الراصد القديم

2014/12/01

حول إعلان الحكومة الإسرائيليَّة دولة إسرائيل "دولة قوميَّة يهوديَّة"


طه جابر العلواني

أعلنت الحكومة الإسرائيليَّة أول أمس الأحد (23/11/2014م) أنَّ إسرائيل دولة قوميَّة يهوديَّة، وأنَّها بذلك الإعلان تعلن على أَّنها لا تعتبر أي إنسان يستحق الإقامة الدائمة فيها والعيش على الأراضي التي احتلتها منذ تأسيس الدولة وحتى اليوم إلا لصهيوني يهودي، فهؤلاء وحدهم الذين يستحقون الإقامة على هذه الأرض، وبالتالي فإنَّها سوف تعطي لنفسها الحق بترحيل ونفي كل من لم يكن من القوميَّة الصهيونيَّة والديانة اليهوديَّة، وقد صار منذ ذلك الإعلان مفهوم المواطن في دولة إسرائيل أنَّه إنسان صهيوني في قوميَّته، يهودي في ديانته، وهذا الإعلان فيه إضافة لما ذكرنا تهويد الأرض وصهينتها، فكل الأراضي التي اعتبرتها أراضي لدولتها بما فيها القدس القديمة والجديدة تصبح أراضي صهيونيَّة يهوديَّة، ليس لأحد أن يملك فيها إلا إذا كان صهيوني القوميَّة يهودي الديانة.

وهذه هي العنصريَّة الصريحة الواضحة، التي لا تلقي بالًا لأي شيء ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو مواثيق الأمم المتحدة، وسائر المنظمات الدوليَّة، فالصهيونيَّة واليهوديَّة فوق الجميع، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أعطت إسرائيل  في هذا الإعلان لنفسها الحق بأن تعتبر كل ما يخالف هذا الإعلان احتلالًا، فالمسلمون والنصارى والعرب والأوربيون والنصارى الشرقيُّون بكل مذاهبهم وقوميَّاتهم يعتبرون بمقضى هذا الإعلان محتلين أو غاصبين أو مستعمرين، لإسرائيل الحق أن تسترد كل ذلك، وتجعله تحت الراية الصهيونيَّة اليهوديَّة، هذه واحدة.

وهذه تعتبر ناسخة لجميع الاتفاقات التي عقدت قبل هذا الإعلان عن صهيونيَّة ويهوديَّة الدولة، فلإسرائيل الآن الحق بمقتضى هذا الإعلان بمراجعة كل ما أبرم بينها وبين الآخرين من وعد بلفور وبدايات الهجرة اليهوديَّة إلى فلسطين مرورًا بقيام الدولة، واحتلالاتها المتكررة لأراضي جيرانها حتى يومنا هذا، هذه ناحية تقتضي من رجال القانون الدولي العرب والمسلمين أن ينعموا النظر فيها، ويستخرجوا الدروس والعبر التي يمكن أن تؤخذ من هذا الإعلان.

أمَّا أنا فأنتقل إلى درس آخر، وهو: كيف استطاعت فصائل الذين قطعوا في الأرض أممًا وعاشوا الشتات وألفوه وضربت عليهم الذلة والمسكنة، واختلطت أنسابهم بكل دماء البشريَّة، كيف استطاع هؤلاء أن يخلقوا لأنفسهم قوميَّة من لا شيء، ثم يؤلفون بينها وبين ديانتهم التي قامت على جهود عزرا ومن معه في السبي البابلي، ويوحنان بن زكاي بعد هدم الهيكل، وقبل ميلاد المسيح بخمس وسبعين عامًا، فاستطاعوا أن يوجدوا مزيجًا من قوميَّة وديانة كل منهما عن المعنى الصحيح محرف، كما يقول الرصافي؟
كيف استطاعوا أن يجعلوا منها مزيجًا استعاد بها اليهود المتدينون والصهيونيون العلمانيون وحدتهم، وألفوا بها بين قلوبهم، مع أنَّهم عرف من طبيعتهم التنافر ﴿.. تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ..﴾ (الحشر:14)، والذين بني تاريخهم كله على تأليف إلهي بين القلوب، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:63).

فالقوميون العرب يتنصل العلمانيون منهم من الدين، والإسلاميون من المسلمين، إذا ذكرت العروبة عندهم تفجر غضبهم، وربما اتهموا من ذكر العروبة والعرب بخير في دينه والتزامه، فهل يستطيع هؤلاء جميعًا أن يأخذوا درسًا وعبرة من إعلان بني إسرائيل عن توحيد ودمج قوميتهم بدينهم ودينهم في قوميتهم؟ فإن كان اليهودي متدينًا فتدينه سوف يوجهه لخدمة إسرائيل، وإذا كان علمانيًّا أو لا دينيًّا لكنَّه صهيوني يحترم قوميَّته وانتماءه إلى بني صهيون فذلك كاف بأن يشكل له دافعًا لخدمة إسرائيل والدفاع عن يهود العالم، وبذلك توظف إسرائيل الديانة والقوميَّة معًا في تناسق عجيب مستغرب يحتاج إلى كثير من دراسة والتحليل من العروبيين والإسلاميين معًا.

فهل من مدكر، وهل من معتبر؟!.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر