الراصد القديم

2015/03/04

في ذكرى الوحدة

 
 حسن عجاج
صادف الثاني والعشرون من شهر شباط من عام 2015، مرور سبعة وخمسين عاماً على ميلاد دولة الوحدة بين مصر وسوريا ، حيث توحد البلدان في جمهورية واحدة سميت الجمهورية العربية المتحدة ، ووقع على ميثاق ولادتها الرئيسان العربيان جمال عبد الناصر وشكري القوتلي. وكانت المباحثات بين القطرين قد بدأت في القاهرة عام 1957، وتكللت بالنجاح بقيام دولة الوحدة الأولى في تاريخ العرب الحديث. وقد ادى ذلك إلى تدعيم وتعميق مبدأ القومية العربية ، والإيمان بأن التجزئة في الوطن العربي حالة طارئة مصطنعة ، وبأن الفوارق بين أبنائه زائفة.
وفي الثامن والعشرين من أيلول عام 1961. حدث انقلاب عسكري قام به بعض الضباط السوريين، أدى إلى انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة. وكان الهدف من الإنقلاب القضاء على مبدأ الوحدة العربية ، وإيقاع الهزيمة بالزعيم عبد الناصر سياسياً . ولكن عبد الناصر صمد أمام الانفصال الذي الحق ضرراً فادحاً بفكرة الوحدة بين الأقطار العربية. وراح يركز على المسألة الاجتماعية التي أصبحت منطلقاً للنهوض بالفكرة القومية والوحدة العربية.
كانت المنطقة في أواسط الخمسينات تمر بمرحلة انعطاف حادة من حيث التحرر من النفوذ الأجنبي وتصفية البلاد العربية من قيود الذل والعبودية التي طوقتها منذ الحرب العالمية الأولى. وقد أعطى الحزب لمبدأ الوحدة العربية أهمية كبرى في دعوته للنضال من أجل وحدة العرب ، وأقام تنظيمه على أساس قومي ، متخطياً بذلك حواجز التجزئة التي صنعتها قوى الاستعمار البريطاني الفرنسي، ولعب حزب البعث العربي الاشتراكي الدور الأكبر في توعية الجماهير العربية وتثقيفها على مبدأ الوحدة .
وظهر الزعيم عبد الناصر بعد نجاحه على إقصاء النظام الملكي ، وتبنيه شعار القومية العربية، قائداً عربياً آمنت به الجماهير العربية، ووقفت تدعمه بكل المعارك التي خاضها، والمؤامرات العديدة التي واجهها. فتكرس الزعيم العربي الأوحد بدون منازع من وجهة نظر الجماهير من المحيط إلى الخليج.
التقى عبد الناصر وقادة البعث على تحقيق المبدأ ، مبدأ الوحدة ، وقدم البعث ممثلاً بقيادته آنذاك كل ما يستطيع لتحقيق الوحدة ، فقام بحل نفسه دون أن يأخذ وجهة نظر منظمات الحزب القومية في الأقطار العربية، أو أن يعرض ذلك القرار التاريخي في مؤتمر قومي . وكان اشتراط عبد الناصر لقيام الوحدة بين مصر وسوريا هو حل الأحزاب القائمة في سوريا. كانت قيادة الحزب ترى أن الوحدة أغلى من بقاء الحزب لأنها هي الهدف الأسمى الذي يناضل من أجله. ولكن جريمة الانفصال التي أنهت أول حلم عربي ، خلقت مضاعفات انعكست على مسيرة الحزب وأدت إلى ابتعاد الرفاق عن بعضهم، وإلى ظهور تيارات فكرية وسياسية أوصلت الحزب إلى الانقسام ، ثم إلى الاضمحلال والانكماش كما هو الحال الذي هو عليه الآن.
أتبع الانفصال المشؤوم ، هزيمة الخامس من حزيران عام 1967 لنظامي البعث في سوريا ، وعبد الناصر في القاهرة، واحداث أيلول 1970 في الأردن بين المقاومة الفلسطينية والنظام . التي كانت بداية جديدة كعامل تحرك عربي مقاوم رداً على نتائج نكسة حزيران ، وكانت الهزة الكبرى التي عصفت بالواقع العربي ، وفاة عبد الناصر في 28أيلول 1970 م. فحدث الفراغ الهائل الذي لم يملأه أحد في زعامة الأمة
وهكذا ، غابت الأطراف القوية المؤثرة التي صنعت الوحدة بين مصر وسوريا ، وحلت محلها قيادات لا تؤمن بالوحدة .
وها نحن بعد نكسة التجربة الوحدوية الأولى ، نعيش واقعاً عربياً مأزوماً ، لم يعد شعار الوحدة قائماً أو موجوداً واقعاً يعيش فيه الانسان العربي باحثاً عن نفسه وتطلعاته وحلوله لمشاكل يومه وشعبه ، فلا يجد إلا التخلف الفكري ، والتبعية لمصالح القوى العالمية، والاستغلال السلطوي المتخلف ، الذي لا يمت بأية مشاركة حقيقية لهموم شعبه.
إننا ونحن نتذكر أول تجربة وحدوية بين قطرين عربيين ، لابد لنا أن ننظر إلى واقعنا المأساوي ، حيث تنتشر أفكار الطائفية والمذهبية ، والأنظمة القطرية . ونؤكد على أن الرد على هذه المظاهر الانقسامية لن يكون إلا بإعادة التجربة الوحدوية الأولى التي قامت قبل سبع وخمسين سنه ، فالوحدة بمضمونها التقدمي الحضاري ، هي وحدة المجتمع العربي الذي يهدف إلى تغيير جذوره التخلفية ، والقضاء على الحواجز والحدود الجغرافية المصطنعة . فالوحدة هي التي تشكل طليعة التكوين الوحدوي للأمة، وبنائها الاجتماعي العادل. فلا حياة للأمة إلا بوحدتها ، فهي الطريق الوحيد لمولدها الذي يعيد إليها مرة أخرى قدرتها على صنع تاريخها المفقود حتى اليوم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر