الراصد القديم

2015/01/31

إيران وتركيا: وحدة الغايات وتباعد الأساليب في دعم الإسلاميين


عبّاس الكعبي

أمام تصاعد القوى الإسلامية واستغلالها لضعف الدولة وفوضى “الثورات”، أفرز ما يعرف بالربيع العربي عدّة معادلات إقليميّة، منها الإخوانيّة بزعامة قطريّة تركيّة وأخرى شيعيّة تتزعمها إيران. وحاولت كلتا المعادلتين، على حدة، فرض نفسها كقوّة إقليمية من خلال دعم الأنظمة خاصة في الدول التي عاشت تغييرات، أو عبر دعم الثورات في ليبيا ومصر وسوريا وغيرها.
سعت المعادلتين أيضا إلى فرض نفسيهما على القوى الدوليّة الفاعلة كالدول الغربية، لتكسب التعاطي معها كقوّة إقليميّة، إلا أنّ كلتا المعادلتين لم تحظ بالنجاح المرجو، إذ فشل الهلال الشيعي الإيراني المزعوم مع فشل طهران في القضاء على الثورة السوريّة والإطاحة بالنظام الرسمي في مملكة البحرين والانعكاسات السلبية على إيران جرّاء ثورة العشائر العراقيّة، وأخيرا انتصار المحور العربي السعودي المصري الإماراتي البحريني في تقريب الكويت وتحييد قطر.
أما المعادلة الإخوانيّة فهي الأخرى تلقّت ضربات موجعة كانت أشدّها مع نهاية حكم الإخوان في مصر ومن ثم تراجع دورهم في تونس إثر خسارتهم في الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة على التوالي، وتقدّم حركة نداء تونس في الانتخابات الأولى والثانية.
وهو الفشل الذي دفع بقطر ربّما إلى المصالحة مع مصر مؤخرا، وحُذف التنديد بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من الخطاب القطري، وحتّى القادة الأتراك، غيّروا من خطابهم تجاه مصر، وليس أدلّ على ذلك سوى تصريح مساعد رئيس الوزراء التركي، بولنت أرينش، حول رغبة بلاده في المصالحة مع مصر ودول الخليج العربي.
ولا ريب في أن أحداث فرنسا وأوروبا الأخيرة وما شهدته من عمليّات قتل وخطف ودهس وتفجير، وتمرير رسائل أوروبية لتركيا تحذّرها من تسهيل عمليّة مرور العناصر المتطرّفة لكل من العراق وسوريا وخاصة أتباع داعش، سيجبر تركيا على التفكير بحماية أمنها الداخلي عوضا عن التفكير في التوسّع الإقليمي.
أمّا طهران، فلا شكّ أنها مستاءة من المصالحة القطريّة المصريّة والتركيّة، والتي لم تكن في حساباتها الإستراتيجيّة أصلا، فالانشقاقات العربية والإقليمية، تصبّ في مصلحة المشروع التوسّعي الإيراني بلا شك، ولا يمكن أن يكون العكس هو الصحيح لطهران.
وفي حين تنتهج إيران أسلوب التدخّل المباشر في الشؤون الداخليّة للدول العربيّة عبر نشر المراكز الثقافيّة والمدارس المذهبيّة لترويج المذهب الشيعي الإيراني ودعم الأحزاب الموالية لها في الوطن العربي، إضافة إلى نشر ميليشياتها في اليمن وسوريا والعراق وإرسال العسكريين والخبراء من الحرس الثوري وفيلق القدس، فإن تركيا تنتهج أسلوبا مختلفا يبدو أقلّ حدّة وتطرّفاً قياساً بالأسلوب الإيراني، لذلك فإن الخلافات العربيّة التركيّة تبدو قابلة للحل أكثر من العلاقات العربيّة الإيرانيّة التي بلغت ذروتها منذ انتهاء الحرب الإيرانيّة العراقيّة التي دامت من عام 1980 حتى عام 1988.

وفي الوقت الذي اتعظت فيه تركيا من الدروس من خلال هزيمة الإخوان في مصر وتراجع دورهم في تونس، فإن إيران مازالت تعيش نشوة دخول الحوثيين الموالين لها إلى العاصمة صنعاء، وبالرغم من عدم هيمنتهم على كل العاصمة وانتصارهم المنقوص، إلا أن طهران اعتبرت ذلك انتصارا كبيرا لها.
وأكبر الدروس لإيران جاءت من ثورة العشائر العراقيّة ضد حكومة المالكي الموالية لطهران وتنحّي الأخير لصالح حيدر العبادي، ورغم أن العبادي يعد محسوبا على نفس الحزب، إلا أن مجرّد إجبار المالكي على التنحّي عن السلطة، أجبر إيران على تغيير حساباتها في العراق، لذلك تسعى إلى زجّ أكبر عدد من قوّاتها البريّة والعمل على تغيير ديموغرافية المناطق السنيّة لصالح الشيعة بحجّة الحرب ضد داعش.
وربما تكون سوريا هي الدرس الكبير القادم لطهران، فلا شك أن تمسّك الائتلاف السوري بعدم فسح أي مجال لبشار وأتباعه في التسوية السياسية المقبلة، إنما يؤكّد مدى قوّة الائتلاف والمعارضة السورية وتماسكها، خاصّة أنها تمكّنت من الصمود في حلب وحمص ودرعا، خلافا لتوقعات بشار وإيران حول إمكانية إنهاء تواجدها في المناطق المذكورة وبالتالي حسم المعركة لصالح بشار.
وتختلف الحسابات الدولية فيما بين طهران وتركيا، ففي حين أن إيران تسابق الزمن للتوصّل إلى التسوية مع المجموعة السداسيّة حول ملفها النووي قبل عودة الجمهوريين إلى سدّة الرئاسة في أميركا وقبل وفاة خامنئي، فإن الحسابات التركيّة لا تبدو معلقّة على قدوم الجمهوريين أو الديمقراطيين في أميركا، كما لا توجد لها قضيّة عالقة كالملف النووي لكي تستنزف طاقاتها الدبلوماسيّة.
وعليه فإنّ الدبلوماسيّة التركيّة تبدو أكثر قدرة على التركيز لحلّ الخلافات بين أنقرة والدول العربيّة، على عكس طهران التي تستنزف آلتها الدبلوماسية بين المفاوضات النووية والسعي لتثبيت نظامي بشار والمالكي والحوثيين، إضافة إلى السعي للحفاظ على ما حققته من نجاحات محدودة في كسب بعض الموالين لها في الوطن العربي.
وما هي جثث القادة العسكريين الفرس العائدة من العراق وسوريا، إلا رسائل إنذار للدولة الفارسيّة، تؤكّد إمكانية سير خامنئي على خطى الخميني في تجرّع كأس السم وإعلان الهزيمة أمام المقاومة العربيّة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر