الراصد القديم

2015/01/05

الخروج من البرزخ

 عبد الحليم قنديل

لا أملك عين «زرقاء اليمامة»، ولا أدعي علما بظهر الغيب، وإن كنت «خاويت مصر»، وعرفت كيف يتصرف هذا البلد، بإدمان قراءة كفه، وتأمل أوجاعه وأشواقه، وأحواله السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتوقعـــت مبكرا جدا أن تقوم ثورة لخلع مبارك، وأن تعقبها ثورة لخلع حكم الإخوان اللاحق.
وأعلنت توقعاتي قبل سنوات طويلة مما جرى، ليس بمداومة النظر في بللورة الزمن السحرية على طريقة العرافين، بل في مقالات نشرت، وفي كتب صدرت، وفي مئات المداخلات والمشاركات التلفزيونية، وفي سياق معارك صاخبة كان لي شرف خوضها والمبادرة إليها، وعلى طريقة النبوءة التي تحقق نفسها، أو التي تملك طاقة تحققها التلقائي، كأن يحدق أحدهم في جدار بنية هدمه، فيتهدم بالفعل.
وفي مطلع عام 2013، كتبت مقالا بعنوان «عام النار»، وقد كان، لم يكن فقط أن سقط حكم الإخوان في 30 يونيو 2013، وكما كتبت بالضبط في مقال نشر أوائل أكتوبر 2012، بل جرى ما جرى في أجواء صدام، سالت فيه الدماء واشتعلت النيران، فقد كنا بصدد حومة أقدار ثائرة بطبيعتها، أعقبها مزيج من القسوة المفرطة والغباوة الزائدة، أحسب أن البلد لم تبرأ روحها بعد من مضاعفاته، إلا أن تقوم «عدالة انتقالية» حقة، وتجري تسوية المظالم كلها، ووقف نزعات الاستقطاب والإقصاء العدمي، ورد ثروات البلد المنهوبة، والمحاسبة والمحاكمة العادلة، وكشف الحقائق والمساواة في حق الدم، وتعميم برامج التعويض و»جبر الضرر» على كل ضحايا الصراع السياسي، منذ ثورة 25 يناير 2011، وإلى اليوم وبغير تمييز ولا استثناء.
وباختصار، تبدو مصر لا تزال في البرزخ، وهو الوصف الذي كررته مرارا في ما كتبت، وعلى مدى أربع سنوات خلت بعد الثورة الشعبية المعاصرة، والبرزخ ـ في الدين ـ مرحلة عبور ضيق بالروح من الحياة الدنيا إلى العالم الآخر، بينما مصر في «البرزخ العكسي» لو جاز التعبير، في حال عبور عسير من الموات إلى الحياة، وفي ظروف إفاقة متقطعة من غيبوبة ثقيلة امتدت لأربعين سنة، فالبلد يستعيد نعمة الشعور بالألم، وللأسباب ذاتها التي كانت موجودة زمن الغيبوبة، والتي انتهت ببلد عظيم إلى مصير الهوان، وبغالبية شعبه إلى مهاوي الردى، تحت خطوط الفقر والبطالة والمرض والأمية المستعادة، وبغير مقدرة على «تصحيح ذاتي» ناجز، وفي غياب قوى سياسية واجتماعية تقدمية مبلورة، وبما يجعل حال السياسة نقيضا لحال الثورة. مشاهد الثورة العفية تخلع القلب فرحا، ومشاهد السياسة تقبض الروح كمدا، وتسيطر عليها أطياف اليمين الديني والفلولي والليبرالي، المستندة إلى نفوذ داهس لطبقة نهب، تملك ثروات تريليونية، وبغير أساس إنتاجي ولا جمهور اجتماعي واسع، فعشرة بالمئة من السكان، يحوزون ثلاثة أرباع الناتج القومي، وتسعون بالمئة تحت خط الحياة الآدمية الكريمة، وبغير طلائع تنتصر لهم، وبغير قوى ذات ثقل سياسي إلى الوسط واليسار، وهو ما يجعل الثورة يتيمة، تراوح مكانها، وتعجز عن التقدم، وبغير نصير قادر على التقدم بها لأهدافها، وقد ألححت كثيرا على هذه الفكرة في كل ما كتبت، ومنذ كتابي «الأيام الأخيرة» الذي صدرت طبعته الأولى في يونيو 2008، وتحدثت فيه عن «الحزب الذي تنتظره مصر» بعد ثورتها، فقد ظلت الثورة إلى الآن بلا قيادة مطابقة، وبلا حزب ولا تحالف ثوري قادر، وهو ما يفسر جانبا جوهريا من حالة الحيرة «البرزخية»، فالناس في حالة تشوش، وفي ضيق وغضب عظيم ظاهر، ويواصلون على مضض بطولة البقاء على قيد الحياة، وكأنهم محشورون في أنبوب، أو في قاع بئر، وبدون أن يمد لهم حبل، أو أن تفتح لهم طاقة نور بحزب للثورة، وتصدم عيونهم مظاهر زحف قوى الثورة المضادة، وبانتحال أسماء الثورة نفسها.
فهل نحن بصدد ثورة جديدة في عام 2015؟ وكما يروج الإخوان وناشطو «السبوبة» الليبرالية الممولة أجنبيا، جوابنا بالقطع: ليس من ثورة في عامنا الزاحف بأيامه الأولى، ليس لأنه لا يوجد غضب، فالغضب طافح، ولكن بسبب «صدة نفس الإخوان»، واختلاط مظاهرات الإخوان المحدودة جدا بالعمليات الإرهابية، فقيادة الإخوان ليست قوة ثورية ولا شبه ثورية، بل قوة ثورة مضادة كاملة الأوصاف اجتماعيا وسياسيا، ولم يكن لها من دور في الدعوة والتمهيد للثورة، وإن كانت وجدت في الثــــورة فرصـــة مناسبة للوصول إلى السلــطة، وكان حكم الإخوان هو التجربة التى لا بد منها، والتي أتاحت للوعي الشعبي العام فرصة الوصول للحقيقة بنفسه، والخلاص من أوهام النهوض على يد جماعات اليمين الديني، التي تكشفت طبيعتها كرديف منافس ـ لا مناقض ـ لجماعة مبارك نفسها، وهو ما يجــــعل من دعوة الإخوان لثورة جديدة حجبا لإمكانية الثورة ذاتها، وهو ما نقصده «بصدة النفس» الإخوانية، ويمكن للإخوان مواصلة ما يفعلون، والدعوة إلى ألف ثورة مما يظنون، ولكن بدون تحقق لثورة واحدة فعلية، وقد فعلوها من قبل مرارا، وســـوف يواصلون على الأغلب، وبدون أن تصدق أي مواعيد مما يضربون، ويمنون بها ما تبقى من أنصارهم وقواعدهم، وبدون نتيجة واردة الحدوث، إلا المزيد من العزلة الشعبية، والاندفاع إلى «الدعشنة» الإرهابية، والانزلاق إلى موارد التهلكة، وتبرير وتعزيز ممارسات السلطة القمعية.
وقد يقول الإخوان ألا علاقة لهم بالإرهاب، ولا أحد يصدق في العادة، وإن كان الإرهاب نفسه مما يقلق ويفزع الناس، ويغلق أفواههم، ويشوش على جوهر مطالبهم وأحلامهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويضاعف سيرة القمع والعصف بالحقوق المدنية، وقد دارت الحرب ضد الإرهاب على مدى عام ونصف العام إلى الآن، ومنذ سقوط حكم الإخوان، وبدت فرصة الإرهاب مواتية ـ بالمفارقة ـ لاستعادة صلابة الدولة التى كانت رخوة، وبعث الحيوية في جهازها العصبي المركزي، فالدولة المصرية لا تهزم أبدا في مواجهة مسلحة مع جماعات إرهاب، ولدى مصر أفضل جيوش المنطقة، ولديــــها جهاز أمن قابـــل لاكتســــاب المزيد من الحرفية، والنتائج النهائية تبدو معلومة سلفا، وقد لا تطول القصة إلى نهاية 2015، فهو عام احتضار الإرهاب في ما نظن، وبما قد يساعد على رؤية النور في نهاية النفق، والخروج من برزخ الإرهاب الذي يعشي العيون، وفك جوانب من الاحتقان السياسي، وخروج آلاف المحبوسين في غير اتهامات العنف، وإتاحة مناخ أفضل لحرية الحركة السياسية والاجتماعية.
وقد يكون الخروج من برزخ الإرهاب سبيلا لخروج مصر كلها من البرزخ، وإفاقة الناس من الكابوس، واستعادة الوعي بموارد الخطر الأعظم، فالإرهاب ـ على فداحة جرمه ـ هو الخطر الأهون، وما من سبيل لتمزيق وحدة الأرض والدولة المصرية، فالخطر على الدولة لا يأتي من خارجها، ولا من جماعات تتحداها بالسلاح، بل الخطر الأعظم كامن في أجهزة الدولة نفسها، وما جرى لها عبر عقود الانحطاط التاريخي الطويل، وتفشي الفساد الذي يسرح ويمرح في بدن الدولة، وبالذات في الجهاز الإداري المترهل عديم الكفاءة، الذي يهدد خطط الرئيس السيسي لتثبيت الدولة، وفتح الطريق لبناء مصر الجديدة، فما من طريق سالك سوى تصفية الحساب المؤجل مع الفساد، والفساد في مصر ليس مجرد ظاهرة، ولا انحراف بالسلوك يصح معه التقويم الأخلاقي، بل الفساد دولة تحكم وتعظ، والخلاص منه لن يكون بإجراءات وقاية تدريجية، بل تحتاج الدولة إلى «كنسة»، وإلى تطهير شامل، وإلى حرب حقيقية لتحطيم تحالف المماليك الموروث عن زمن المخلوع مبارك، حرب لتحطيم تحالف البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات المال الحرام، وهذه هي المهمة الكبرى التى تنتظر الرئيس في عام 2015، وبالاستناد إلى دعم شعبي واسع من الفقراء والطبقات الوسطى، فقد تقدم السيسي إلى إنجازات كبرى لا تخطئها العين، وفي صورة ملاحم على طريقة مشروع قناة السويس الجديدة، الذي يتم افتتاحه ـ بإذن الله ـ أواسط 2015، وليس من شك في نية وقدرة الرئيس على الإنجاز، لكن المشكلة ـ إلى الآن ـ في غياب انحياز يشفع الإنجاز، وفي مفارقة وجود رئيس جديد يحكم بنظام قديم، وفي خطط الذهاب لمصر الجديدة قفزا على مفاسد مصر القديمة، وفي تأجيل مواجهة لا بد منها، إن شئنا الخروج النهائى من برزخ الضيق والحيرة والتساؤلات المعلقة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر