الراصد القديم

2015/05/01

كلمة القائد المعلم جمال عبد الناصر فى وفد اتحاد العمال العرب بالقصر الجمهورى بالقبة ٢٩/ ١٩٥٩/٤



يمر العالم العربى فى هذه المرحلة من تاريخه بأحداث كبرى؛ وذلك لأسباب متعددة، ولكن يجب يجب علينا أن نذكر أن هذه المرحلة إنما هى مرحلة انتقالية من المجتمع الذى كان يسيطر عليه الاستغلال حتى نخلق المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية. ولا يمكن بأى حال من الأحوال أن نغير المجتمع فى مرحلة قصيرة أو بعمل قليل، ولكنا نستطيع أن نغير هذا المجتمع بالعمل المستمر والإنتاج الوافر، وفى نفس الوقت على مراحل، وهذا يحتاج إلى وقت ليس بالقصير. ونحن أبناء الأمة العربية، نتيجة للاستعمار والسيطرة الأجنبية، ونتيجة لاستغلال أعوان الاستعمار لثرواتنا وخدماتهم للاحتكارات الأجنبية، لم نستطع أن نسير مع العالم المتحضر فى التطور العلمى أو فى التطور الصناعى مما أثر على مستوانا الاقتصادى، ومما أثر على مستوى المعيشة فى بلادنا.
واليوم بعد أن استطعنا أن نحصل على حريتنا واستقلالنا، وفى نفس الوقت بعد أن أصبحت مشيئتنا وإرادتنا ملك لنا، بدأنا نعوض ما فات، ولكنا فى هذا بدأنا متأخرين عن أوروبا مثلاً أكثر من قرن ونصف من الزمان، فعلينا حتى نحقق المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية أن نضع هذا فى حسابنا، وعلينا أيضاً أن نشعر ونؤمن أننا أو أنكم أنتم العمال، الجنود الذين وقع عليهم واجب هذا البناء؛ بناء المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية.
وإن الشعب العربى يشعر بهذه الرسالة، ويشعر بهذا العمل الذى يقوم به العمال، فلا يمكن لأى بلد أن يتطور من مرحلة الإقطاع والاستغلال والسيطرة الأجنبية والتأخر إلى مرحلة خلق مجتمع ترفرف عليه الرفاهية إلا بالجهد الكبير، وإلا بالعمل الدائب المستمر، وهذه هى رسالتكم، وهذا هو ما تقومون به من أجل الأمة العربية جمعاء.
ولكنا فى هذا السبيل قد نقابل بعض التناقضات بيننا، وقد يحاول أعدائنا من الذين استعمرونا أو استغلونا أو الذين يريدون أن يسيطروا علينا، محاولة استغلال هذه التناقضات التى قد تظهر طفيفة، والتى قد يكون حلها الأمر السهل؛ وذلك لإثارة الفرقة وإثارة الأحقاد والضغينة حتى لا تجتمع كلمة العمال، وحتى لا يكونوا قوة تسند الأمة العربية فى كفاحها من أجل حريتها السياسية وحريتها الاجتماعية وحريتها الاقتصادية، وبهذا يتمكن أعداؤنا من استغلالنا، وبهذا يتأخر تحقيق أملنا فى بناء مجتمع ترفرف عليه الرفاهية. ولهذا، فإننا ونحن نعمل من أجل بناء هذا المجتمع يجب أن نتنبه إلى أن لنا من الأعداء الكثير؛ هؤلاء الذين لا يريدون لنا أن نطور بلدنا من النواحى الزراعية والصناعية والعلمية، حتى نبقى دائماً تحت سيطرة التأخر، الأمر الذى يحقق المصالح الكثيرة للمحتكرين وللمستغلين.
ونحن فى كفاحنا من أجل تدعيم استقلالنا - فى نفس الوقت الذى نكافح فيه من أجل بناء هذا المجتمع - نقابل عقبات وصعاب لا حد لها؛ نقابل الأعداء الذين حاولوا ويحاولون أن يضعونا داخل مناطق النفوذ، وهؤلاء قد يحاولوا بكل وسيلة من الوسائل أن يستغلوا التناقضات التى تظهر بين المجتمع فى هذه الفترة من فترات الانتقال حتى يخضعونا جميعاً لنفوذهم وسيطرتهم، ولكن يجب أن نتسلح بالوعى ونفهم أن علينا الواجب الكبير وعلينا واجب رئيسى فى سبيل البناء الاجتماعى، وفى نفس الوقت فى سبيل الحماية السياسية؛ وقد عبر مؤتمركم تعبيراً واقعياً واضحاً عن هذا الكلام الذى أقوله من أجل البناء الاجتماعى، ومن أجل حماية المكاسب السياسية التى حصلنا عليها.
ونحن اليوم نمر فى تاريخنا كأمة عربية فى مرحلة حاسمة قد يكون لها أثر كبير على مستقبلنا. وهذه المرحلة تختلف عن المراحل السابقة، فنحن منذ نشأنا على وجه هذه الأرض ونحن نكافح الاستعمار ونكافح السيطرة الأجنبية؛ لأننا خلقنا وكان الاستعمار يحتل بلادنا أو يحتل أى بلد عربى آخر. وفى كفاحنا للاستعمار كنا نتبع الأساليب التى تمكننا من التخلص من الاستعمار وأعوانه، ولكن الاستعمار دائماً كان يحور هذه الأساليب، ولكنه لم يستطع أو لم يحاول بأى وسيلة من الوسائل منذ قامت دعوة القومية العربية أن يطعن هذه الدعوة أو يعمل على هدمها.
واليوم نرى المحاولات الكثيرة؛ سواء من الاستعمار الذى هزم أمام إجماع الشعب العربى الذى رفع راية القومية العربية، أو من الشيوعيين العملاء الذين وجدوا فى القومية العربية عقيدة اجتماعية وسياسية تقدمية. ولهذا فإننا نرى اليوم التحالف المقدس بين من يريدون أن يخضعوا العرب، ويضعوهم ضمن مناطق النفوذ فى سبيل تحطيم هذه الدعوة أو القضاء عليها؛ حتى ينفسح المجال لأعوان الاستعمار للعمل لإخضاعنا للاستعمار الغربى، أو للشيوعيين العملاء للعمل لإخضاعنا للشيوعية.
إن القومية العربية هى رسالة قديمة تعبر عن دعوة استقلالية اجتماعية تقدمية، وهى فى نفس الوقت تعبير عن تضامن الأمة العربية فى جميع البلاد العربية، ولا تعبر بأى حال من الأحوال عن العنصرية كما يحاول أعداء العرب أو كما تحاول الصهيونية - التى هى فى أساسها عنصرية - أن تظهرها أو تشكلها. إن القومية العربية هى تعبير عن التضامن بين العرب فى كل مكان، وعن التساند.
اليوم نرى الاستعمار ينتهز الأحداث وينتهز الفرص، ثم يعيد الأساليب التى اتبعها فى الماضى للدس والخداع بين الدول العربية، ثم يستخدم الأعوان أو أعوان الأعوان. كان فى الماضى يستخدم نورى السعيد كزعيم لأعوان الاستعمار، وكان لنورى السعيد أعوان. اليوم بعد أن مات نورى السعيد وبعد أن تخلص منه شعب العراق، يستخدم الاستعمار أعوان أعوان نورى السعيد. هؤلاء الذين عملوا مع نورى السعيد ضد العراق وضد الأمة العربية، هؤلاء الذين عملوا مع نورى السعيد للقضاء على استقلال الأمة العربية، اليوم يحاولون أن يبينوا للعرب أنهم يمثلون الوطنية ويمثلون الاستقلال ويمثلون الحرية، ولا يمكن للعميل الذى تلوث مرة، ولا يمكن لأى من أعوان نورى السعيد الذين قبلوا فى الماضى أن يكونوا السوط فى يد نورى السعيد ضد الشعب، لا يمكن لهم بأى حال أن يعودوا شرفاء؛ لأنهم باعوا ذمتهم وباعوا ضميرهم منذ سنين طويلة، فاليوم يجد فيهم الاستعمار البريطانى الوسيلة التى يستخدمها ضد الأمة العربية. وكما قلت فى الماضى: لقد قامت ثورة على الثورة فى العراق، وقد قام بهذه الثورة أعوان أعوان الاستعمار؛ أعوان نورى السعيد. وإذا بحثنا اليوم عن من يتشدقون بالوطنية فإننا نجد فى تاريخهم كيف كانوا هم العون لنورى السعيد ضد الشعب العربى.
وفى نفس الوقت يحاول الشيوعيون العملاء فى الأمة العربية أن يخضعونا.. يخضعونا حتى ندخل ضمن مناطق النفوذ. وليس الأمر مسألة عقيدة أو مسألة مبدأ ولكنه مسألة مناطق نفوذ وإخضاع، فهناك يوجوسلافيا، وهى دولة شيوعية.. شيوعية كاملة، ولكنها حينما أبت أن تدخل ضمن مناطق النفوذ وتخضع لسيطرة الدول الكبرى أو تخضع لسيطرة الاتحاد السوفيتى، قامت الحملات تلو الحملات.
ليست المسألة مسألة عقيدة ولكنها مسألة سيطرة؛ إن اليوم الأحزاب الشيوعية التى تعمل كطابور خامس فى بلدنا إنما هى عبارة عن قواعد ضدنا؛ حتى تدفعنا، بعد أن تخدرنا ورغماً عن إرادتنا أو بعد أن تستطيع أن تغرر بنا، ضمن مناطق النفوذ. وهذا ما أبيناه منذ صممنا على هذه السياسة أو منذ قامت الثورة هنا فى مصر، (تصفيق)، ومنذ تبنى الأحرار فى كل بلد عربى الدفاع من أجل استقلال بلدهم والتخلص من السيطرة الأجنبية.
دعوتنا.. دعوة القومية العربية مبنية على الاستقلال الكامل، وعلى سياسة عدم الانحياز والحياد؛ ونعنى بهذا أن لا ندخل ضمن مناطق النفوذ الشرقية أو ضمن مناطق النفوذ الغربية. ولهذا فإننا نكافح اليوم.. نكافح ضد من يحاولون إدخالنا ضمن هذه المناطق؛ سواء من الاستعمار الغربى أو من المعسكر الشرقى.
ولكنا ونحن نسير فى هذا الطريق الذى آمنا به، نعتمد على الله وعلى الشعب العربى كما كنا نعتمد دائما؛ لنعمل ولندعم القومية العربية التى انتصرت فى الماضى، وستنتصر - بإذن الله - فى المستقبل، (تصفيق وهتاف)، ولندعم الأعمال التى قمنا بها، ثم لنوفر الفرص لتحقيق المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية والذى تتقارب فيه الفوارق بين الطبقات، بدون أن نمكن أى دولة أجنبية من أن تضعنا داخل مناطق النفوذ.
والعمل شرف كبير لنا جميعاً، ثم هو أيضاً له أثر فى تحقيق الأهداف التى نسعى إليها؛ فلا يمكن أن نحقق مجتمعاً ترفرف عليه الرفاهية إذا لم نعمل، والعمل - كما قلت - شرف يجب أن يشعر به جميع أبناء هذا الوطن، وهذا هو سبيلنا لتحقيق مجتمع ترفرف عليه الرفاهية. وأرجو لكم التوفيق.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر