الراصد القديم

2015/03/04

هل يهدم معول الجهل حضارة بلاد الرافدين؟

 منى مقراني
 
نقلت جل وسائل الإعلام العالمية مشاهد في غاية الإنحطاط والتخلف وفي منتهى الألم بالنسبة لمن إستطاع متابعة لقطات البؤس والتصحر الأخلاقي تلك.
والتي تمثلت في تحطيم كنوز ونفائس الحضارة الآشورية(1392_612)ق.م؛ الموجودة في متحف الموصل، ويبدو أن تنظيم الدولة الإسلامية مصر علی جذب إنتباه وتركيز العالم عبر الوسائل الإعلامية المختلفة وتحريف البوصلة بأي ثمن كان، بإحتراف التخريب والهدم لشد انتباهنا عن المعضلة الإنسانية الحقيقية في العراق وسوريا .
فقد بات التنظيم (يتفنن) في إيذائنا وجذبنا بشتى الطرق والوسائل بدءا من إدعائها رفع راية الإسلام وتطبيقها القاصر المعوج لتعاليمه مرورا بقتل الناس وتقطيع رؤوس الأسری وحرقهم (وإن كانوا سنة) وصولا إلى محاولتهم محو الذاكرة العراقية والإنسانية عموما .
ويكفيهم جهلا قطع رأس أحد التماثيل بعد إسقاطه وكأنه كبيرهم الذي علمهم السحر. ويبدو أن المشاهد المقيتة تلك تخفي وراءها حقيقة هذا الكيان وسبب وجوده وكأنها مرآة عاكسة له، فهو لم يوجد إلا ليهدم ويتم ما بدأه الإحتلال الأمريكي في2003 فتطبيق مشروع بتر العراق بدأ مذ ذاك التاريخ.
ومن حق العراقيين خصوصا والعرب عموما أن يتساءلوا: لماذا لايلتفت الی هدم الإنسان العراقي وتقطيعه مذهبيا وطائفيا؟ وهل التنظيم وحده من يقوم بهذا الفعل الشنيع؟ لماذا لا يسلط الضوء على الكيانات الإرهابية الطائفية المختلفة الأخری؟ أم أن العالم صم أذانه عن سماع أخبار قتل العراقيين وتهجيرهم! لماذا الانتقائية في نقل صور الدمار ؟ ليس أمرا هينا بتاتا تكسير تراث إنساني يمتد لآلاف السنين قبل الميلاد ناهيك عن بعدها؛ وليس من العقل الإستهانة بهكذا ممارسات بائسة، لكن أين الإنسان العراقي من كل هذا الحراك الإعلامي الموجه بعناية ودقة فائقة؟
المتابع للتغطية الإعلامية العالمية لتحركات وممارسات هذا الكيان المتطرف يجعلك تتساءل حقيقة عن معيار الحياة والقيم الذي تتبناه هذه الإمبراطوريات الإعلامية العالمية.
اين هم من كل ما حدث ويحدث في العراق وسوريا؟ هل حرق الكساسبة جريمة لا تغتفر وحرق شعب بالبراميل المتفجرة مسألة فيها نظر!
كيف يتم التفريق بين ممارسات المالكي سابقا والميليشيات الطائفية الإيرانية في العراق وجرائم الإبادة والقتل بالكيميائي التي قام بها بشار الأسد وبين ما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية ! لايمكننا أن نساوي بين الفعلين فالفرق واضح بين القوتين.
تنظيم الدولة الإسلامية بفعله الأخير هذا ضرب عصفورين بحجر كما يقول المثل؛ قام بسياسة توجيه الأنظار بواسطة الإعلام كما هي عادته منذ زمن وأضاف منبعا يدر عليه أموالا طائلة إضافة إلى منابعه الأخری كبيع البترول والفدية والضرائب …الخ؛ فهو بذلك يسعى إلى بيع آثار المتحف في السوق السوداء؛ ولن أتفاجأ اذا سمعنا أو شاهدنا منحوتات أو كنز من كنوز حضارة ما بين النهرين تباع او تهرب في الظلام كما حدث سابقا وعلى مر السنين.
الحضارة يبنيها الإنسان؛ ولا يوجد ماهو أهم ولا أعظم منه فهو الذي يصنع تاريخه ويبني حاضره ومستقبله، ولا توجد إرادة أقوی وأقدر من رغبة الإنسان في الحياة والإستمرار ، ولن يعجز العراقيون عن إيجاد أو إبتكار حلول تعيد لهم وطنهم فهم بناة حضارة منذ الأزل، بدءا من السومريين (3500) ق.م مرورا بالبابليين، إلى الآشوريين.
إن شعبا عظيما كتب في(5000)ق.م، شعبا سن قادته القوانين كقانون حمورابي الذي بقي شاهدا على رقي بابل أقوی مدينة في القرن الثامن عشر ق.م، شعبا ظل حضنا عربيا لكل من قصده؛ أنجب للأمة خيرة علمائها وأطبائها ومثقفيها وأدبائها، لن يعجزه معول الخشب المهترئ ؛ فهو صلب حجر الصوان ، وسينتفض ويغسل عن وجهه كل آثار الحزن والألم، ويعود شامخا أبيا كما عهدناه دوما.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر