الراصد القديم

2015/03/04

روسيا والصراع على القطب الشمالي

في الخامس والعشرين من شباط الجاري، أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، «أن بلاده مستعدة لحماية مصالحها في منطقة القطب الشمالي بما في ذلك بالوسائل العسكرية»، لافتاً إلى أن بعض الدول تسعى بإصرار إلى القطب الشمالي وتتخذ خطوات سياسية وعسكرية واقتصادية محدّدة من أجل ذلك. وقال الوزير الروسي: إنه «يعتبر الوجود العسكري الروسي الدائم في القطب الشمالي وإمكانية حماية المصالح الوطنية الروسية بالوسائل المسلحة جزءاً أساسياً من سياسة ضمان الأمن القومي الروسي»، مُوضحاً أن بلاده ستعمل على زيادة القوات المتمركزة في شبه جزيرة «تشوكوتكا» لضمان أمن الطريق البحري الشمالي وصد التهديدات المحتملة في منطقة القطب الشمالي. وكانت روسيا أعادت تشكيل أربعة ألوية للدفاع الجوي الفضائي التابعة للمنطقة العسكرية الشرقية، التي تدخل من ضمنها «تشوكوتكا»، في فرقة دفاع جوي واحدة، كما تم تشكيل أفواج دفاع كيميائي وإشعاعي وبيولوجي في تلك المنطقة. ونشرت روسيا وحدات رادار ومراكز لتوجيه الطائرات في هذه المنطقة أيضاً في خريف 2014، بالإضافة إلى تسلم المنطقة العسكرية الشرقية الروسية مؤخراً طائرات مقاتلة حديثة من نوعي «سوخوي-30» و «سوخوي-35» ومروحيات قتالية من طراز «كا-52» وأنظمة صواريخ من نوع «بال» وغيرها من الأسلحة الحديثة.
لقد أصبحت المصالح المتعارضة والمتنافسة في منطقة القطب الشمالي تتسم بمزيد من التعقيد لغياب اتفاق شامل بين الأطراف المتصارعة، وغياب نية التوصل إلى مثل هذا الاتفاق في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب أيضاً. ومع تطوير معدّات وتكنولوجيات التنقيب في المياه المتجمّدة، فإن النزاع على تقاسم مناطق التنقيب سيستمر، في غالب الظن، بل ستزداد حدّته مستقبلًا. واللافت هنا أن دول منطقة القطب الشمالي قامت بتصنيع 66 سفينة عسكرية تستطيع خوض الحرب في شمال الكرة الأرضية. وتنوي روسيا، هي الأخرى، تصنيع 15 غواصة وكاسحة جليد جديدة لهذه المنطقة تحديداً. وتسعى روسيا إلى الحصول على الاعتراف الدولي بملكيتها لأجزاء من المحيط المتجمّد الشمالي تبلغ مساحتها 1,2 مليون كيلومتر مربع، تعتقد أنها تحتوي على حوالي 10 مليارات طن من النفط على أقل تقدير. وكانت بعثة روسية نصبت العلم الروسي في قاع المحيط المتجمّد الشمالي في العام 2007، في إطار السعي إلى إظهار حقوق روسيا في أجزاء معينة من منطقة القطب الشمالي لكونها دولة تُطل على المحيط المتجمد الشمالي، بجانب كل من كندا والولايات المتحدة والدنمرك والنرويج. كما قدّمت موسكو في 2001 إلى لجنة تابعة للأمم المتحدة مجموعة من الحُجج تُثبت أن المياه الواقعة أمام سواحلها الشمالية ما هي إلا امتداد لمياهها الإقليمية، ولكن اللجنة رفضت هذه الحُجج وطالبت روسيا بتقديم المزيد من الأدلة.
وتُفيد بعض التقديرات بأن الجرف القاري للمحيط المتجمّد الشمالي يضمّ حوالي ربع احتياطات بحار العالم من موارد الطاقة. وتؤكد تقارير أخرى أن احتياطي هذه المنطقة من النفط وحده يبلغ حوالي 90 مليار برميل. أما التقديرات الروسية، فتشير إلى تركز ما بين 70 و80 في المئة من مجمل احتياطيات منطقة المحيط المتجمد الشمالي من النفط والغاز في منطقة الجرف البحري الروسي. وكانت روسيا أكدت أن استخدام موارد منطقة القطب الشمالي يُعدّ ضماناً لأمن الطاقة فيها، وسارعت إلى إصدار تشريعات برلمانية لتحديد المنطقة التابعة لها في القطب الشمالي. كما أعلن مجلس الأمن القومي الروسي في 2010 عن استراتيجية جديدة تقضي بتشكيل قوة عسكرية لحماية مصالح روسيا في المنطقة القطبية الشمالية. وتتوقع هذه الاستراتيجية أن تُصبح هذه المنطقة المصدر الرئيس للنفط والغاز في روسيا خلال السنوات المقبلة.
ويُواجه التحرك الروسي بمنافسة شرسة من قبل الولايات المتحدة وكندا والدنمرك والنرويج، التي تمتلك جميعها شريطاً ساحلياً مع القطب الشمالي وتدّعي سيادتها على أجزاء منه. وكانت الولايات المتحدة وكندا قد أرسلتا في السنوات السابقة بعثة مشتركة إلى المنطقة لجمع معلومات تؤكد حقهما في أجزاء من هذه المنطقة. ويتعقد الوضع أكثر لأن عدد الدول التي تقف عند أبواب القطب الشمالي أكبر بصورة ملحوظة من عدد الدول المطلة على ساحاته الجليدية. فالصين هي الأخرى بدأت تتوجّه إلى المنطقة استعداداً للمشاركة في تقاسم الثروات الطبيعية الهائلة هناك، حيث وجهت إلى «أركتيكا» أكبر كاسحة جليد مطوّرة غير نووية في العالم، كانت قد صُنعت في الحقبة السوفياتية في أوكرانيا. ولا تدّعي الصين بوجود حقوق قانونية لها على أي جزء من أجزاء القطب الشمالي، ولكنها تنتظر اتفاق الدول المطلة عليه كي تستفيد من النفط والغاز هناك. في الوقت نفسه، ترى واشنطن أن ايسلندا والسويد وفنلندا لها الحقوق ذاتها في الموارد الكامنة في المحيط القطبي الشمالي. ففي العام 1996، تأسس ما يُسمّى «مجلس القطب الشمالي» بمبادرة من فنلندا. ويُعدّ هذا المجلس أهم منظمة إقليمية لمنطقة القطب الشمالي، ويضم الدنمرك وفنلندا وايسلندا وكندا والنرويج وروسيا والسويد والولايات المتحدة. كما تضمّ هذه المنظمة بعض الدول المراقبة، وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وبولندا وإسبانيا والصين وإيطاليا وكوريا الجنوبية. ويتعلق الصراع على القطب الشمالي أيضاً بما ينجم عن ارتفاع حرارة المناخ من جعل الطرق البحرية الشمالية مفتوحة للملاحة خلال فترات أطول.
في ضوء ما سبق، لا يُستبعد أن تُصبح منطقة المحيط المتجمّد الشمالي حلبة مستقبلية لتصادم حاد بين مصالح استراتيجية لدول عدة، على رأسها روسيا والولايات المتحدة، خصوصاً في ظل التوتر الحالي المُعقد بينهما على خلفية الوضع في أوكرانيا. وهذا ما دفع بعض المراقبين الروس والغربيين إلى عدم استبعاد تطور الخلاف حول ثروات القطب المتجمد الشمالي إلى صراع مسلح «غير نووي»، حيث دأبت روسيا على تحذير الدول الأخرى المطلة على القطب الشمالي من مغبة منعها من الوصول إلى مكامن الثروات الطبيعية، وذلك في ظل نشاط الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهة المصالح الروسية في تلك المنطقة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر