الراصد القديم

2014/11/01

الأساتذة فليفل وأناشيدهم أناشيد الأصالة ولبنان والعروبة




حسان حلاق

شهد قصر الأونيسكو في بيروت المحروسة منذ عدة أيام، حفلاً تكريمياً للأخوين الأستاذين محمد وأحمد فليفل برعاية وزير الثقافة الأستاذ ريمون عريجي وبحضور رسمي كثيف وآل فليفل والأصدقاء والأحباء، وبمشاركة بلدية بيروت والمعهد الوطني العالي للموسيقى (الكونسرفتوار) وموسيقى الجيش اللبناني، وجمعية «عِرب» ونقابة الموسيقيين المحترفين، ومؤسسات المجتمع المدني والأهلي من مدارس وثانويات وجامعات وجمعيات وروابط وشخصيات فنية ومسرحية واجتماعية وثقافية واقتصادية وتربوية سواء من بيروت أو من مختلف المناطق، وبمشاركة أوركسترا مؤلفة من أربعين عازفاً بقيادة المايسترو المتميز العميد جورج حرّو.
ومنذ زمن بعيد لم نر قاعة قصر الأونيسكو مليئة بهذا الحشد الوطني الكبير من جميع الفئات والتيارات والمناطق، حتى إن الجميع بدأ يتساءل: ما سر هذا الازدحام، وهذا التهافت للمشاركة في الحفل التكريمي للأخوين فليفل.
لقد تبين للجميع، بأن جميع البيارتة واللبنانيين والعرب قد اشتاقوا لبيروت الأصالة، لبيروت الحقيقة، لبيروت العيش المشترك، لبيروت التراث والثقافة، بيروت الوطن، بيروت التي كانت – وما تزال – تمثل لبنان ودنيا العرب. لقد رأى الجميع في حفل تكريم الأخوين فليفل جميع هذه القيم والمثل العليا والأصالة، وقد كان هذا التكريم المقدمة الأساسية للعودة إلى تعميق تلك القيم، والتي تضمنت جميعها في كتاب تكريمي للأخوين فليفل للباحث محمد كريّم وللعميد جورج حرّو بعنوان «اللحن الثائر». مع أقراص مدمجة تتضمن أناشيدهما.
لقد آمن الأخوان فليفل بلبنان والعروبة، ولحنا وأنشدا أن «لا دين يفرقنا».
ومن (نظم فخري البارودي) لحن الأخوين فليفل.
بلادُ العربِ أوطاني
من الشامِ لبغدانِ
ومن نجد إلى يمن
إلى مصرَ فتطوانِ
فلا حدٌ يُباعدُنا
ولا دينٌ يفرِّقُنا
لسان الضادِ يجمعُنا
بغسانٍ وعدنانِ
* **
لقد آمن محمد فليفل (1899-1986) وشقيقه أحمد فليفل (1903-1995) بالعروبة في ظل الحكم العثماني، لا سيما وأن جماعة الاتحاد والترقي الذين خلعوا السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش عام 1909، كانوا قد تعصبوا لكل ما هو تركي، وضد كل ما هو عربي. لذلك، فقد عمل كل من الشقيقين على بث الروح الوطنية والقومية العربية في العهدين العثماني والفرنسي والاستقلالي، وكان لهما أثر واضح في بث هذه الروح ليس في لبنان فحسب، وإِنما في سائر أنحاء العالم العربي. لذا، لا نبالغ إذا أشرنا إلى أن الأستاذين الكريمين، وبما أعطاهما الله من مثابرة واندفاع وروح وطنية وقومية قد استطاعا تلحين ما يقارب من ألف قصيدة في موضوعات متنوعة لأدباء وشعراء من لبنان والعالم العربي، من بين هؤلاء الأدباء والشعراء: مختار التنير، الأخطل الصغير (بشارة الخوري) عمر حمد، عمر فروخ، فخري البارودي، جورج غريب، إبراهيم طوقان، محمد يوسف حمود، شبلي الملاط، عمر أبو ريشة، نسيم نصر، سعيد عقل، عبد الرحمن قليلات، عبد الحليم الحجار، والشاعر المصري عبد الحليم زيدان، وسواهم الكثير.
ومنذ بداية عهد الانتداب الفرنسي شعر الأخوان فليفل بأهمية دور الموسيقى والأناشيد الوطنية في إِثارة الروح الوطنية ضد سلطات الاحتلال. فتكاد تكون المرة الأولى في التاريخ الحديث والمعاصر تتقدم فرقة الأفراح الوطنية بقيادة الأخوين فليفل المظاهرات الشعبية ضد السلطات الفرنسية، وقد قامت باعتقالهما وسجنهما أكثر من مرة نظراً لدورهما الريادي الوطني.
لقد فازا بمسابقات عدة أناشيد عربية منها أناشيد: سوريا، والعراق، واليمن وجامعة الدول العربية، ودول خليجية عديدة، وكاد لحنهما يفوز عن مسابقة النشيد الوطني اللبناني لولا تدخل سلطات الانتداب والاتجاهات الطائفية والسياسية آنذاك. وزار الأساتذة فليفل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع وفد مقاصدي ومن جامعة بيروت العربية، وأنشدوا أمامه أناشيد وطنية وقومية، في حين زارهم رئيس وزراء العراق نوري السعيد قبل ثورة العراق عام 1958 في منزلهم للاستماع إلى نشيد العراق المقترح.
لم يميز الأساتذة فليفل في تعاملهم وألحانهم بين لبناني ولبناني، وبين عربي وآخر، فبالإضافة إلى تأسيسهم موسيقى الحرس الملكي السعودي عام 1950 بعد اجتماع خاص مع الملك عبد العزيز آل سعود، وقد قدموا هذا العمل هدية للمملكة العربية السعودية، فهم الذين لحنوا النشيد الوطني السوري، والنشيد الوطني العراقي، وهم الذين لحنوا نشيد النجادة ونشيد الكتائب، ونشيد المرابطون، ونشيد الجمعية العاملية، ونشيد المقاصد وعدد وفير من أناشيد الدول العربية والأحزاب والجمعيات اللبنانية.
وبما أن اسم الأخوان فليفل ارتبط بالألحان والأناشيد الوطنية والقومية، فإن ما من دولة عربية إِلا واعتمدت عليهما في تلحين أناشيدها الوطنية، أو في تعليم طلابها الموسيقى والأناشيد الوطنية، كما وضعا الكثير من المارشات والمعزوفات للجيوش العربية وللجيش اللبناني والتي حلت محل الألحان الفرنسية. ويكفيهم فخراً كل هذا المجد الوطني والعربي، بعد هذا الانتشار في جميع المؤسسات التربوية اللبنانية والعربية، وفي داخل الجيوش العربية بما فيه لبنان. ويكفيهم فخراً اكتشافهم ورعايتهم وإِطلاقهم لسيدة الغناء اللبناني السيدة فيروز (نهاد حداد) وللفنان المبدع أحمد قعبور وعشرات من الفنانين الآخرين، بل يكفي فخراً الأساتذة فليفل تلحينهم عام 1982 نشيد المقاومة من نظم الشاعر محمد يوسف حمود، يوم أن كان هناك إجماع على المقاومة.
وبفضل أناشيدهم الحماسية انتشر في العالم العربي اليقظة الوطنية والقومية، فقد أنشدوا للشاعر البيروتي الشهيد عمر حمد الذي أعدمه جمال باشا عام 1916:
نحنُ أبناءُ الأُلى
شادوا مجداً وعُلا
نسلُ قحطانٍ فأصلاً
ليس نرضى الأسْرْ
قد عشِقنا الموتَ من صغرٍ
فلن نرضى بِذِلّه

(نظم الشهيد عمر حمد – تلحين فليفل أخوان)
ولحنا للأخطل الصغير (الشاعر بشاره الخوري):
يا ترابَ الوطن
ومقامَ الجدودْ
ها نحنُ جِينا
لما دعينا إلى الخلودْ

* **
ولحنا
الفخرُ في بلادنا والعزُ باتحادِنا
وعن ذُرى أطوادنا والأرزِ لا تسل
حبذا لُبنان جنةُ الخلودْ
مهبط البيانْ تربةُ الجُدودْ
يا بني الأوطانْ عُصبةَ الأسود

لقد رأى الأخوان فليفل، ومن ثم الأساتذة فليفل عندما انضم إليهما الموسيقار المبدع الأستاذ سليم فليفل منذ عام 1951، أن لا تناقض بين أن تكون لبنانياً وأن تكون عربياً، ولا تناقض بين «اللبننة» و»العروبة»، لهذا، فإن أناشيدهم وألحانهم هي تعبير حي عن التوافق بين اللبننة والعروبة، والعيش المشترك بين العروبة والإسلام، لهذا حظيت دوحة آل فليفل الموسيقية بتكريم لبناني وعربي، من خلال أوسمة وميداليات ودروع وشهادات تقدير على ما قدموه من إبداعات وإسهامات موسيقية وأناشيد وطنية وعربية. ويكفيهم فخراً إسهامهم في بث الروح اللبنانية والعربية من خلال أناشيدهم التي كانت تنشد في المظاهرات والمدارس والجامعات والمهرجانات سواء في لبنان أو في العالم العربي.
ولا أخفيكم سراً أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي آمن بلبنان وطناً سيداً حراً مستقلاً، وآمن بالعروبة الحضارية، أشار لنا في أحد الاجتماعات عندما كان يتحدث عن الإبداع والمبدعين اللبنانيين، فقد استذكر بكل الخير الأساتذة فليفل باعتبارهم في مقدمة المبدعين البيارتة واللبنانيين، وكان ينوي قبل استشهاده إِقامة حفل مركزي في اليونسكو تكريماً لإبداعاتهم وإسهاماتهم الوطنية والعربية، مؤكداً – رحمه الله – على أنه كان أحد الأشخاص الذي نما وتربى على أناشيد الأساتذة فليفل منذ ستينات القرن العشرين.
لقد عشنا وتربينا منذ صغرنا ومنذ ولادتنا ونشأتنا في بيروت المحروسة، وبالتحديد في منطقة الطريق الجديدة، وفي ثانوية البر والإحسان على أناشيد وألحان الأساتذة فليفل، وقد نهلنا من أستاذنا الكبير سليم فليفل، ليس الأناشيد والألحان الوطنية والقومية فحسب، ولكن نهلنا منه ومن الأخوين فليفل الاتجاهات السياسية الوطنية والعروبية، والأخلاق الحميدة والاعتدال والوسطية والعيش المشترك. وكانت وما تزال أناشيد: نحن الشباب، وفي سبيل المجد، وموطني، وبلاد العرب، ونحن أبناء الأُلى، ويا تراب الوطن، بالإضافة إلى النشيد الوطني اللبناني كلنا للوطن، كلها أناشيد وألحان ما تزال في الذاكرة التاريخية، في العقل، وفي الروح، وفي الجسد.
باستطاعة الباحث اللبناني أن يكتب عدة مجلدات عن أثر الأساتذة فليفل في ميادين الموسيقى والأناشيد، وفي أثرهم التربوي، وفي دورهم الريادي المؤثر في الانتماء الوطني والعربي، وبما أن الوقت المحدد لا يسمح لي بكل ذلك، فإننا – إن شاء الله – بانتظار ما سأكتبه عنهم في موسوعة العائلات البيروتية المجلد الخامس.
الأساتذة فليفل مُحمد وأحمد وسليم لكم من البيارتة ومن اللبنانيين ومن العرب كل الاحترام والتقدير والمحبة، لكم جناتُ الخلد بإذنه تعالى.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر