة الفلسطينية على الأراضي الأردنية، وكان ذلك في أيلول العام 1970. بنتيجتها، خرج مقاتلو الثورة الفلسطينية من الأردن واتجهوا إلى سوريا ولبنان. وحده أبو علي إياد ظل خارج هذا المشهد رفض الخروج، إذ اعتبر أن ذلك هو مقدمة لتصفية المقاومة الفلسطينية وإضعافها عبر تشتيتها. فحاصرته القوات الأردنية في منطقة عجلون مع سرية من مقاتليه.
في 27 تموز 1971، اتصل ياسر عرفات بأبي علي محاولاً إقناعه بالخروج إلى سوريا، وأعلمه بأن حشوداً عسكرية أردنية بدأت مسيرها إلى عجلون للقتال ضده وتصفية وجوده في تلك المنطقة. إلا أنه أصرّ على البقاء حيث هو، معتبراً ذلك دفاعاً عن الثورة ووجودها. المعركة التي بدأها الجيش الأردني في اليوم التالي ضد أبي علي والعناصر المرابطة معه، كانت طاحنة. البرقية الأخيرة التي وصلت منه إلى قيادة قوات "فتح"، قال فيها: "المعركة قاسية وعنيفة والقتال وجهاً لوجه، ولقد قررنا أن نموت واقفين ولن نركع".
في أثناء المواجهات، كان أبو على إياد يقاتل في منطقة جبلية عندما اصطدم بدورية للجيش الأردني. اشتبك معها حتى نفاد ذخيرته، فأحاطوا به وأخذوه أسيراً ينزف، بعدما استشهد جميع من كانوا معه. نُقل مصاباً إلى عمّان، ولم يعرف ما جرى له هناك، إذ أخفيت حتى جثته، جثته لم تظهر حتى اليوم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر