الراصد القديم

2014/12/01

عراق ما بعد داعش والمالكي

 
فاروق يوسف


لولا نوري المالكي لما ظهر تنظيم «داعش» على المسرح العراقي، ولولا «داعش» لما استطاع المالكي أن يتوارى ويفلت من العقاب حتى الآن.

متلازمة ستظل تحكم العراق إلى أن تختفي آثار «داعش» المباشرة، لتبدأ في الظهور تجليات مرحلة ما بعد المالكي و«داعش»، وهي مرحلة لن تكون فيها للحكومة العراقية السلطة المطلقة في إدارة البلاد. فما شهدته المناطق التي تعرضت للاحتلال في حقبة حكم المالكي لا يمكن أن يتكرر.


ذلك لأن العلاقة بين تلك المناطق والحكومة العراقية لن تقوم على أساس الثقة غير المتبادلة، حيث كان سكان المناطق التي كانت قد شهدت اعتصامات مدنية يثقون بما يمليه العقد الاجتماعي على السلطة من واجب حماية المدن العراقية من أي تدخل خارجي، فيما كانت السلطة العراقية لا تثق بهم.


لم يكن متوقعا بالنسبة للمنتفضين من أجل حقوقهم المدنية، أن تخذل الحكومة العراقية جزءا من العراق، وهو الجزء الذي يقيمون فيه، وتتركه نهبا لأطماع الغزاة. فالخلاف بينهم وبين الحكومة لم يكن على الوطن، بل كان يتعلق بسياسات تلك الحكومة القائمة على التهميش والعزل والإقصاء والحرمان. الآن صار كل هذا من الماضي.


وإذا ما كان نوري المالكي، وهو الذي أدار سياسة التمييز الطائفي بحرفية رجل العصابات، قد وجد في ظهور «داعش» القشة التي أنقذته من الغرق في عواقب مسؤوليته عما آلت إليه الأمور في المناطق المنكوبة بسياساته، فإن غياب «داعش» سيعيده إلى قفص الاتهام وإن اتخذ الأمر طابعا مجازيا في بدايته.


غير أن ما ستشهده المناطق المحررة من الاحتلال الداعشي من رغبة مؤكدة في إعادة الاعتبار الوطني، سيكون بمثابة لحظة فصل تاريخية، بين ماض كانت الحكومة فيه تمارس قمعها تنفيذا لأجندة رئيسها الطائفية، وبين حاضر لن تجرؤ الحكومة فيه على فرض قوانينها في تلك المناطق. سيكون التحرر من الاحتلال الداعشي مناسبة للتحرر من سلطة الحكومة الطائفية، وهو ما سيؤدي إلى فتح ملف المالكي، بكل صفحاته السوداء.


لقد فعل المالكي كل هذا، بل كان يستعد للقيام بالأسوأ لولا الاطاحة به. ولأنني لا أتوقع أن تحاكم حكومة شيعية شيعيا، فكيف بها ونوري المالكي يتزعم واحدا من أكبر الأحزاب الدينية، لذلك قد تتأخر مساءلة المالكي إلى أن تتأكد الحكومة من أن بقاء المالكي طليقا، هو، من جهة تأثيراته السلبية، أسوأ، بكثير، من استمرار الاحتلال الداعشي لجزء من الأراضي العراقية. يومها قد تحدث المعجزة، ويكون العراق قد استعاد شيئا من عافيته.


فالمالكي الذي استعان بأمراء الحرب السنة، وأغدق عليهم الأموال بهدف شق صفوف المعتصمين، كان قد ارتكب الخيانة مرتين.

مرة حين أدار ظهره للشعب وهو يطالب بحقه في المواطنة، ومرة أخرى حين لجأ إلى تزوير ممثلي ذلك الشعب، بما جلبه من دمى لم يكن لها حضور شعبي.


وفي كل الحالات، فإن خيانة المالكي لواجبه الدستوري كانت ماثلة للعيان حين وقعت الهزيمة بانسحاب الجيش العراقي وتخليه عن معداته وأسلحته الحديثة لـ«داعش»، كما لو أنه قد خطط لتسليح الدواعش بما لم يكن يملكونه من أسلحة.

قبل «داعش» كان المالكي قد خطط للاستيلاء على السلطة، لا في ولاية ثالثة، بل إلى الأبد. غير أن تدخل تنظيم «داعش» طرفا في المشهد العراقي جعله أكثر حذرا في تنبوءاته، حين وجد أن ما لم يعنه على البقاء في السلطة سيكون منقذا له من المساءلة القانونية.


فدولة تحارب «داعش» لن يكون بإمكانها الالتفات إلى الوراء. غير أن هزيمة «داعش» على الأراضي العراقية ستعرّي المالكي من الورقة التي احتمى بها. فالمناطق المحررة لن تعود إلى العراق إلا حين يُجرم المالكي بتهمة الإخلال بالسيادة الوطنية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر