الراصد القديم

2015/03/31

الأمبراطورية الفارسية والأمبراطورية العثمانية والجثمان العربي: قراءة في مستقبل الشرق الأوسط

لبيب قمحاوي

يرتبط موقف معظم العرب من إيران وتركيا بموضوعين رئيسيين هما الإسلام وإسرائيل . فالعديد من العرب الإسلاميين يبنون موقفهم المؤيد لإيران أو تركيا على أساس أن نظام الحكم في كلا الدولتين هو نظام إما إسلامي أو قريباً جداً من ذلك . وقد يتأثر موقف بعض الإسلاميين من كلا الدولتين بالهوية المذهبية حيث يعارض إيران العديد من المسلمين السنة وينظروا إلى نواياها بشك كونها دولة شيعية بل تعتبر نفسها قائدة للمسلمين الشيعة . وينعكس نفس الموقف على المسلمين الشيعة اللذين ينظرون إلى تركيا بشك كونهـا ، بالإضافـة إلى مصـر ، الحاضنة الأكبـر للمذهب السني في الإقليم .
أما بالنسبة للموقف من إسرائيل ، فإن معظم العرب العلمانيين بالإضافة إلى معظم العرب المسلمين ينظرون إلى إيران أو تركيا بإعجاب مدعومٍ بتأييد واسع بإعتبارهما دولتان تجاهران بالعداء لإسرائيل بل وتـُساهما في دعم مجموعات ونشاطات مناهضة لإسرائيل ومقاومة لها ، في الوقت الذي لا تبدي فيه أي دولة عربية مثل ذلك الموقف تجاه إسرائيل .
الموضوع إذاً أكثر تداخلاً وتعقيداً مما يظنه الكثيرون . فالأمور لا تسير بالبساطة التي توحي بها نمطية العلاقات الثنائية بين الدول . والمدخل الأكثر صحة ودقة في بحث موضوع العلاقة بين العرب وكل من إيران وتركيا تستوجب محاولة فهم نظرة إيران إلى العرب المسلمين ونظرة تركيا إليهم أيضاً وليس نظرة العرب المسلمون إلى كل من تركيا وإيران . فالبعض يعتقد مخطأ ً أن حقيقة العلاقة ومستقبلها تبدأ بالعرب في حين أنها في الحقيقة تبدأ في إيران وتركيا وتنتهي بالعرب بإعتبارهم الطرف الأضعف وهم بالتالي الطرف المُستـَقبـِلْ وليس المُرْسِل .
إيران وتركيا لا تنطلقان من فراغ ، بل من عمق تاريخي يمتد بالنسبة لإيران منذ حقبة ظهور الإسلام وحتى الآن وبالنسبة لتركيا منذ أكثر من خمسة قرون . ومواقف كلا الدولتين من قضايا المنطقة تحديداً والتغييرات الإستراتيجية المتوقعة فيها لا تنطلق من إستجابة آنية عفوية للتفاعلات والتغييرات ، بقدر ما تعكس الجذور التاريخية التي ربطت كلا الدولتين بدول المنطقة ومدى تأثير ذلك على أولوياتها  وعلى تعريف وتحديد مصالحها الوطنية .
الدور الإقليمي لإيران وسياستها الإقليمية تعكس فلسفة أمة و دولة ، في حين أن الدور الإقليمي لتركيا يعكس فلسفة حزب في الحكم . وهذا يعني أن الدور التركي قد يتغير بتغير الحزب الحاكم وهو أمر منظور ، في حين أن الدور الإيراني لا يرتبط بنظام حكم معين بل هو في صلب الموقف القومي الفارسي .
مفهوم القومية الفارسية للعلاقة مع العالم العربي يكتنف في طياته حقداً دفيناً وثارات تاريخية بين الفرس والعرب المسلمين اللذين ساهموا في بداية الفتوحات العربية الإسلامية في تدمير الأمبراطورية الفارسية وأمتصوا حضارتها وأذابوها في الحضارة الإسلامية وقضوا على قوميتها الفارسية . أما بالنسبة  للأتراك العثمانيين فإنهم ، على العكس ، ركبوا صهوة الجواد الإسلامي وإمتصوا من الحضارة الإسلامية ما لزمهم والتحفوا بمفهوم الخلافة الإسلامية لإعطاء أنفسهم الشرعية الدينية لحكم أمم من المسلمين في مناطق وأقطار متنامية الأطراف.
نحن نتكلم إذاً عن قطبين إسلاميين وعن قوميتين واضحتي المعالم ، لكل منهما تجربته الخاصة مع الخلافة الإسلامية وهي تجارب تضرب في عمق التاريخ الإسلامي يتم العمل على إحيائها من سبات عميق لترث ما تبقى من الجسم العربي المريض قبل أن يتحلل تماماً ويصبح جثماناً هامداً يستدعي الجوارح من كل حدب وصوب .
إيران الأكبر والأقوى والأكثر استقراراً تمتاز بالصبر وبنفس طويل وقدرة على التخطيط الإستراتيجي والضرب على المفاصل الأساسية في بؤر الصراع الإقليمي واستغلال مناطق الضعف بذكاء وبشكل أدى إلى غرس نفوذها الإقليمي بصمت قاتل بعيداً عن الصخب في مسـاره ، وإن كان عكس ذلك في نتائجه . فالعلاقة الإستراتيجية التي تربط إيران بسوريا والعلاقة العضوية التي تربط إيران “بحزب الله” في لبنان كلاهما عززا الدور الإيراني في العالـم العربي . وإستفحال النفوذ الإيراني في العراق بعد الغزو الأمريكي وخصوصاً في عهد حكومة نوري المالكي ساهم في إستكمال حلقة النفوذ الإيراني في العراق بالإضافة إلى سوريا ولبنان وهي دول تكرست بعد إتفاق سايكس- بيكو . وهذا يفسر لماذا تم اطلاق اسم داعش “دولة الإسلام في العراق وبلاد الشام” على هذا التنظيم السني ذو النزعه الدموية والجموح المذهبي الواضح والساعي إلى تأسيس دولة إسلامية سنية معادية للنفوذ الشيعي الإيراني في العراق وبلاد الشام .
إيران إذاً تلعب دورها الإقليمي استناداً إلى موقف عقائدي قومي لا تحكمه السياسة الإيرانية بقدر ما يحكمها هو . وهذا يعني أن العرب أمام طرف قوي ذو جذور قومية فارسية قوية يعمل على احتكار حق تمثيل الشيعة في العالم ويتصرف ، مع ذلك ، ضمن ضوابط المصلحة الوطنية الإيرانية الفارسية . وهذا أمر يجب الوقوف عنده بجدية لأن تكريس ذلك الدور المذهبي سوف يعطي إيران شرعية سياسية ودينية وأخلاقية على كافة التجمعات الشيعية متجاوزة بذلك أي ولاء وطني لتلك التجمعات . وفي الوقت نفسه فإن الإفتراض بأن إيران تمثل شيعة المنطقة ومعظمهم عرب هو أمر غير صحيح . فليس كل من يؤمن بالمذهب الشيعي موالٍ بالضرورة لإيران أو منتمياً إلى العِرْق الفارسي ، اللهم ، إلا إذا كان هنالك ارتباط عضوي ما،  مثل العلاقة بين إيران وحزب الله اللبناني .
ومع أن نظام الملالي يسمح لرجال الدين الشيعة بلعب أدوار سياسية مؤثرة ، إلا أن هذا لا يعني ولا يجب أن يعني حتمية تبعية الشيعة العرب لإيران . ومن هنا تأتي أهمية الإبتعاد عن المذهبية بشكل عام كهوية لأنها قد تشكل مدخلاً للقوى المذهبية الأكبر في الإقليم للهيمنة السياسية على القوى المذهبية الأصغر. واذا ما كانت القوى المذهبية الأكبر تنطلق في مواقفها السياسية من نظرة قومية شوفينية مثل إيران ، فإن ذلك سوف يعني بالتأكيد التبعية السياسية والخضوع الكامل بغض النظر عن حدود ومحددات الرابطة المذهبية .
إن السعي العـربي نحو إيران دون ابداء أي مقاومة لنـواياها الإستعـمارية هو السمة العجيـبة للسياسـة الخارجـية لبعض الأنظمة العربيـة في الفترة الأخيـره . وهذا التهالك العربي يُخـَلـﱢص العديد من الدول ومنها إيران من الحَرَجْ المترتب على التعدي العلني على الحقوق العربـية . وغياب أي موقف عربي من تصـريحات مثل التي صدرت مؤخراً عن إيـران وتـَعْتـَبـِرْ العـراق جزأ ً منها وبغـداد إحدى عواصمـها ، يشجع إيـران ودول أخـرى على المضي في الأنقضاض على الأشلاء العربية . وحتى قبل أن يتم هذا الأمر بشكل كامل ، فإننا ننظر الآن إلى عالم عربي متهتك حيث القرار النهائي في ثلاث من دوله ، وهي العراق وسوريا ولبنان ، بيد إيران .
إن موقف إيران من إسرائيل قد تكمن جذوره في الإنتماء للإسلام وبإعتبار القدس مكاناً إسلامياً مقدساً . ولكنه قد يكون في نهاية المطاف موقفاً سياسياً أكثر منه مبدئياً أو دينياً ، ومدخلاً لإكتساب تأييد ودعم وتعاطف العديد من العرب على إختلاف مشاربهم  بإعتبار إيران دولة مـُقَاوَمَة بالإضافة إلى كونها شريان الحياة “لحزب الله” اللبناني الذي يطلق على نفسه صفة “الحزب المقاوم” . والواقع أن هذه السياسة قد ساهمت في إضفاء نمط من الشرعية الشعبية على الدور الإيراني بإعتباره جزأ من الجهد العسكري المضاد لإسرائيل والمقاوم لها . وفي واقع الأمر ، فإن هذا لم يكن بالضرورة هو موقف الدولة الإيرانية الفارسية تجاه إسرائيل دائماً وفي كل الأحوال ، وقد لا يستمر كذلك إذا ما تغيرت الظروف أو اختلفت المصالح والمتطلبات الوطنية للدولة الإيرانية .
أما تركيا ، فإن الوضع مختلف . فالذي أعاد تركيا إلى الساحة الإسلامية ليس الرؤيا القومية التركية ، بل سياسة الحزب الذي فاز بالإنتخابات وَهَيـْمَنَ على مقدرات السلطة في تركيا بشكل مَكـﱠنَه من إعادة وضعها على الخارطة الإسلامية . وعندما تجرأ الحزب الحاكم من خلال رئيسه رجب طيب أردوغان على الإشارة إلى الخلافة العثمانية والأرث العثماني فإنه فعل ذلك بلباقة وحَذَرْ خِشيةً من رد فعل المعسكر العلماني التركي الأتاتوركي ، وتقديراً للحقيقة بأن الإسلاميين في تركيا ليسوا بالضرورة عثمانيين كون الخلافة العثمانية تفترض أن تلعب تركيا دوراً إسلامياً إقليمياً رئيسياً مما قد لا يكون أمراً يمثل رأي أغلبية الشعب التركي  .
هنالك قوتان إقليميتان أساسيتان تمثلان طائفة السنة من المسلمين في الشرق الأوسط ، إحداهما عربية وهي مصر والأخرى غير عربية وهي تركيا . وفي الواقع فإن كلا الدولتين تعانيان من مشاكل داخلية خطيرة .
تخضع مصر لعملية استنزاف متواصلة ، أمنية ولوجستية ، تحد من قدرتها على الإستقرار والنمو ، وتجعلها خاضعة لضغوط المساعدات النفطية بشكل مستمر ، مما قد يحد أحياناً من إستقلالية قرارها السياسي . وهذا الإستنزاف لمصر الذي تقوم به حركة الأخوان المسلمين والفلول الإسلاميه المسلحة في سيناء يقف من خلفها ويدعمها تركيا ، وهي المنافس الرئيسي لمصر على الزعامة الإقليمية للسنة في الإقليم الشرق أوسطي بشكل عام . وعلى أي حال ، فإن إستنزاف مصر وإغراقها في مشاكل داخلية يجعلها إما غير قادرة أو عازفة عن لعب أي دور إقليمي مؤثر إلا إذا كان ذلك الدور يتعلق بأمنها القومي مباشرة .
تركيا ، هي الأخرى ، ممزقة من الداخل بين تيارات وأحزاب سياسية تتراوح بين العلمانية المفرطة والأسلامية المفرطة وما بينهما دون أن يكون بينها أي حزب يتبنى ويدعو إلى عودة الخلافة العثمانية . تركيا بدون الأرث العثماني لن تكون قادرة على لعب أي دور إقليمي إسلامي ولن تتمتع بأي نفوذ ديني على باقي الدول السنية في المنطقة .
إن قدرة تركيا على لعب دور القائد للسنة في الإقليم الشرق أوسطي يتطلب توفر إجماع تركي داخلي واضح ومستمر وعابر لكل الأحزاب على قيام تركيا بلعب هذا الدور ضمن إطار عثماني ، وهذا غير متوفر حالياً مما يعني ضعف الموقف التركي بشكل عام. وهذا دفع بحزب التقدم والعدالة الحاكم إلى تبني بعض الحركات والتنظيمات الإسلامية ومنها حركة الأخوان المسلمين ومكتبها العالمي كغطاء تقوم تركيا من خلاله بلعب هذا الدور الإسلامي . وبالطبع فإن هذا سوف يصب في مصلحة الدولة التركية والقومية التركية كي تقوم ، مرة أخرى ، وكما فعل العثمانيون من قبل ، بامتطاء الحصان الإسلامي لبسط نفوذها على العالم السني وإستبدال مفهوم الخلافة القديم والبائد بمفهوم جديد يستند إلى إستعمال الحركات الإسلامية السنية لإضفاء شرعية دينية على الدور التركي الذي يلعب دور الحاضنة لتلك الحركات . وهذا يعطي تركيا المجال للعب أدوار إسلامية سنية مهمة ولكن ضمن رؤيا سياسية تركية تتفادى تأزيم الوضع التركي الداخلي الذي يخشى من الآثار السلبية للأرث العثماني والذي قد يُبْعـِدْ تركيا عن العلمانية والتقدم كدولة شرق أوسطية / أوروبية ويحولها إلى دولة شرق أوسطية / إسلامية حصراً.
الوضع العربي الممزق والمهلهل يشكل قطباً جاذباً لأعداء العرب . ومسيرة الإنحلال العربي الآن يواكبها نمط من الحكام غير المؤهلين لقيادة المرحلة وإنقاذ النظام العربي من الإنهيار . وقد دفع هذا الوضع بالأمور إلى مزيد من الإستسلام العربي ومحاولة مواكبة الوضع من خلال العمل على تملق الدول غير العربية المرشحة لوراثة الوضع العربي ، عوضاً عن التصدي لها ومنع العالم العربي من الإنزلاق في غياهب التمزق والضياع الوطني والتدمير الذاتي الإنتحاري .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر