الراصد القديم

2015/01/31

«سيريزا» اليساري: بالعربي

 
لم يخرج حزب «سيريزا» اليساري الذي حقق فوزاً كبيراً في الانتخابات اليونانية من فراغ. هو ابن الأزمة الأوروبية العميقة التي تتصل بجوانب خاصة بالهوية، وبالاقتصاد وتبعاته الاجتماعية، وبارتباط ذلك كله بسياسات دول المركز الأوروبي وانعكاسها على دول الهامش. في أيار 2010، نصت «خطة الإنقاذ» التي توافقت عليها الحكومة اليونانية مع «الترويكا»، أي المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي ومؤسسة النقد الدولية، على تمديد آجال تسديد الديون اليونانية للاتحاد الأوروبي، في مقابل حزمة من الإصلاحات وإجراءات التقشف.
كانت التوقعات التي شكلت خلفية الخطة تفيد بأن اليونان، خلال فترة التعافي، ستشهد تراجعاً اقتصادياً مؤقتاً ينعكس على سوق العمل والبطالة لحد العام 2012، قبل أن تبدأ النتائج الإيجابية للخطة بالظهور تباعاً. بيد أن تأثير الخطة على الاقتصاد اليوناني، الذي كان يعاني من الركود أصلاً، كان عكسياً، فيما كانت نتائجها الاجتماعية كارثية. ففي حين زادت نسبة الضرائب التي تجبيها الدولة من حجم الناتج المحلي، والتي تم تخصيص جزء كبير منها لسداد الدين العام، تهاوى هذا الناتج بشكل مريع. ومع ارتفاع نسب البطالة إلى أرقام قياسية ووصولها في أوساط الشباب إلى عتبة الستين في المئة، وصلت البلاد إلى قاعها في العام 2014، وهي مذاك تشهد حالة تراجع مستمر، من دون أن تظهر نتائج إيجابية جدية لسياسات التقشف.
الحديث عن سطوع نجم «سيريزا»، في أعقاب النتائج الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة للسياسات النيوليبرالية في اليونان، وأصداء الفوز الهائلة التي دفعت البعض للتساؤل عن احتمالات صعود أحزاب اليسار الراديكالي في دول أوروبية مأزومة أخرى كإيطاليا وإسبانيا، يغري بمحاولة استنطاق المُعادل العربي لهذا اليسار اليوم، وبمعاينة الصدع الكبير الذي يفصل بين ضفتي المتوسط.
لا شك أن المعادل العربي لـ «سيريزا» وأمثاله، يبدأ بالتحرر من منطق الخليج الريعي القائم على استخراج الذهب الأسود وتصديره، وربطِ مصائر الإقليم بالمال السائل على حساب بناء اقتصادات منتجة. والمفارقة هنا أن اليسار اليوناني تعبيرٌ عن الاحتجاج على تحكم دولة الإنتاج الأقوى في أوروبا، أي ألمانيا، بسياسات أثينا، بعد فشل الأخيرة في الوفاء بالتزاماتها تجاه الاتحاد، كما يعكس الاعتراض على إرهاق المواطن اليوناني بالضرائب وسياسات التقشف في سبيل ذلك. فيما منطق الخليج الريعي المُعترَض عليه هنا، يقوم على النقيض من ذلك تماماً. إذ إنه يعتمد على تعطيل الإنتاج وشراء الولاءات حرفياً، ويستبدل فكرة الضرائب، أي دفق المال القائم من المواطن في اتجاه الدولة لقاء تأمينات اجتماعية وقدرة على المحاسبة، بدفق أموال من السلطة في اتجاه المواطنين، أو بعضهم، لقاء التنازل عن حق الرقابة والمحاسبة. وهذا لب ما يعرف بـ «نظرية الدولة الريعية» Rentier State Theory.
والمعادل العربي لليسار اليوناني يقوم على إعادة الاعتبار لشعارات «الربيع» الأولى. من يعرف أن عبارة «كرامة» ظهرت بشكل كثيف في الحملة الانتخابية لحزب «سيريزا»، بعدما كادت إجراءات الترويكا المالية «الإصلاحية» تعرّي أهل اليونان من ثيابهم، لا بد أن تعود به الذاكرة إلى شعار «عيش، حرية، عدالة اجتماعية». ولا بد له أن يعيد النظر بدائرة الثنائيات المفرغة المتحكمة بواقعنا، والتي يتراوح حدَّاها بين العيش في كنف دولة أمنية لا تقيم وزناً لهذا الشعار، والانزلاق إلى أتون التطرّف والتطييف والتسليح والتدويل، واستسهال التحالف مع شياطين التخلّف، بحجة الحفاظ على هذا «الربيع».
لقد فشل المعادل العربي لليسار اليوناني في إثبات ذاته لأسباب بنيوية عميقة، يتصل بعضها بتخلّف العقل العربي عن فهم الحداثة وموجباتها، وضعف البنى التحتية الاجتماعية التي تسمح بنمو أفكار بديلة، وزخم الثورات المضادة التي تستقوي بأنظمة قائمة وأكثر من «دولةٍ عميقة» وجملة من الأوليغارشيات النفطية.
والمفارقة أن اليسار اليوناني الذي كبُر مع نمو مزاج نقدي داخل الغرب تجاه السياسات النيوليبرالية «الصماء»، كان قد تفاعل رمزياً مع شعارات «الربيع العربي» المدني في بداياته، حتى بلغت أصداء الأخير أسواق المال في «وال ستريت» على الضفة الأخرى للأطلسي. فيما «الربيع العربي» بات أثراً بعد عين، وحاملو شعارات «التغيير» الأقوياء على ضفافه اليوم، يسيرون بعكس مجرى التاريخ، وبقناعة مذهلة!
في المعادلة الأوروبية، يشق اليسار طريقه في عدد من دول القارة الأوروبية ذات الثنائية الحزبية التقليدية والاستابلشمنت الذي ظل عصياً على الاختراق على مدى عقود. وفي الأثناء، تنمو أحزاب يمين متطرف قبالته، تشاركه الاحتجاج على الأزمات المعيشية إياها، وعلى أثقال الانضواء في الاتحاد الأوروبي نفسها، لكنها تنغلق على ذاتها في إطار تعبيرها عن أزمة الهوية الحادة التي تعيشها القارة العجوز. وفي حين يُسرف اليمين المتطرف في تعبيره الشعبوي عن تطلعاته، التي تأخذ أشكالاً فاشية في كثير من الأحيان، يسعى اليسار الراديكالي، أو غير التقليدي، في اليونان وخلافها من دول الاتحاد، إلى ابتداع طريق بديل يتجاوز فخ الشعبوية التي تغري الخطاب الثوري في العادة.
يغيب المُعادل العربي للمشهد الأوروبي هذا تماماً. لا «سيريزا» في الأفق، في مقابل طفرة من أشكال اليمين المتطرف التي تأخذ أزمة الهوية العربية ــ الإسلامية إلى أقصى تعبيراتها الدموية.
يغيب هذا المُعادل إلى أجل غير مسمى. وفي انتظار ظهور كتلة تاريخية مشابهة في بقعة أرضنا المحروقة، تبرز حاجة ملحة إلى الإقرار بجملة العوائق التي تغافل عنها «ربيعنا» المُجهض، أو أريد له أن يُغفلها، حتى يحيد عن مساره الأول. من غير ذلك، سنبقى في دوائرنا المُقفلة على دمائها التي تُجمّلها ديماغوجيات الإعلام الأصفر.. إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر