الراصد القديم

2014/10/02

اعتــرافــات .. فـقيــــــــــــر الرسالــــة الثانيـــة


محمد فؤاد المغازي

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
اللقاء الثاني معك يا والدي..في عيد الوحدة.
كل عام وأنت في جنة الخلد مقيم..حيث الصديقين والشهداء.
كان لقائي الأول بك في يوم ميلادك التسعين.
هذه هي المرة الثانية التي التقى معك فيها في عيد ميلاد الوحدة.
وميلاد الجمهورية العربية المتحدة.
ولقائنا اليوم إذا سمحت لي أن استكمل لك حدوتة من بيلا.
وكما هي العادة تبدأ الحدوتة بالصلاة والسلام ..على نبينا العربي الكريم الفقير، وعلى كل الأنبياء الفقراء الكرام.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
بعد أن فرغت من تدوين اللقاء الأول معك، وصلتني رسالة من أخي المحب الكريم الأستاذ سامي شرف وزير رئاسة شئون الجمهورية ..ثائر من ثوار يوليو، واحد ممن أحبوك، أخلصوا لمصر ولأمتهم.. وما يزال، محافظا على العهد. ودفع ثمن موقفه غاليا.

قرأ ( حدوتة من بيلا ) فبعث برسالة هذا نصها:
"أبكيتني يا رجل..ربنا يسامحك يا فؤاد يا مغازي "
والحقيقة أنا لم أقصد أن أثير أحزان عمي الغالي سامي ..ولا أحزان أحد ..صحيح أن بعدك عنا يثير فينا كل الحزن..لكن ما تعلمناه منك يثير فينا كل العزم.. ويستنهض فينا كل مفردات المقاومة.
خاصة وأن الحدوتة التي سأرويها هذه المرة فيها ما يفرحك.. كما أفرح أهلي وأفرحني يوم أن وصلتني رسالة تقول: لقد جري تعيينك في مصنع 135 للطائرات في حلوان وعليك استكمال أوراق التعيين.
ذهبت إلي حلوان..وكان تعييني في يوم 20/11/1959.
كانت حلوان لا هي بالمدينة ولا هي بالقرية.
بلدا غير آهل بالسكان فتعداد السكان قليل للغاية.
والبيوت أغلبها على شكل فيلات متباعدة.
وهناك لافتات تقول: غرفة للإيجار وشقة للإيجار.
وكان بها مدرسة ثانوية للبنات خاصة لأبناء القادرين من الأثرياء. وبها الكابورتاج وهو منتجع للمياه الكبريتية للعلاج من الروماتيزم.

ومناخها غريب لا تتساقط فيها الأمطار طوال العام إلا في النادر، وتظل الشمس رغم المطر ساطعة مبتسمة وكأنها تسخر من المطر الغير قادر على ارغامها أن تتواري خلف سحابة حتى يقال أن هناك فصل شتاء.. لكنها في الصيف شديدة الحرارة.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
عرفت فيما بعد أن حلوان كانت منتجع الشتاء لأثرياء مصر.. يلجئون إليها يستمتعون بدفء شمسها وبمياهها المعدنية التي تساعدهم على شفاء أمراضهم الجسدية..ويا ليتها شفتهم من أنانيتهم وذاتيتهم.

ويقال أن حلوان كانت في الأصل مدينة فرعونية..وأنها في مرحلة تاريخية كانت عاصمة الأمويين في مصر تحت قيادة عبد العزيز بن مروان..وأن حلوان كانت الحضن الذي استقبل ميلاد الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز.

كما ارتبط اسم حلوان بالخديوي إسماعيل باشا الذي أدخل عليها من التحسينات ما يتلاءم ويتناسب مع مقامه الرفيع، كي تكون حلوان قادرة على توفير المتعة والراحة له ولحاشيته، ولعل الخديوي إسماعيل كان يستأجر من يتثاءب له، شأنه شأن مبارك خديوي مصر الحالي المقيم في شرم الشيخ.

أما آخر الحكاوي التي قيلت عن حلوان رواها ممثل لزج أسمه حسين فهمي دخل الفن من باب أن شعره أصفر وعيونه زرق..طلعته ليس لها أي علاقة بالجنس الموجود في شمال أفريقيا..قال هذا الشخص أن حلوان نصفها كان ملكية خالصة لأسرته، وأضاف أن الملك فاروق كان يـُجـْلـِسَـهُ على حجره ويدلعه قائلا له: يا مليكي. وكان حديثه مليء بالسخرية والشماتة في ثورة يوليو..وافتخارا بالعصر المملوكي.. وماذا ننتظر من شخص يتباهى أن الملك فاروق كان يجلسه على حجره ويدلعه !!!

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
مع مشروع النهضة لثورتك تغيرت معالم حلوان كليا..تحولت أرضها الصحراوية الخراب إلي حضانة لمصانع ناشئة تنمو مع السنيين إلا أن أصبحت حلوان وضواحيها أكبر قلعة صناعية على أرض مصر.
وأنا أذكر أن من بين المصانع التي انشأت مصنع 135، مصنع 36، مصنع 45،54، مصانع النسيج والغزل، مصانع المطروقات، مصانع الحديد والصلب، مصانع الإسمنت وتوسيعها، مصانع السيارات، مصانع محركات الديزل، وتأسس بها أول معهد للتكنولوجيا تحول فيما بعد إلي كلية هندسة، وتوسع قطاع التعليم لينشأ على أرض حلوان جامعة. كما توسع فيها قطاع الإسكان التي لا تصل العين إلي مداه، وجميعها للعمال وصغار الموظفين.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
في مصنع 135 التقيت ولأول مرة في حياتي مع خبراء أجانب من المانيا والنمسا وسويسرا. فمصنع 135 أنشأ بغرض إنتاج محرك طائرة نفاثة وكنا نعرفها باسم ( هـ 300 )، اختصارا على ما اتذكر (القاهرة 300)، وكان هناك محرك نفاس صنعته مصر عرف بالمحرك (هـ 200) وهو نسخة من محرك اسباني خاص بطائرات التدريب للطيارين، أما محرك ( هـ 300 ) فهو محرك مصمم لطائرة مصرية مقاتلة سرعتها ضعف سرعة الصوت.

وأتذكر يا ولدي الحبيب ما قلته يوم أن أطـَلـَّيْـتَ علينا لتفتتح المصنع وكان من بين الكلمات التي قلتها للعاملين في المصنع: في الغالب الدول بتبعت أبنائها في بعثات للخارج علشان تتعلم، ما فعلته مصر هي أنها أتت بالمدرسة إليكم، وعليكم واجب هو أن تستوعبوا الخبرة الفنية في أقل فترة ممكنة لتقللوا مدة بقاء الخبراء الأجانب في المصنع لأنهم بيقبضوا بالعملة الصعبة ومصر في حاجة إلي العملة الصعبة.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
كان اقتحامك بنا آفاق المعرفة، واستيعاب حقائق العصر ادراكا منك أن قوي الشر المتمثلة في قوي الاستعمار والصهيونية الراغبين دوما في السيطرة ومواصلة الاستغلال سوف تحول بكل الطرق بما فيها القوة المسلحة لمنع طلاب المعرفة والنهضة من بلوغ أهدافهم.
والغريب أنه من بين المصريين قلة كانت تستكثر على بلدها أن تنهض بهذه الطفرة..فراحوا يرددون أن هذا تبذير في الأموال..ظلت تلك المقولة معزوفة جوقة حسن البنا..يرددونها دون ملل أو كلل حتى يومنا هذا.
كان المقصود من ترويج هذه الأكاذيب تعريض أمن مصر للخطر. والتشكيك في امكانية مصر في النهوض. لقد أرادوا لنا أن نبقي في دائرة الدراويش نأتمر بأوامر أفاقين جهلة حاقدين..همهم الأول والوحيد الوصول إلي السلطة..واجزم أنهم أفضل من قرأ واستوعب كتاب الأمير لميكيافللي.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
كانت رؤيتك للأشياء تتخطي رؤيتنا .. فالوعي بالأشياء في تلك المرحلة، وفي ظل مناخ اجتماعي لم نتعود عليه، جعلنا غير مهيئين أصلا أن نستوعب تلك النقلة التي لو مرت بالخيال لانبهرنا، فما بالك ونحن نلمسها بالمعايشة.

فمن رؤية المحراث، والنورج، والساقية، والشادوف، كانت جميعها أدوات الانتاج التي تعودنا على رؤيتها في الريف. وكانت معرفتنا بالحداثة والتحديث، مسألة طبيعتها ولغتها معقدة تجعلنا لا نخوض في مثل تلك المواضيع، حتى علاقتنا ومعرفتنا بالطائرات كانت علاقة سمعية لا بصرية، فعندما نسمع أصوات عالية قادمة من السماء نعرف أنها أصوات منبعثة من طائرة وكانت تلك الأصوات تحرك لدينا الفضول لرؤيتها..لكني لم أراها أبدا.
وفجأة أجد نفسي أعمل في مصنع مهمته انتاج محرك طائرة نفاثة.. نقلة نوعية بخيال قَاصِرْ تربي في أحضان واقع متخلف، ويحتاج عقله ووجدانه وخياله لوقت كي يهضم كل هذه الأشياء الذي يراها ولأول مرة.

كنا على بداية الطريق إلي المعرفة التي كانت تنمو، لكن ما كان غائبا عنا تفاصيل أسباب هذه التغيرات، فرؤيتنا للواقع الذي يتغير أمامنا بمعدلات متسارعة لا تصل بنا إلي معرفة ما وراء الأشياء، أو أبعاد ما كان مطلوبا منا تنفيذه أو استيعابه.

لم نكن نعي بداية أن مصر عليها أن تعوض ما فاتها وبأسرع ما يمكن، فالمتربصين بها على استعداد للانقضاض في أي لحظة..لهذا لم يكن أمام الثورة غير أن تتجه بأبناء مصر إلي آفاق المعرفة وتطبيقاتها.

كانت الاستجابة لنداءاتك ولكل ما تحرضنا عليه أساسها الثقة فيك والمحبة كل المحبة لك..لم نتوقف لنقول قبل أن نبدأ معك مشوار النهضة أن علينا أولا معرفة أيهما خلق أولا البيضة أم الفرخة كما كان يفعل رواد قهوة النشاط والسفسطائيون من المتعلمين.

لكن مع الأيام ومع تعدد اللقاءات بحبيب الملايين..اللقاءات التي كانت تمثل لنا أمرين المعرفة والفرحة. وأعتقد يا والدي الحبيب أن هناك علاقة بين المعرفة والفرحة..فبلقائك يتجمع ويجتمع الاثنان ويظهر التأثير المتبادل بينهما وينعكس في سرعة ما كنا نتعلمه منك..ومع مرور الأيام كانت المعرفة في حالة تراكم، والوعي هو الآخر في حالة تراكم ونضوج..فما كنا نتعلمه وتشرحه لنا بدون تعقيدات رغم أنها مواضيع تتعلق بفروع علوم مختلفة.

فمثلا تلقينا دروس في علم السياسية بدون أن نبدأ قراءة الجمهورية لأفلاطون، أو نعرف شيئا عن القسمة المنطقية ودورها في تقسيمات نظم الحكم لأرسطو. كنا نتعلم منك علم المالية عندما تبدأ في شرح الموازنة العامة (الموارد، والإنفاق)..ونتعلم دروس في العلاقات الدولية ..ودروس في التاريخ العربي والإنساني. وأنا اتحدي أي مؤرخ أن يأتي بنموذج سبق جمال عبد الناصر في النهوض بالثقافة والفنون بمثل ما تحقق في عصر جمال عبد الناصر.

كانت جميع الدروس التي نتلقاها منك تتجه بنا إلي وجهة واحدة حيث الهدف النهضة النهضة..وأمن النهضة..فلا نهضة بغير أمن، ولا حرية لقرار بغير النهضة. بمعنى لا نهضة بغير أمن يحميها، ولا أمن بغير نهضة توفر تكاليفه.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر
بدأنا نتعلم عن الصناعة ودورها في النهوض. فلقد ورثنا مقولة البريطانيين أن مصر بلد لا يصلح لغير الزراعة. جئت أنت يا والدي الحبيب لتحدثنا عن التقسيم التسلسلي للصناعات صناعات بسيطة، وصناعات متوسطة، وصناعات ثقيلة. حتى الريف شمله التصنيع فتشكلت مؤسسة تهتم بصناعات قائمة على الانتاج الزراعي.
لكن المهم هو أن تنشأ مصر أم الصناعات وهي الصناعات الثقيلة..صحيح أن مصر تبدأ خطوات النهضة في كل القطاعات تقريبا من الصفر..وكان على جيل الثورة.. هذا الجيل الذي قلت عنه أنه جيل جاء في موعده مع القدر..أن ينجز بناء الصناعات الثقيلة فكان الاهتمام ببناء مصانع الحديد والصلب.

كانت النهضة والأمن معا يمثلهما كنموذج في رأي ولدك فؤاد مصنع 36 إنه نموذج يوفر الانتاج المدني (الثلاجات، البوتاجازات، المراوح الهوائية..ويصنع الطائرة) صورة رمزية للإنتاج وصورة رمزية لأمن الانتاج.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
كانت اهتماماتك الأساسية أولا وأخيرا منصبة على بناء الإنسان لأنه العنصر الأساسي لبناء النهضة فبدونه يستحيل تحقيق أي تقدم، ولمن يكون أصلا مطلب التقدم إذا لم يكن في خدمة الانسان؟

كان البناء يجري على قدم وساق..توفير رغيف الخبز..يقود إلي استقرار اجتماعي، والاستقرار الاجتماعي..يوفر الثقة بالنفس، والثقة بالنفس تصل بصاحبها إلي الإرادة الحرة، والإرادة الحرة تصل بالفرد إلي امتلاكه لقراره..اليس هذا هو مضمون الحرية ومعناها الذي تعلمناه من الريس؟

لم يكن هذا يعجب النخب الطفيلية والمتاجرين بالدين وبالسياسة. لم يعجبهم أن تسترد مصر حريتها، وأن يتوفر لأبنائها فرصة الخروج للحياة..للعالم يشاركون بجهدهم وإبداعاتهم جهود الآخرين..يشتركـون
مع قوي الخير في العالم في تأسيس نظام عالمي يتعايش فيه الجميع بسلام..ينبذون الحرب، وينبذون الاستغلال..ليفسحوا الطريق أمام تعاون بين الشعوب قائم على قواعد العدل كما كنت تقول وتنادي.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
كان البناء معك وبك يا والدي الغالي يعلوا مع كل يوم، وفرحتنا بك وبتقدم مصر نحو المكان الطبيعي الذي يليق بها بين الأمم، وفي رعاية مستقبل واعد ومبشر بالخير لأبنائها.


كانت الأفراح والسعادة ترافق البناء الحديث وتتغني بأناشيده، (على راس بستان الاشتراكية، وقولنا حنبي السد العالي، وصورة، وحكاية شعب، دقت ساعة العمل الثورة، وثوار، وعلى باب مصر...) وكنا ونحن صغار على أول الطريق تجسدت مصر في مخيلتنا بأنها المقصودة بالحب كل الحب، وأن حب مصر قد أنضج وعينا وسلوكنا فتوارى وَقَّصَرَ زمن المراهقة ... لم ننشغل بغير حب مصر، وهل هناك من هو أجمل من طلعتها، وهل هناك من يستحق أن يتجمع له كل الحب غير المحروسة وغير العروبة. كنا في عرس بينما أعدائنا في مأتم.


كانت جبهة أعداء مصر أو أعداؤك -لا فرق- منهمكة بالتحضير والاستعدادات للعدوان على مصر الثورة، مصر أم جمال، أبو خالد وأبو فؤاد وأبو مصطفي وأبو حَناَّ، كان حزب عصبة الأشرار معروف لنا جميعا إسرائيل ومن ورائها الغرب أو الغرب ومن ورائه إسرائيل يستعدون لضرب مشروع النهضة الناصري..وقوى التبعية في الداخل توزع أزيز الأفاعي وسمومها..وتعوي عواء الضباع الجائعة.. بغرض خلق حالة من التشكيك والارتباك.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
كانت الضجة من حولك وحولنا لا تصل في نتائجها بأبعد من إقناعنا أنك تسلك بنا الطريق الصحيح. وأتذكر يا والدي أنك قلت لنا أنه إذا لم تسمع عويل الذئاب والكلاب المسعورة وَسِبَابْ الكارهين لمصر ولك كل يوم..كانت تساورك الشكوك بأن هناك خطأ ما..كان قياس ردود أفعال أعداء مصر وأعداء أمتها يمثلون لنا ولك بارومتر اختبار لما يجري على أرضنا.

ولتسمح لي يا والدي الحبيب أننا بعد ثورة يوليو تجرئنا وأصبحنا نقولها بفخر واعتزاز (أرضنا) فقبل ثورة يوليو كنا نمشي على أرض مصر هذا صحيح..لكنها بكل المقاييس لم تكن ملكا لنا..مسموح لنا أن نمشي عليها..لا أن نتملكها. حتى لو تجرءنا ونطقنا هذه أرضي أنا نكون كمن يكذب على نفسه.

لكن جاء اليوم الذي أصبح في مقدور أبناء مصر وهم فقرائها أن يقولوها .. وقالوها في يوم الوغى مع عدوان 1956 رددناها مع فايدة كامل هذه أرضي..أنا .. وأبي قال لنا مزقوا أعدائنا..وبالتأكيد كنت أنت (الأب) الرمز المتواري خلف وجدان شعب رفع رأسه لأول مرة متطلعا للسماء بغير مذلة ... شاكرا ربه.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
عندما بدأت مصر بالفعل تضع أقدامها على الطريق الصحيح..تأكد لنا من خلال ردود أفعال قوي الشر أن ما يفعله جمال عبد الناصر ويستجيب له الشعب العربي يهدد بنسف مصالح قوي الاستعمار وأتباعهم من الخونة المصريين.
كانوا يدركون أن استمرار مصر في نهجها التحرري لن يقتصر عليها، بل سيتخطى حدودها إلي حدود الإقليم الذي تنتمي إليه وينتمى لها..ومن حدود الإقليم إلي حدود العالم الثالث وستتحول إلي دولة ريادة. إذن فماذا سيتبقى لتجار الحروب في الخارج، والعاطلين بالوراثة في الداخل؟

نعم تحولت مصر عبد الناصر إلي دولة نموذج أمام عالم المستضعفين حطمت جدار الخوف لتستبدله ببناء جدار الجسارة..لها ولمن حولها..وكان تصنيع محرك الطائرة (هـ 300) يمثل أحد صخور هذا الجدار في أمن مصر..قد تكون البداية متواضعة..واقسم واقسم واقسم انها لم تكن بداية متواضعة ولكنها كانت طفرة..وأن ما كان يتملكه مصنع 135 من آلات حديثة يتوازى مع ما تملكه أحدث المصانع في الغرب..لم يكن أحد يصدقنا ونحن نذكر لهم هذا.

أثار الاتجاه نحو بلوغ النهضة..ذئاب العالم المتحضر..لأنهم يدركون أن البدء بتصنيع السلاح بقرار وبأيدي عربية يعني أول ما يعني وصول العرب إلي المعرفة المتعلقة بأسرار السلاح والقدرة على انتاجه.

والتجربة خير شاهد ودليل سواء في الغرب أو في إسرائيل. فلم يبدأ الأمريكيون انتاجهم بطائرة الفانتوم وإنما بطائرة متواضعة..لكن الأهم من بناء الطائرة كان القرار الاستراتيجي باقتحام الفضاء..فمن يمتلك الفضاء ويمتلك السيطرة عليه..يمتلك تأمين الأمن الوطني.

جن جنون الصهيونية على ما يجري في مصانع الطائرات والصواريخ، وكانت الهند تشارك مصر في صنع جسد الطائرة المقاتلة.
بالمناسبة يا والدي الحبيب كان طيار الاختبار للطائرة من الهند، وفي كل مرة كان يصعد فيها لاختبار المحركات كانوا يضعون تحت عجلات المقدمة للطائرة (ليمنوه)، تدوسها عجلات الطائرة لتبعد عيون الحاسدين وتحميها، وعلى ما يبدو كان أصدقاء مصر من الهنود يؤمنون بالحسد. رغم أن الطائرة (هــ 300) التي تتحرك على الأرض وتحلق في آفاق السماء تمثل قمة التطور التكنولوجي. لا بأس.

بدأت إسرائيل بإرسال الغام مفخخة على شكل طرود بريدية بغرض قتل الخبراء الألمان وإثارة الذعر بينهم..وكانت هذه هي المرة الأولي الذي يسجل فيها التاريخ بداية الإرهاب عن طريق ارسال طرود بريدية كان الصهاينة هم أول من استخدم هذه الوسيلة..الارهاب عن بعد.
ثم استكملت الصهيونية الخطوة الثانية بتكثيف الضغوط على الحكومة الألمانية التي أصدرت قانونا يسقط الجنسية الألمانية عن الألمان العاملين في مصنع 135، وعلى الألمان العاملين في مصنع 333 الخاص بصناعة الصواريخ في حالة بقائهم في مصر ومنعهم من العودة لألمانيا.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
أنا اكتب ما عايشته واقعا..كي تقرأه الناس خاصة الأجيال الجديدة، ليتعرفوا على مشروع النهضة الذي أنجزته ثورة يوليو وذلك من خلال قراءة تاريخ مدينة أسمها حلوان..ويتأكد لتلك الأجيال أنه في مقدورهم أن يستعيدوا مشروع النهضة..فالنهضة والثورة يمكن استعادتهم عندما تتوفر الإرادة الثورية فعلا.

وعندما أحكي قصة مدينة حلوان فهذا ليس حديثا للتسلية، ولا هو تطفل مني على وقت القارئ..ما قصدته تحديدا أن قراءة تاريخ أي مدينة يعني إما أن يكون الحديث عن ماض أو يكون الحديث عن تاريخ والفارق بينهما كبير. فماضي مدينة حلوان الذي سجل بأنها كانت مدينة فرعونية، أو انها كانت عاصمة للأمويين، أو أنها كانت مكان يتثاءب فيه الخديوي إسماعيل ومعه أثرياء مصر ومنهم أسرة هذا الممثل الأراجوز التافه أبو عيون زرقة وشعر أصفر واللي كان الملك فاروق بيقعدوا على حجره..كل هذا إلي زوال ... ماضي تجمد وتحجر، لأنه بلا فعل ولا روح، وأخبار ضمها أوراق كتاب يوضع على الرف..أوحكاوي لذكريات، أو موضوع يتندر ويتفاخر به هذا المتمثل المعتوه والتافه.

أما التاريخ الحي هو ما صنعه بناة مصر من العمال والمهندسين تحت قيادتك ظل قائما يحكي تاريخا ترصده حركة التطور ومن يزور مدينة حلوان لن يحتاج لمرشد سياحي..سيتلمس التغييرات التي جرت على ارضها وما زالت تعيش مع الناس وهذا هو التاريخ الحي لم يتجمد ولم يتحجر، جريان نهر الحياة مسارها يتدفق ولا يتوقف..حتى ولو كره الكارهون.

والتغييرات التي لحقت بحلوان..هي تمثل سند وثائقي ومصدر معلوماتي لأي باحث يجري توظيفها في رصد التغييرات التي شملت شرائح اجتماعية مختلفة..فعلي سبيل المثال فإن مدينة حلوان شهدت تغيير اجتماعي لشريحتين من الشرائح الاجتماعية الموجودة في مصر، شريحة الأثرياء وأغلبهم من كبار ملاك الأراضي الزراعيين، وشريحة اجتماعية نامية هم العمال.

على أرض حلوان جري صراع انتهي بصعود اجتماعي لطبقة العمال، وجري أفول اجتماعي (ولا أقول زوال) لطبقة الأثرياء. جاءت الطبقة العاملة الصاعدة والمنتجة لتطرد الطبقة الناعسة الطفيلية الغير منتجة من مدينة حلوان..طاردتهم. لم تعد تقبل على أرضها أثرياء يتثاءبون كسلا ..فلا مكان في حلوان لغير عامل منتج. تحولت مدينة حلوان من مدينة للنعاس إلي مدينة نشطة بحركة الإنتاج.


والدي الحبيب جمال عبد الناصر
ما أردت التأكيد عليه هو أن قراءة تاريخ أي مدينة..هي قراءة حقيقية للتاريخ..وحدوتة حلوان سبقتها حواديت كثيرة..على سبيل المثال حدوتة مدينة المحلة الكبرى ومصانع الغزل والنسيج التي أنشئها بنك مصر تحت قيادة طلعت حرب الذي أُفْرِدْ له مكانة خاصة عندي، لا يرتقي إليها الزعماء السياسيين..وكيف فتحت مصانع الغزل والنسيج أبواب الرزق أمام آلاف الأسر المصرية..رحل عنا طلعت حرب لكن أثره الوطني ما زال حيا بيننا..وهذا مثال آخر وفارق آخر بين الماضي المسجل على ورق ويوضع على رف..وبين التاريخ الذي يعيشه الناس كل لحظة.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
هذا الحراك الاجتماعي الذي عاشته مصر..نشأ عنه وعلى المستوي الانساني موقفين..موقف الطبقة الاجتماعية الـْمُـسْتـَغـِلـِّة التي تنتج بأيدي غيرها، وتحصل وحدها على كامل عائد الانتاج. والتي فاجئها جمال عبد الناصر ومعه ثوار يوليو يقلمون أظافرهم، يهدمون سطوتهم ..طبقة اجتماعية عاشت تأكل المال الحرام والجهد الحرام ولن يعفيهم أمام الخالق ما اقترفوه من ذنوب..حتى لو كانوا أبناء باشوات..وحتى لو كانوا يصلون خمسا..هؤلاء كرهوك..بمعنى أنهم كرهوا مصر.


أما الموقف الثاني تمثل في مجتمع الفقراء وهم يمثلون الأغلبية من شعب مصر الفلاحين والعمال والمثقفين، والحرفيين وصغار الموظفين ولا أقول المتعلمين.. أعطوك من حبهم، ومن ثقتهم، ومن احترامهم، ما لم يعطوه لإنسان ولد على أرض مصر.


ومصر أم الدنيا هي التي لقبتك (بالريس)..اسما لم تمنحه لأحد من قبلك ..واستغرب عندما يتطفل الصعاليك مقلدين.


واختبرت يا والدي الحبيب حبها لك، وخوفها وهلعها عليك، يوم أن حاول القتلة تجار الدين من جوقة حسن البنا أن يغتالوك في الإسكندرية ..هؤلاء الآن يمدون أيديهم للأمريكان قتلة العراقيين.. وقتلة كل انسان حر على وجه الأرض.. هؤلاء التلموديون طلاب السلطة وبأي ثمن.. سوف يظلوا يكرهوك..ولهذا لا أمان معهم ولا سلام. ومن تصالح معهم تخاصم معنا.

واختبرت ثقتها بك وحبها لك..يوم أن اصطفت مصر من خلفك رجل واحد لرد العدواني الثلاثي في عام 1956..تردد تكبيرة الأزهر الشريف، فكبرت معك..الله أكبر فوق كيد المعتدي.

واختبرت حبها لك وثقتها بغير حدود..يوم أن أحاطت بك كتل الملايين يمنعون عنك أذي أعدائك بعد عدوان 5 يونيو 1967. فلأول مرة إن لم يكن في التاريخ العام لكل شعوب الأرض، فعلي الأقل فلأول مرة على أرض مصر يصدر الشعب العربي في مصر نيابة عن أبناء أمته.. بإجراء استفتاء فوري بدون مراسيم يقول فيه..أنا الشعب العربي أرفض استقالة ولدي وبطلي وأمام كل العالم أعيد انتخاب جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية العربية المتحدة.

لم يكن هناك مجال أن يقال أن كل هذا جري بالتزوير، أو أن يقال كما تقول أفاعي جوقة حسن البنا أن هذا كان من تدبير أجهزة السلطة.. عدسات التاريخ كانت ترصد وتسجل وهي لا تعرف التحيز، كانت ترصد واقع يؤكد على أن جمال عبد الناصر أصبح جزء طبيعي في كيان ووجدان كل عربي شريف.

حقيقة تبصق في وجه كل من كَـذَّبَ الحقيقة..وتظهر ضعفهم وأنهم لم يقدروا ان يتحملوا رؤية الحقيقة تـُخـْتـَبـَرُ في أعقد وأصعب المواقف..فراحوا كعادتهم..عادة الدجالين كتبة الأحجبة وإصدار الفتاوي الباطلة إلي حيلتهم الدنيئة يمارسون الكذب..يُكَـذِّبٌونَ كل شيء له صلة بجمال عبد الناصر.

لم يتحمل كارهوك أن يروا بعيون الحقيقة تأييد أمة لرجل لبطل هو من نسيجها الحي...فمن كان في شوارع مصر يومها كان هو شعبها الذي أحبك..جددوا لك البيعة وطالبوك أن تبقي حيث كنت قائدا ورئيسا..شعبا عربيا أدرك بالوعي الصادق أن من حاول أن يصيبك بالأذى..إنما قصد مصر وقصد أمتها بالأذي.

والدي الحبيب جمال عبد الناصر...
وأخيرا يا والدي في هذه المرة لم تختبر أنت حب مصر وأمتك...
لأنها كانت المرة الأولي التي تختبر فيها الأمة العربية نفسها بنفسها فتأكدت من حبها لك وثقتها في الراحل العظيم.
حولت وداعك الأخير إلي وداع أسطوري لم يشهده التاريخ البشري لأحد من قبلك.
ولم تكن الملايين التي خرجت في وداعك تملأ شوارع مصر مدنها ونجوعها بالدموع.
كان ما يجري في مصر من مراسيم للوداع الاسطوري هو صورة تكررت في مدن وشوارع ونجوع لبنان والعراق وسوريا وفلسطين والجزائر واليمن وكل ركن من أركان الأمة التي استعادت حريتها وكبريائها مع أبو خالد.
يعتصرها الحزن..نعم فنحن بشر.
تجري دموعها أنهارا..نعم فنحن بشر.
لكنها بعد ان جففت دمعها عادت لترفع شعارك " أن ما أخذ بالقوة..لا يسترد بغير القوة " فأنجزت حرب اكتوبر عام 1973..لتهدي نصرها لذاتها ولروحك الطاهرة. حتى وإن بدى سطو خائن على جهد ودماء أبناء مصر وسوريا وفلسطين.
أودعك والدي الحبيب جمال واستسمحك في تواصل معك..حتى أسعد بلقائك. فالمرء يحشر مع من أحب.

ابنك المحب

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر