الراصد القديم

2015/03/04

حلف عسكرى عربى

  عبد الحليم قنديل

مع إنشاء هيئة عربية كبرى لتصنيع السلاح المتطور.. ومشروع نووى سلمى.. ووكالة فضاء لإطلاق الأقمار الصناعية
 
حانت اللحظة المناسبة للدعوة إلى مبادرة جديدة، مضمونها باختصار: إنشاء حلف عسكرى عربى .
ونعرف بالطبع أن ثمة معاهدة دفاع عربى مشترك، جرى عقدها أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ثم انتهت إلى الحفظ فى الثلاجة، وكاد الناس ينسون وجودها أصلا، تماما كمصائر اتفاقات جامعة الدول العربية فى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والتى صارت فولكلورا ميتا، فالجامعة تحولت إلى قبر من رخام، وبالذات فى الأربعين سنة الأخيرة، مع تفكيك التعبئة والتنمية بنهاية حرب أكتوبر 1973، وتوارى الدور القيادى الحاسم لمصر فى أمتها العربية، وتراجع المشروع القومى العربى، وإحلال مشاريع هيمنة أمريكية وإسرائيلية وتركية وإيرانية، وتحكمها فى مصائر المنطقة، والتحطيم المتصل للكيانات العربية القطرية، التى صاغت حدودها اتفاقية « سايكس بيكو» قبل مئة سنة تقريبا، والتى قسمت الأمة جغرافيا إلى أقطار، ثم تتعرض هذه الأقطار الآن لنوبات تمزيق نهائى، وتجرى تجزئة المجزأ، وتقسيم الأقطار إلى أمم صغرى طائفية وإثنية، بل إلى فوضى عبث دموى بربرى على طريقة خلافة داعش وأخواتها .
وفى وقت نهوض مصر الناصرية، كان العمل العسكرى العربى ينطلق من قاعدته فى القاهرة، وكان الدعم العسكرى المصرى كثيفا ومؤثرا ومباشرا لحركات التحرير مشرقا ومغربا، ثم كانت النجدة العسكرية المصرية لثورة اليمن، وصياغة إطار ميدانى لقيادة عربية مشتركة، حاولت التنسيق بين جيوش دول الطوق المحيطة بكيان الاغتصاب الإسرائيلى، كانت القيادة المشتركة صورية تماما، وجرى استيعاب الدرس بعد هزيمة 1967، وتبلور إطار عمل اقتصادى عسكرى جديد، تقاسمت الأدوار فيه دول الجبهة ودول الدعم المالى، وكان الجيشان المصرى والسورى تحت قيادة واحدة عمليا فى حرب 1973، وبما أسهم فى تحقيق عنصر المبادأة والمباغتة، وقاد إلى نصر السلاح الذى خذلته السياسة بعد الحرب .
كان وضوح الهدف، والإجماع على موارد الخطر، وقيادة مصر للعرب، كانت تلك هى الخلطة السحرية الضرورية للنجاح، وقد ضاعت الخلطة فى عقود الانهيار التى تلت الحرب، والتى سكتت فيها المدافع على جبهة الصدام مع إسرائيل، وقيل إن حرب أكتوبر هى آخر الحروب، لكن عشرات الحروب اندلعت بعدها، من الحرب الأهلية اللبنانية إلى حرب غزو الكويت، وإلى حرب غزو العراق وتحطيم ليبيا التى تكاد تلحقها سوريا الآن، ولم تسلم مصر، فقد جرى اقتيادها إلى المشاركة تحت قيادة الأمريكيين فى حروب الخليج، وفقدت دورها فى المنطقة كوتد للخيمة العربية، وجرى تفكيك اقتصادها وركائزها الإنتاجية فى الصناعة والسلاح، وتحطيم استقلالها الوطنى، وإنهاكها بحروب النهب العام فى الداخل، وإلى أن وقعت «من قعر القفة»، وانتهت إلى سيرة انحطاط وتخلف مرعب عن سباق العصر، لم تنقذها منه سوى ثورة خلع مبارك فخلع حكم الإخوان .
ومصر تستعيد أسماءها الحسنى اليوم، وتستعيد يقظتها إلى دور غابت عنه طويلا، وهو ليس دورا استعراضيا، ولا عملا تكميليا تملك مصر أن تستغنى عنه، فالدور المصرى عربيا هو صلب وجود مصر فى ذاتها، ومصرية مصر هى ذاتها عروبة مصر، وهذا هو قانون مصر فى دورات صعودها، ومن «مجدو» تحتمس إلى «قادش» رمسيس، ومن «عين جالوت» قطز إلى «حطين» صلاح الدين، ومن معارك محمد على إلى حروب جمال عبد الناصر، وإلى ضربات المعلم عبدالفتاح السيسى، والذى يستعيد الدور المصرى بدأب وثقة وذكاء، وبإدراك عميق لتغير الظروف، ويربط نهوض مصر فى الداخل بدورها فى المنطقة من حولها، ويدهس مناطق نزع السلاح فى سيناء، ويتخلص تدريجيا من روابط التبعية المذلة للأمريكيين، ويمد جسور الصلات العسكرية والصناعية والاقتصادية مع روسيا الجديدة، ويقيم علاقة تكامل وثيق بين فوائض القوة العسكرية المصرية وفوائض القوة المالية الخليجية .
نعم، استعادة دور مصر هى الشرط الجوهرى لبناء حلف عسكرى عربى، تتزايد دواعى الحاجة إليه باستمرار المخاطر القديمة، وبتجدد مخاطر أعظم، تفكك دول المنطقة بداء الإيدز الإرهابى، وتقيم حول مصر دائرة من نار، فقد تحطمت إلى الآن ست دول عربية، أو هى بسبيلها إلى الزوال، وهى العراق وسوريا واليمن والصومال والسودان وليبيا، فوق أن وجود إسرائيل فى ذاته خطر على الوجود المصرى فى ذاته، بالحرب أو دونها، ولم يعد ممكنا مواجهة المخاطر كلها بالأساليب التقليدية الركيكة، ومن نوع قرارات الجامعة العربية الكاريكاتورية، أو انتظار موقف مجلس الأمن الدولى، أو مسايرة تعليمات واشنطن التى تدعم إسرائيل، وتتلاعب بأوراق الإخوان وجماعات الإرهاب الخائنة للإسلام، وتدعونا للاحتراق مجددا فى أتون حروب حلف الأطلنطى، بينما المصيبة مصيبتنا، والتفكيك يجتاح دولنا، وهو ما يدعونا للإلحاح على إنشاء حلف عسكرى عربى، تبادر مصر إليه، وتنهض بعبء قيادته .
نقطة البدء ظاهرة كما نتصور فى إنشاء الحلف الجديد، فثمة مناورات عسكرية مصرية سعودية تجرى منذ سنوات، ثم أضاف إليها السيسى مناورات مشتركة مع دولة الإمارات، وأعقبها بمناورات مشتركة مع مملكة البحرين، ثم كانت الجزائر بجيشها القوى أول دولة عربية يزورها السيسى بعد تنصيبه رئيسا، ونتصور أن هذه كلها إشارات مضيئة لما يمكن عمله، والبدء بنواة الدول العربية المكونة للحلف، وتوحيد نظمها العسكرية، وعقائدها القتالية، وأنماط تسليحها، وتوثيق الخبرات المشتركة، وتبادل التسهيلات ونقاط الارتكاز ومخازن السلاح، وتطوير وسائل نقل القوات إلى مسارح الخطر، وعلى أن يكون الحلف مفتوحا للدول العربية الراغبة فى الانضمام إليه، ودون إخلال أو تعارض مع التزامات الأطراف المعنية فى جامعة الدول العربية، ومع إنشاء هيئة عربية كبرى لتصنيع السلاح المتطور، ومشروع نووى سلمى، ووكالة فضاء لإطلاق الأقمار الصناعية .
تبدو القصة كلها حلما، لكنه ممكن التحقيق، والآن وليس غدا .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر