الراصد القديم

2015/03/04

مصالح إيران والإخوان تلغي الاختلافات المذهبية بينهما



(طهران تحتضن ندوة فكرية تبحث آثار سيد قطب الذي يعتبر مرجعية الإخوان، يتأكد من خلالها على أن الجهتين يفرقهما المذهب وتوحدهما المصلحة السياسية).

عبدالجليل معالي

انعقدت في طهران منذ أسبوع ندوة تبحث “آثار وأفكار سيد قطب”. موضوع الندوة والمكان والتوقيت، عناصر تفرضُ مجتمعة طرح سيل من الأسئلة عن الصلات التي تجمع الثورة الإسلامية في إيران بالتراث الإخواني عموما، والقطبي بشكل خاص.
وأشارت المصادر أيضا إلى أن “حجة الإسلام هادي خسرا وشاهي، عضو المجلس الاستشاري الأعلى في هيئة “دار التقارب” بين المذاهب الإسلامية، وعضو جماعة الدعوة والإصلاح “خالد محمدي”، وعددا من الأكاديميين، ألقوا كلمات خلال الندوة التي أقيمت تحت عنوان “آثار وأفكار سيد قطب”، وقد أثارت اهتمام الطلاب المشاركين فيها.
وناقش المشاركون في الندوة الآثار التي تركتها كتب وأفكار سيد قطب في العالم الإسلامي، حيث ركزوا على موضوع التيارات التكفيرية المتأثرة بقطب في يومنا هذا.
قد يبدو عاديا ومألوفا أن تنظم جهة أكاديمية أو بحثية عربية أو إسلامية لقاء بحثيا يسلط الضوء (نقدا أو تثمينا) على تراث كاتب أو مدونة فكرية أو فقهية، لكن المكان والتوقيت والشخصية موضوع البحث، تفرض ضرورة الانتباه إلى خلفيات الحدث وتخومه.

وجدير بالتذكير أن سيد قطب يمثل ركنا رئيسيا في بنية الإسلام السياسي، بعد ابن تيمية وأبي الأعلى المودودي وحسن البنا. وإن كان لكل اسم من هؤلاء مساهمته المخصوصة، فإن لسيد قطب دوره الطليعي في نقل تيارات الإسلام السياسي إلى فضاءات أكثر تكفيرية ورفضا للآخر، وقد مثّل بذلك منطلقا نظريا لكل التيارات الجهادية التي سادت ولا تزال تسود إلى يومنا هذا.
ولكن ما هو المجتمع الجاهلي؟ وما هو منهج الإسلام في مواجهته؟ إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم. وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحدهمتمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبّدية، وفي الشرائع القانونية… وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار ‘المجتمع الجاهليجميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا”. (من كتاب معالم في الطريق لسيد قطب).
وفّر سيد قطب بهذه السردية التكفيرية المغالية المتعالية، منطلقا فكريا لمزيد نزوع جماعة الإخوان نحو العنف والتكفير، وتجلى ذلك عمليا في إنشاء “التنظيم الخاص”. لكنه كان أيضا “قدوة” فكرية لكل التيارات الإسلامية، بلا استثناء، حيث تستلهم منه وإلى اليوم التيارات الجهادية وغيرها، منطلقاتها الفكرية والتنظيمية. ولم تكن الثورة الإسلامية في إيران مستثناة من موجة الاقتداء والاستلهام.
بحثُ الصلات التي تربط الثورة الإيرانية بجماعة الإخوان يقود إلى مسارب عدة، تبدأ من فترات سابقة للثورة الإسلامية في إيران. وتشير العديد من المصادر الإيرانية إلى أن جماعة الإخوان لعبت دورا كبيرا في إعادة بعث الروح الإسلامية في طهران قبل قيام الثورة الإسلامية، وإلى وجود تعاون بين عتاة جماعة الإخوان وأقطابها في مصر ورموز الشيعة الأصوليين في طهران.
وفي هذا السياق يحضر اسم “مجتبى نواب صفوي” كأحد أهمحلقات الوصل بين الجماعة الإخوانية الأم والقيادات الإسلامية الشيعية. ولبّى نواب صفوي دعوة سيد قطب لزيارة مصر عام 1954، حيث تأثر بمقولات الجماعة وطروحاتها.

وقبل الثورة الإيرانية ترجم المرشد الأعلى الحالي للثورة الإسلامية علي خامنئي كتابين لسيد قطب (‘مستقبل هذا الدين’ و’الإسلام ومشكلات الحضارة’).واحتفت إيران الرسمية بقطب بأن وضعت صوره على طوابع بريدية كانت تحمل في كل إصدار “لذكرى الشهيد سيد قطب”.

ولم يكن الحب الإيراني للإخوان ولسيد قطب من طرف واحد، بل كان حبا متبادلا رغم الاختلاف المذهبي، حيث عبّر العديد من قادة الإخوان عن ترحيبهم ودعمهم للثورة الإسلامية الإيرانية، منذ الأيام الأولى لاعتلاء الخميني سدة الحكم، واحتفت مجلة الدعوة الإخوانية بـ”انتصار” الثورة الإسلامية بأن وضعت صورة الخميني في العدد الصادر في آذار 1979.

كما تشكل وفد من قيادات الإخوان في مختلف الأقطار العربية الإسلامية لزيارة طهران للتهنئة بنجاح الثورة (وفد تشكل من عبدالرحمن خليفة مراقب الإخوان المسلمين في الأردن، وجابر رزق ممثلا عن الإخوان المسلمين في مصر، وسعيد حوى ممثلا عن الإخوان في سوريا، وعبدالله سليمان العقيل ممثلا عن الإخوان في السعودية وغيرهم).

وتتالت مواقف الترحيب، ويذكر أن عمر التلمساني (المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين) قال في يناير 1982 أي سنوات قليلة بعد الثورة “نحن ندعم الخميني سياسيّا، لأن شعبا مظلوما قد تمكن من التخلص من استبداد الحاكم واستعادة حريته، ولكن من وجهة النظر الفقهية، السنة شيء والشيعة شيء آخر.

وكتب عمر التلمساني أيضا عام 1985 في مجلة “الدعوة” أن “الاتصالات بين الإخوان ورجال الدين الإيرانيين ليس الهدف منها دفع الشيعة إلى اعتناق المذهب السني، ولكن الهدف الأساسي من ورائها الامتثال لمهمة الإسلام لتلاقي المذاهب الإسلامية إلى أقصى حد ممكن.

وقال مهدي عاكف، المرشد السابع للإخوان في حوار مع “وكالة الأنباء الإيرانية مهر”، “إن جماعة الإخوان تؤيد مفاهيم وأفكار مؤسس الجمهورية الإسلامية.

لا يكفي الحيّز المحدود لاستعراض كل مظاهر الود التاريخي الطويل بين الإخوان وإيران، لكن الثابت أن الجهتين يفرقهما المذهب وتوحدهما المصلحة السياسية والانتماء إلى الإسلام السياسي بمعناه العام.
بالعودة إلى الندوة التي انطلقنا منها، نشير إلى أن توقيتها (تنامي الفعل الجهادي الذي يستقي تعاليمه من أدبيات سيد قطب واستشراء التعبيرات الطائفية) ومكانها (طهران معقل الإسلام السياسي الشيعي)، فضلا عن الجهات الرسمية التي دعت إلى تنظيم اللقاء، وأخيرا الشخصية التي أخضعت للبحث، هي عوامل تشير كلها إلى تأكيد الصلات التي لم تتوقف بين الجهتين، وتعبّر ثانيا على أن إيران الرسمية ما زالت تعتبر سيد قطب أحد أكبر أرضياتها الفكرية.
رغم التباين المذهبي بين إيران الشيعية وجماعة الإخوان المسلمين السنية، ورغم ارتفاع منسوب الشد الطائفي في العالم العربي الإسلامي، إلا المصالح التي تجمع الطرفين تجعلهما يتجاوزان معا، ولو مؤقتا، الاختلافات المذهبية بحثا عن مصالح مشتركة، ولا شك أن طهران تجد في سيد قطب ما تبحث عنه من سند فكري تكفيري، وتجد الجماعة لدى الدولة التي لا تخفي سعيها إلى تصدير ثورتها دعما تفتقده مؤخرا.

براغماتية الإخوان وبحثها الدائم عن حليف بعد أن انسدت أمامها السبل، وبحث إيران عن مزيد من التمدد في العالم العربي الإسلامي عبر كل الأدوات والأساليب، تجعل الطرفين معا يستدعيان سيد قطب إلى طهران ويسحبان سردياته من التنظيمات الجهادية التي تتكئ عليه.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر