الراصد القديم

2014/11/01

كيف تعامل السادات مع القضية الوطنية والقومية؟


د. محمد فؤاد المغازي

كان إدراك السادات أنه لن يجد من يتفق معه من المستشارين الوطنيين، حول المنهج الذي يتعامل به مع القضية الوطنية، ولا على موضوع التسليم بشروط إسرائيل والغرب الاستعماري، وقد فضحه حديثه مع هنري كسينجر وكتب عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل، حول تسمية المبادرات والمقترحات المتعلقة بتصفية القضية القومية عامة. وطلب أن تكون باسمه الشخصي، فلا تنسب إلى مصادرها الأمريكية أو الاسرائيلية.

يضاف إلي ذلك موقف القيادات الناصرية التي كانت على خلاف كامل معه من حيث المنهج والموضوع المتعلق بالقضية الوطنية والصراع العربي / الإسرائيلي. لهذا انعدمت الثقة بينه وبين أركان نظامه من المصريين. وهذا رصد لحالة انعدام الثقة بين خائن وبين وطن.

استبعاد وزارة الخارجيـة

ومع أن السادات كانت لديه القناة السعودية _ لاتصالاته بالأمريكان _ فإنه بدأ يشعر بحاجته إلي قناة مستقلة تنقل ما يريده سرا إلي واشنطن. ومع قرب نهاية 1971 أصبح للسادات قناة اتصال سرية خاصة تولاها الفريق أحمد إسماعيل مدير المخابرات وبين يوجين ترون ممثل المخابرات الأمريكية. الأمر الذي أنهي عمليا أي دور لوزير الخارجية المصري محمود رياض وخبراء وزارته في إدارة شؤون مصر الخارجية، بل أكثر من هذا فقد تعطل دور وزير الخارجية الأمريكي وليم روجرز في التعامل مع مشكلة الشرق الأوسط، عندما تولي أمرها هنري كيسنجر. ()

ولقد لاحظ من تعاملوا مع السادات بصورة مباشرة _ ومن بينهم الرئيس الأمريكي جيمى كارتر _ ظاهرة انعدام الثقة بينه وبين مساعديه من المصريين المرافقين له في الوفد التفاوضي في كامب ديفيد.

فكتب الرئيس كارتر في مذكراته (الحفاظ على الأيمان) التي نشرت في نوفمبر سنة 1982 بعد سنة من مقتل السادات:" لاحظت في كامب ديفيد أن السادات يريد أن يتخذ قرارات مصر بنفسه ولم يكن يحب وجود أحد من مساعديه معنا. وكان يبدو بشكل أو آخر غير مستريح إذا كانوا قريبين منا. كان السادات يقضى وقتا قليلا مع مساعديه، على العكس من ذلك كان بيجين. "...كنا نعد أي صيغة نراها معقولة، ثم كنت أخذها للسادات الذي كان يلقى عليها نظرة سريعة ويوافق عليها بسرعة وأحيانا يدخل عليها تعديلات طفيفة. ثم كنت أؤخذ نفس هذه الصيغة إلى بيجين، وإذا بنا نقضي ساعات وأحيانا أياما يشترك فيها الوفد الإسرائيلي كله." ()

تأتي رواية وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم الذي رافق السادات في مفاوضاته في كامب ديفيد لتؤكد علي صحة ما ورد في مذكرات الرئيس جيمي كارتر، وكيف كان السادات يتخذ القرار السياسي بصورة انفرادية جعلت وزير الخارجية محمد إبراهيم يقول أن:"...المشكلة الأولي بالنسبة لي _ محمد إبراهيم كامل _ أصبحت تصرفات السادات العفوية والمرتجلة والتي يفاجئنا بها دون سابق إنذار والتي تشكل خروجا وانحرافا عن الخط السياسي والتكتيكي الذي نتبعه. وغالبا ما ينتهي ذلك إلي أوضاع تسئ إلي موقفنا مما يتطلب منا مجهودا إضافيا لإصلاحه. وقلت: ألا يري أسلوب الجانب الآخر؟ وأن مناحيم بيجين لا يقدم على خطوة قبل أن يقتلها بحثا مع مجلس وزرائه. وأضفت أني أصبحت في حيرة من أمره وأجد صعوبة كبيرة في العمل معه." ()

هذا النهج الذي فرضه السادات في طريقة تعامله مع القضايا المصيرية لمنطقة بأكملها، قد دفع بمحمد إبراهيم أن ينظر إلي رئيسه نظرة ريبة وشك، فلم يعد يصدق أن كل ما يقوله السادات يمثل الحقيقة. ويفسر ذلك بقوله:"...لا شك أن إسرائيل كانت قد تجمعت لديها دراسة تحليلية كاملة لشخصية السادات وسيكولوجيته شارك في تكوينها ما زودها به هنري كيسنجر منذ مفاوضاته المكوكية في سنتي 1974 و1975، ودراستها لتصريحات السادات وأحاديثه وتصرفاته وما كان ينقله إليها عزرا وايزمان من خلال اجتماعاته المنفردة وأحاديثه المطولة مع السادات إلي غير ذلك من المصادر." ()

ويصف وزير الخارجية المصري كيف كان يسمع لأول مرة عن تنازلات قدمها السادات لإسرائيل دون استشارته، أو الحوار معه بشأنها، مبررا ذلك بقوله أنه يقدم هذه التنازلات من أجل الولايات المتحدة والرئيس كارتر شخصيا. وكيف تراجع السادات عن موقفه بقطع مفاوضات كامب ديفيد والعودة إلي مصر، بعد أن أبعدنا (أعضاء الوفد المصري) وأنفرد به الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

بعدها أبلغ السادات أعضاء الوفد المصري بأنه سيوقع علي أي شيء يقترحه الرئيس الأمريكي كارتر دون أن أقرأه، وعندما سأله محمد إبراهيم وزير الخارجية لماذا توقع عليه دون أن تقرأه؟ إذا أعجبنا فعلنا وإلا فلا نوقع. صاح السادات بل سأوقع عليه دون أن أقرأه.

انتهي محمد إبراهيم كامل ومن خلال تجربة كامب ديفيد بأنه:" لم أعد أفهم شيئا مما يدور في عقله أو من تصرفاته وتقلباته غير المتوقعة، وقلت لنفسي بأن مثل هذا الشخص لو كان رب عائلة صغيرة لسارعت بالحجر عليه، فما البال وهو رئيس مصر يتحكم في مصائر أربعين مليونا من البشر. هل هو بهذه البلاهة أم هل أصابه الجنون، ولماذا يتحول إلي عبد ذليل في حضرة كارتر يتلقى تعليماته كأنه موظف عنده. لماذا؟ " ()

حول نقد المنهج التفاوضي السادات ورد في شهادة أحمد بهاء الدين ما يؤكد على غياب الثقة بين السادات ومعاونيه في وزارة الخارجية:" ففي المراحل السابقة من الاتصالات بيننا وبين إسرائيل، عن طريق الأمريكان. تمكن كارتر من تجاوز كثير من العقبات التي كانوا يقيمونها. وفي إحدى مقابلاته مع السادات قال له كارتر: أن إسرائيل تكرر حجة ليس لدي أي رد عليها.


إنهم ما زالوا غاضبين بشدة لأنك ترفض لقاء علنيا مباشرا ورسميا بين الجانب المصري والجانب الإسرائيلي. أنهم يكررون أن رفض مصر هذا اللقاء المباشر العلني أمام العالم كله، وأمام الرأي العام المصري والعربي، معناه أن مصر ليست جادة في التوصل إلي سلام حقيقي، وأنها تريد أرضها بدون مقابل. وإلا فما الذي يجعل مصر تصمم على الاتصالات السرية أو على المناقشة عن طريق طرف ثالث؟ وأنا أدرك الصعوبات التي تواجهك لكي تقدم على هذه الخطوة، وحساباتك لردود فعل الرأي العام.

وفي النهاية سأل كارتر السادات: إذا تغلبنا على كل العقبات واطمأنت نفسي إلي أن إسرائيل مستعدة لأن تستجيب لكل الطلبات التي تراها ضرورية، فهل أنت مستعد في هذه الحالة لأن تقدم على هذه الخطوة التي لا مفر منها، وأن يتم لقاء رسمي وعلني على مستوي سفراء أو وزراء أو رؤساء وزارة، وجها لوجه؟

وأجاب السادات: نعم. وفي هذه الحالة أنا مستعد لذلك!!

بعدها فتح السادات الورقة المطوية التي كانت في يده، وقال لي: هذا خطاب شخصي جدا لم يطلع عليه مخلوق. بخط جيمي كارتر. أنه يقول لي فيه أنه يعتقد أن الجانب الإسرائيلي وصل إلي ما نريد، وأنه آن الأوان لأن أنفذ وعدي السابق له بأن اقترح طريقة للقاء رسمي مباشر على مستوي عال بين مصر وإسرائيل…ولم يعطيني السادات، الخطاب لكي أقرأه، ولكنه أخذ يطويه عدة طيات حتى أبقي منه سطرا واحدا في آخر الخطاب يمكن قراءته. وقال لي: أقرأ هذه الجملة ! قرأت سطرا بخط جيمي كارتر هو آخر سطر قبل توقيعه يناشد السادات أن يلبي ما قاله لي مستخدما عبارة "I PLEAD TO YOU MR. PRESIDENT .." وترجمتها للعربية تعني " أرجوك يا سيادة الرئيس " أو " أنني أناشدك "أو" أنني أستعطفك".

وأخذ مني السادات الخطاب وطواه وأعاده إلي جيبه. وقال لي..أرأيت ! الرئيس الأمريكي يناشدني ويستعطفني " انه يعرف مدي شعبيتي في أمريكا! ولعلك قرأت في الصحف الأمريكية أنني لو رشحت نفسي للانتخابات في أمريكا لنجحت في الانتخابات!!!

استنتج أحمد بهاء الدين من لقاء السادات: "... شعرت أن السادات قد أصبح فعلا فوق سحابة عالية من الأحلام لا يمكن إنزاله منها، وأن الإعلام الإسرائيلي والأمريكي والغربي الهائل قد أثروا فيه بأكثر من كل تصوراتي، ولا أنسي هنا أن أروي واقعة تكشف لنا عن الطريقة التي كانوا يعزفون بها على الأوتار التي تؤثر في السادات أن درسوا شخصيته بدقة…والمدى الذي ذهب إليه الإسرائيليين باللعب على عواطفه …فقد جاء في مذكرات الكثيرين من الجانب الأمريكي مثل كارتر وفانس ومن المصريين، الدهشة من أن السادات كان يتساهل أحيانا أثناء مفاوضات كامب ديفيد في بعض الأمور أكثر مما كان يتساهل جيمي كارتر، مما كان يثير دهشة هذا الأخير." ()

لقد ظل من أهم أهداف إسرائيل هو انتزاع الاعتراف بها من قبل أكبر دولة عربية هي مصر. لذا فإن محاولات إسرائيل تحقيقا لهدفها لم تتوقف. فقد سعت إلي الاتصال بالساسة المصريين قبل قيام ثورة 23 يوليو وبعدها. فقد سبق لإسرائيل أن حاولت الاتصال بشخصيات مصرية مثل حسين سري باشا، وأحمد عبود باشا المالي الكبير، وإسماعيل شيرين مستشار الملك فاروق، وبساسة مقربين من حزب الوفد أمثال محمود أبو الفتح صاحب جريدة المصري. ()


وعندما استولت الثورة المضادة على مقاليد السلطة سلمت بشروط التحالف الأمريكي/ الإسرائيلي / الأوروبي/ وفي المؤخرة تأتي أسرة آل سعود.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر