الراصد القديم

2015/03/31

صحافة لبنان الاقتصادية: تسويق الاستدانة

 مهى زراقط

مرّ أكثر من شهر على تسجيل لبنان «أكبر وأنجح إصدار سندات خزينة في تاريخه». خبر هذا الإصدار نشر عبر مختلف وسائل الإعلام، ولم يخلُ من حفاوة في بعضها، لكن الكثير من اللبنانيين لا يعرفون إلى اليوم ماذا يعني هذا النجاح الكبير، كما لا يعرفون شيئاً عن هذه المليارات التي نكاد نضيع في عددها: خمسة مليارات، أو4.9 أو 2.2. كلّ ما قالته لنا «الصحافة الاقتصادية» في لبنان: اسمعوا كلام الوزير
مهى زراقط
ماذا يعني «إصدار سندات خزينة»؟ وما هو «إصدار اليوروبوند»؟ وماذا نفهم من «حجم الاكتتاب»؟
يمكن أن نحسن الظنّ بقارئ جريدة، ونتوقع منه أن يعرف ما تعنيه هذه المصطلحات الاقتصادية. لكن ماذا لو طرحنا السؤال في الشارع؟
أجرينا اختباراً بسيطاً على أشخاص من أعمار ومستويات علمية متفاوتة، وخرجنا بإجابة واحدة: لا أعرف.
اختبار آخر: «ماذا تعرفون عن المليارين ومئتي مليون دولار أميركي التي أعلن عنها وزير المالية؟». بقيت «لا أعرف» حاضرة، لكن أضيفت إليها: «هبة سعودية جديدة» و«مساعدة دولية». طبعاً، كان هناك من عرف الإجابة الصحيحة: «دَيْن جديد». لكن هؤلاء كانوا قلّة.
لماذا لا يعرف الكثيرون حقيقة الموضوع، على الرغم من أن الوزير المعني، علي حسن خليل، حرص على إبلاغهم الأمر من خلال مؤتمر صحافي؟
ربما ليس هذا هو السؤال الصحيح. الأصحّ أن نسأل: كيف قدّم أبرز وسائل الإعلام اللبنانية خبر استدانة لبنان مليارين ومئتي مليون دولار أميركي (85% منها من المصارف المحلية) إلى اللبنانيين؟
نبدأ من الدعوة إلى المؤتمر الصحافي التي لم تخل من تشويق. إذ عرفنا مسبقاً أن خليل سيتحدّث عن «أكبر عملية إصدار سندات الخزينة بالعملة الأجنبية- يوروبوند». وفي كلام الوزير سنسمع على الوزن نفسه كلمات مثل الأهم والأنجح، إذ يقول: «نحن اليوم موجودون في حضور مديرين ومسؤولين للبنوك المسؤولة عن إصدار اليوروبوند الأخير، كي نعلن واحداً من أهم وأكبر الإصدارات التي حصلت منذ تاريخ دخول الدولة اللبنانية الأسواق المالية منذ التسعينيات وإلى الآن، وهو واحد من أكبر وأنجح الإصدارات التي حصلت».
نحن إذاً أمام حدث «تاريخي»، وها هي أبرز وسائل الإعلام في لبنان ترتقي إلى مستوى هذا الحدث وتخرج على اللبنانيين بأفعل التفضيل نفسها.
تلفزيونياً
ورد خبر المؤتمر الصحافي في مختلف نشرات الأخبار التلفزيونية، إلا أنه حلّ في مقدمة نشرتَيْ أخبار «أن بي أن» و«الجديد». أي أنه أتيح للمحطتين المذكورتين التعليق عليه. فماذا فعلتا؟
الحفاوة التي قوبل بها على الشاشتين جعلت من الصعب على المستمع أن يحزر أيّهما «الجديد» وأيّهما «أن بي أن». إذ بدأت الأخيرة (وهي القناة التي يتبع لها الوزير سياسياً) نشرتها بالحديث عن الوضع الحكومي ثم انتقلت إلى الحديث عن مضي وزارة المال «لحماية لبنان من أزمة مالية»، وعن قيام الوزير خليل «بواجبه عداً ونقداً، طلب مليار دولار فأتته أربعة مليارات و900 مليون دولار دفعة واحدة. المالية أصدرت سندات خزينة باليوروبوند لتسجل أكبر وأنجح الإصدارات في تاريخ دخول لبنان إلى الأسواق المالية بقيمة مليارين ومليوني دولار».
انقصت «أن بي أن» المبلغ من مليارين و200 مليون دولار الى مليارين ومليوني دولار، في حين ان «الجديد» (المعارضة التاريخية لسياسات الرئيس الراحل رفيق الحريري الاقتصادية) زادت المبلغ من 4 مليارات و900 مليون دولار الى 5 مليارات، فبدأت النشرة مباشرة بالحديث عن «قطار اليوروبوند الذي ينطلق مسرعاً من دون محطة ولا سكة حديد». ولا بأس بالنسبة إلى «الجديد» في تدوير الأرقام، فما هي المئة مليون دولار؟ هكذا، نستمع: «وطن بلا سند سياسي يحرز السبق في إصدار السندات المالية. فعلى الورق وضعنا ممتاز، نطلب ملياراً للدين فيأتينا خمسة ما يعني أن الأسواق العالمية تثق في هذا البلد».
هل من يشرح للمشاهد ماذا يعني هذا الكلام؟
كيف له أن يعرف أننا في صدد الحديث عن استدانة؟ وكيف تأكدنا أن هناك ثقة من الأسواق العالمية، إذا كان الوزير نفسه قال إن الاكتتاب الخارجي بلغ 15% فقط، ولم يخبرنا من هم المكتتبون؟ ألا يمكن أن يكونوا لبنانيين أيضاً؟ وما هو المبلغ الذي «حصلنا» عليه فعلياً: 5 مليارات؟ 4.9 ؟ أم 2.2؟
الصحف اليومية
ربما لا يحظى التلفزيون (مبدئياً) بترف الشرح، فماذا عن الصحف اليومية التي تخصّص كلّها صفحات اقتصادية لقرّائها؟ المشكلة ليست أقلّ في الصحف التي اخترناها وهي: «السفير» و«النهار» و«المستقبل» و«الأخبار».
الاهتمام واضح، إذ حلّ الخبر على صدر الصفحة الأولى في كلّ من جريدتي «النهار» (المانشيت) و«السفير» (مقال موقّع من الزميل عدنان الحاج)، وحظي بإشارة على صفحة «الأخبار» الأولى، فيما غاب عن «الأولى» في «المستقبل».
وكتب عدنان الحاج تحت عنوان «أنجح إصدار لليوروبوند في أصعب ظرف. لبنان يطلب مليار دولار والعروض 5 مليارات» أن هذا الإصدار «هو مؤشّر إلى مدى تمتّع لبنان بعنصر الثقة، برغم أزماته السياسية والأمنية، وخصوصاً واقع الفراغ الرئاسي والمؤسساتي، ناهيك عن تراجع المؤشرات الاقتصادية والاستثمارات في لبنان بنسب كبيرة».
أما «النهار»، فعنونت «إصدار مالي يؤكّد الثقة بلبنان»، وجاء في المانشيت أن «إصدار الأوروبوند الأكبر منذ دخول لبنان الأسواق المالية كان لافتاً بما يؤكد الثقة الدولية بلبنان واستقرار وضعه المالي والنقدي، كما الأمني، إذ لا يمكن ضمان الوضع المالي في ظلّ تفلّت أمني يُلحق بالحركة الاقتصادية خسائر وانهيارات في الاسواق المصرفية والمالية».
وفي «الأخبار» (المفترض أنها صاحبة موقف نقدي لسياسة الاستدانة) نشر خبر المؤتمر الصحافي موقعاً من الزميل محمد وهبة، في الصفحة المخصصة للاقتصاد، تحت عنوان خبري، خال من الأوصاف «إقفال إصدار اليوروبوندز على 2.2 مليار دولار». وذكر وهبة في مقدمته أن الوزارة كانت تسعى «إلى جمع مليار دولار من إصدار سندات دين بالعملة الأجنبية (يوروبوندز)». وهذا هو المكان الوحيد في رصدنا للصحف، الذي نقع فيه على كلمة «دين». لكن هذا لا يعني أن الخبر صار واضحاً تماماً للقرّاء، خصوصاً أنه لا يشرح الأمر في متن موضوعه الذي ظهر فيه حرص على نقل كلام الوزير ضمن مزدوجين. الإضافة الوحيدة التي قدّمها وهبة للقارئ هي محاولة شرح أهمية هذا الإصدار على صعيد تصنيف لبنان السيئ B- (وطبعاً، نحن لا نعرف ماذا يعني تصنيف لبنان B-).
أما «المستقبل» فقد استخدمت في خبرها، الذي لا يتبنى بدوره أفعل تفضيل الوزير، كلمة «إقراض» فكتبت: «خليل حضّ القوى السياسية على إقرار قانون يسمح بسقف جديد للإقراض قبل حزيران»، ونقل المحرّر عن أحد المصرفيين الحاضرين أن «الإصدار يعزز الثقة بالاقتصاد ويوفر استمرارية للمالية العامة وبفوائد منخفضة».
المفارقة الطريفة هنا أن أحداً لم يكن ليميّز خبر «الأخبار» الاقتصادي، عن خبر «المستقبل».
هل فهمتم شيئاً؟
لم نقرأ بعد، أو نشاهد في برنامج حواري تلفزيوني، من يشرح لنا ما حصل. نحن لم نطالب بعد بالتصويب على سياسة الاستدانة، التي كانت خبزاً يومياً للإعلاميين كما السياسيين في مرحلة من المراحل. لا نريد أكثر من أن نفهم. ننتظر صحافياً يخبرنا أن «إنجاز الإصدار الأكبر» يعني أننا نستدين. للأمانة، كان هذا ما فعلته المحرّرة الاقتصادية في «النهار»، سابين عويس، بعد يومين من الإصدار عندما كتبت «أن استمرار وزارة المال في سياسة الاستدانة نفسها المعتمدة سابقاً من خلال الاصدارات، يأتي بمثابة استكمال أو استمرارية للسياسات «الحريرية» التي قوبلت بانتقادات واسعة في الماضي».
صوتان وحيدان انطلقا وسط هذه الحفاوة من البعض، أو «النأي بالنفس» من البعض الآخر، لطرح أسئلة نقدية. الأول هو صوت الوزير السابق شربل نحاس خلال مداخلة هاتفية معه عبر إذاعة «صوت الشعب» بعد ثلاثة أيام من الإصدار، لفت فيها إلى أن «سندات اليوروبوند تشكل تنازلاً إضافياً عما تبقى من السيادة الوطنية لأنها خاضعة لقوانين ومحاكم أجنبية»، وشرح أن «الدين داخلي بامتياز ومن يحمل سنداته مودعون لبنانيون» مشيراً إلى أن «المصارف تعيش على حساب دولتنا». أما الصوت الثاني فأطلقه «منبر الوحدة الوطنية» في 3 آذار الجاري يسأل فيه عن سبب «ابتهاج البعض لنجاح إصدار ما يسمى اليوروبوند واعتباره دليل ثقة عالمية بلبنان (...) هل مبعث الثقة أن لبنان يغطي دينه بالفوائد العالية ويبقى غازه ونفطه غير آمنين في البحر وممنوع لمسهما ضماناً لدين عام مطلوب تفاقمه لتأمين استمرار اقراضه ليستفيد منه من يجب ان يستفيد محلياً وعالمياً؟».
قد لا نطمع في إجابة على هذا السؤال، لكن هل من يشرح لنا ماذا تعني الاستدانة باليوروبوند؟ أو هل من يخبرنا ماذا ستفعل الدولة بهذا المبلغ؟
وربما كان السؤال الأهمّ: لمن يكتب الصحافيون الاقتصاديون؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر